ورقة نقدية لقصة ” دعوني أرى القمر”  للكاتبة  الأهوازية سرور ناصر

ورقة نقدية لقصة ” دعوني أرى القمر”  للكاتبة  الأهوازية سرور ناصر

ورقة نقدية لقصة دعوني أرى القمر”  للكاتبة  الأهوازية سرور ناصر

  • بقلم: أحمد عادل صاكي

ليس بغريب أن یعتمد الكاتب الأهوازي الشاب باعتباره العمود الفقري للنهضة الثقافية الأدبية المباركة تصویر مجتمعه بکل قضایاه ومعاناته، إذ أنَّ الأدب يُولد من رحم النفس الإنسانية ومعاناتها، وهذا ما يُلمس عند قرائتنا قصة “دعوني أرى القمر” للكاتبة الشابة سرور ناصر. حين قرأت القصة قبل أيام وجدت فيها ما يستوقفني فكانت حصيلة الاستيقاف هذه الورقة النقدية.

عنوان القصة باعتباره العتبة الرئيس من عتبات النص هو أول ما يبرز وجوده، حيث أن عتبة العنوان مفتاح الدخول للنص وجانب من جوانب الترويج له. يقول باختين ميشال في كتابة جمالية الرواية: “إن العنوان يفاجئ ويحيّر بحسب المعرفة التي يخلقها”. إن الكاتبة نجحت بامتياز في اختيارها عنوان القصة، كيف لا وأن العنوان لعب تماماً أدواره التي حدّدها الناقد الكبير جيرار جينيت؟  

إن التركيب الرمزي للعنوان تكفّل بترسيم جانب من جماليات النص، إذ أنه أدّي وظائفه، منها وظيفته التعيينية، حيث أعطت الكاتبة إسماً لقصتها يميزها عن باقي القصص كما أدّى العنوان وظيفته الوصفية حيث أشار إلى مضمون القصة ،ووظيفته الرمزية الايحائية إذ أن العنوان جاء يحمل أوجه متعددة من التفسير والتأويل، ووظيفته الاغرائية فنجده يغري القارئ لقراءته. “دعوني أرى القمر” جملة فعلية, تدل في أصل وضعها على الاستمرار والحدوث,  لعل ما أرادت به الكاتبة هو أنَّ مضمون القصة يحدث باستمرار دون انقطاع. دعوني… أتركوني…. فعل أمر يوحي بالشجب والإستنكار وكأنما هناك أصفاد وأغلال تكبّل يدي الراوي وأرجله، يتأمل أن يتخلّص منها. إذن هناك مشكلة !!!’. ما هذه الأصفاد التي يشعر الراوي بثقلها؟ ولم وُضعت؟ ومن الذي وضعها؟ أي ذنب اقترفه حتى استحق التكبيل والتصفيد؟ وسيل عرمرم من التساؤلات الأخرى يقذف بها العنوان لينشّط به ذهنية القاري فيصدمه. “أرى” من أفعال القلوب استخدمته الكاتبة لأنه يتناسب مع حالة القلق والأضطراب اللذان يخيمان على الشخصية. “القمر” لطالما تغنّي به الشعراء فاتخذوه رمزا للحب الكامن في قلوبهم، وبالفعل أرادته الكاتبة أن يكون رمزاً للحب، لكنه حب من نوع آخر، حب الحياة المتمثل بالوطن، رمز للبقاء أو الوجود المنتهك أو شيء ما يثبت أنها على قيد الوجود. هي لاتريد أن ترى الشمس فالشمس لا تُرى أساساً. القمر بديل للشمس. القمر الذي يتمنى الراوي أن يراه.

أما الحبكة وهي سلسلة من الأحداث التي تجري في القصة متصلة ومرتبطة برابط السببية فيما بينها ولا تنفصل عن الشخصيات أبداً وباعتبارها من العناصر الخمس الأساسية في القصة، جاءت تكمن في عنوان القصة أيضاً حيث الأمل المتمثّل في القمر وهدوئه رغم كل الضجيج الداخلي المتفاقم المسيطر على مكامن الراوي. فالأمل هو السبيل الوحيد للخلاص والثقب الضوئي الذي يلوح في نهاية النفق، و من لايراه سيموت . أقامت الكاتبة قصتها على أحداث مترابطة يأخذ بعضها برقاب بعض، وتمشي في نظام واحد بخط مستقيم ممتد ،حتى بلغت مستقرها إذ نجد أنَّ حبكة القصة رُسمت بطريقة طبيعية دونما صدفة وافتعال أوتكلّف، ثم أن تركيبها كان مقبولا مقنعاً لا نشعر فيه بالعبث.

