الخطاب النسوي الأهوازي.. إشكاليات الطرح والتباس الأولويات

الخطاب النسوي الأهوازي.. إشكاليات الطرح والتباس الأولويات
  • عباس أبوطارق

من مسلمات القول أن المعيار الأساس لرقي المجتمعات البشرية وإحصاء عملية التقدم والنهوض أو الإخفاق والتخلف عن ركب الحداثة والنهوض بها اجتماعيًا وسياسيًا وحتى إقتصاديًا، يتأتى من خلال البحث عن دور ومكانة المرأة في تلك المجتمعات الإنسانية. ومدى مشاركتها في تقرير مصائر مجتمعاتها، وتمتعها بحقوقها الأساسية أو حرمانها من تلك الحقوق المشروعة.

وعندما نبحث من منظور تاريخي سيرورة الحراك النسوي عالميًا وخاصة في الوطن العربي الأم، سنجد أن انبثاق هذا الحراك جاء نتيجة تراكمات تاريخية عديدة وقد خاض في هذا المنوال مخاضات عسيرة أدت شيئا فشيئا إلى ولادته كواقع قد فرض نفسه كحق أساسي ومشروع نصت عليه الدساتير والشرائع الموضوعة إجتماعيًا وثقافيًا وسياسيًا.

لكن عند إمعاننا النظر في هذه السيرورة التأريخية لهذا الحراك، وجدنا بأنه بدأ ملتصقًا ومنصهرًا مع مطالب وقضايا مجتمعاته الأم، ولم يجزء نفسه عنها أو يتعالى على مفاهيم التحرر الشاملة لمجتمعاته التي كانت تعاني من هيمنة الإستعمار الخارجي أو الإستبداد الداخلي.
فالوعي النسوي كان جزءًا لا يتجزء من الوعي واليقظة الشعبية الشاملة والمنادية بالحرية والعدالة والمساواة لجميع أفراد الشعب.

لهذا عند بحثنا عن تاريخية نشأة مفهوم الحراك النسوي على الصعيد العالمي نجده قد بدأ مع الثورة الفرنسية والوعي الإجتماعي بقضية حقوق المرأة: والتي شاركت المرأة فيها في عام 1798م جنبًا إلى جنب الرجل، ودفاعها عن قضايا شعبها ومنها حق المرأة في الحرية والعدالة والمساواة.
وقد اعتمد مصطلح النسوية عام 1910م، في المؤتمر الدولي للنساء الإشتراكيات (١)
فالمرأة التي شاركت وبقوة في الثورة الفرنسية كانت مدركة تمامًا، أنه من الصعب إنتزاع حقوقها في ظل مجتمع مقهور ويخضع تحت وطأة الإستبداد. لهذا ساهمت وعجلت في انطلاق الثورة لتكون منطلقًا لإبراز نفسها وقوتها على الواقع السياسي والإجتماعي الجديد.

الحراك النسوي في الوطن العربي:
أولى انطلاقات الحراك النسوي في الوطن العربي في بدايات القرن التاسع عشر وكانت في مصر حيث تأسس الإتحاد النسائي المصري عام 1923م (٢) وتعتبر هدى الشعراوي رمزا من رموز النضال النسوي في العالم العربي، ومع قيام ثورة 1919م في مصر التي كان زوجها أحد قادتها شاركت هدى الشعراوي بقيادة المظاهرات الشعبية(٣)
ثم اتسع الحراك النسوي ليشمل باقي الأقطار العربية، حيث تأسس اتحاد المرأة الأردني عام 1945م ، بهدف التصدي لأي شكل من أشكال التمييز ضد المرأة. وفي عام 1953 م تأسس نادي البحرين للسيدات. وقد تأسس الإتحاد العام للمرأة الفلسطينية عام 1965م، ويهدف إلى تعبئة وتنظيم طاقات المرأة الفلسطينية أينما كانت والربط بين قضية التحرير الإجتماعي للمرأة وقضية النضال من أجل التحرير الوطني(٤)

من خلال هذه القراءات التاريخية الموجزة لنشأة الحراك النسوي على الصعيدين العالمي والعربي، تبين لنا بأن الحراك بدأ واعيًا وناضجًا ومدركًا لواقعه وبيئته الإجتماعية وماتعانيه من أسباب تاريخية أدت إلى تخلفها ووجوب القيام والنهوض بالمجتمع كمنظومة مترابطة لايمكن تجزءة مشاكلها والتفريط بها. ووجوب مواكبة الرجل في تجاوز هذا التخلف والإخفاق التاريخي عبر إزاحة تلك الأسباب الموضوعية لجذور التخلف وإنشاد الحرية الشاملة، لكي تستطيع من خلالها المرأة أن تنطلق بأفكارها ورؤاها نحو الحرية والإنعتاق.

واقع الخطاب النسوي في الأهواز:
أما في مايخص الخطاب النسوي الأهوازي ونشأته التاريخية، فإنه خطاب حديث لم نجد له جذور تاريخية عميقة وهذا يعود بطبيعة الحال إلى أسباب تاريخية وسياسية واجتماعية وإلى غياب الحريات المدنية في المجتمع الأهوازي بشكل عام.

لكن يمكن إحصاء بدايات بزوغ فكرة المناداة بحرية المراة في المجتمع الأهوازي والتي أتت في العقدين الأخيرين وعند إفساح بعض المجال لإنشاء المؤسسات الثقافية من قبل النخب والوسط الثقافي الأهوازي وتفعيل النشاط