استعرضت الكاتبة قواها في الحبكة، حيث أوردت معلومات ضرورية عن الشخصيات (وهي قليلة) وعن البيئة فنجد فيها المفردات والتعابير الرمزية مثل “السرير الحديدي” و “التنفس البطيئ” و “توقفت جميع عقاربي في عصر ذلك اليوم المجحف” و… كما عرضت فيها الحدث الصاعد و الذروة كنقطة تأزم الأحداث والحل أو الخاتمة الذي ظهر في السطرين الأخيرين من القصة وقد انتهى بعبارة أقل ما يمكنني القول فيها أنها بديعة: ” كانت السماء قَفرة لا يُلحظ فيها سُوى قَمرٍ مُفَتت وباهِت…”  نهاية القصص القصيرة غالباً ما تكون صعبة، قلَّ من يجيدها فهناك الكثير من القاصين يبدأون قصصهم بأسلوب ناجح مرن، لكنهم يخفقون في نهايتها حيث يوردون النهايات بطريقة لاتتناسق مع الهيكل العام للقصص. لكن قصة ” دعوني أرى القمر” كانت ناجحة في رسم النهاية أو حل العقدة كما يقال.  هذا لايعني خلو القصة من هفوات فنية، فهناك مقاطع وصفية جاءت ضمن الحبكة تقف على طرفي نقيض مع المقاطع الأخرى أو الجو السردي السائد في النص وكأنما الكاتبة فقدت خيط الحبكة لفترة وجيزة لتعود إمساكه مرة أخرى على سبيل المثال موضوع الساعة الجاثمة على صدر الجدار والتي تشير إلى اقتراب الساعة التاسعة. “أجيل بنظري من السقف إلى قرص الساعة الذي يزين الجدار بلا أي زينة تُذكر، تتزحلق عقربة الدقائق على حافة التاسعة مساء، تُغيِّر مكانها من غصن إلى آخر وأنا بقيت كما أنا، متشبثة بالماضي”.  السجن( إن كان السجن هو مكان الأحداث وجغرافيتها وأظن كذلك)  فالمعروف عنه أنه خلأ يغوص النزلاء فيه …. في العدم… يحوم شبح الماضي بداخله، فيتحكّم في الحاضر والمستقبل معاً … ينعدم الزمان بل لازمن ولا زمان هناك… فما جدوى وصف الساعة كرمز قيمي للزمان وبأنها جميلة تزين المكان وما جدوى وجودها في زنازين لاتعترف بقيمة الزمن والإنسان؟ أرى أن هذه الفقرة لاتتناسق مع حبكة القصة وسياقها. ليت الكاتبة قدمت ساعة جدارية معطوبة جف الزمان على حواف عقاربها لتكون بذلك عبّرت عن عبثية الزمان تبعاً لعبثية المكان.

هناك نجاح آخر قد حققته الكاتبة وهو فيما يخص بناء الشخصيات والمقصود من بناء الشخصيات هو محاولة شرح صفات شخصيات القصّة من بدء التعريف بها حتّى نهاية دورها، وهذا ما يجعل القارئ قادراً على التفاعل مع هذه الشخصيات وفهم دوافعها وأهدافها ويجعلها أكثر “إنسانيّة” بعينه حتى أنه يشعر بقربها منه. تتضمن هذه الصفات خمسة عناصر: الصفات الجسدية، الحركات، الأفكار، ردود الأفعال، طريقة الحديث.

وقد استخدمت الكاتبة الأسلوبين الرائجين  لوصف الشخصيات وبناءها حيث وصفت الشخصيات من خلال سرد صفاتها بشكل مباشر في القصة:  “تصغرهن جميعهن”، “يشع وجهها ببراءة غريبة لا تشبه ما لامسته خارج ذلك الجحر أبدًا”، “تصغرني بثلاثة أيام” ، “نبرتها الطفولية”، و…وأيضاً من خلال عرض هذه الصفات ضمن الأحداث فتقول مثلا: “أنها ستريني شيئًا مغريًا”، “طلبتْ بطريقة مرحة أن أرفع رأسي”، “كأنها تخبرني عن عرضها المغري”، أو حتى عبر الحوار مثلا: “قالت إن الحياة تفرُّ منها وتمسكها هي الأخرى بقوة”، “إن الحياة تخشاها بل تخشى عليها وتخشى على كل امرأة تود العيش بكرامة”، “إن الحياة سائرة لا تنتظرني ولا تنتظرك.”. القصة فيها من الأخطاءالصرفية والنحوية والتعبيرية وإن قلت قياسا بتجارب الكاتبة ومن ضمن هذه الأخطاء تقول في السطر الأول : “كنتُ خلية البال” إن كانت تقصد خالية البال وكل الظن أنها كانت تقصد هكذا فالصحيح خالية البال وليس خلية البال، حيث جاء خلي في معجم المعاني: “خَلِيُّ الْبَالِ: غَيْرُ مَهْمُومٍ، مُرْتَاحُ الْبَالِ” وهناك مشكلة أخرى أيضاً حيث وقعت في تناقض حين قالت بعد أسطر: “انهمكت في الاستماع إلى ضجيج دواخلي” كيف تكون مرتاحة البال وهناك ضجيج بداخلها يسبب لها القلق والاضطراب؟ وفي موقع آخر تقول: ” أجيل بنظري ” والصحيح أجول بنظري فتلك لغة أخرى لها معنى آخر. جاء في معجم المعاني: أَجِيل : فاعل من أَجِلَ

في الختام أشكر الكاتبة الأهوازية السيدة سرور ناصر وأهنئها وأقول لها: بالتوفيق يا ابنتي سرور، واتمنى لك المزيد من النجاح.

احمد عادل صاكي 31/12/2020

أنا مثقف الأهواز

تصنيفات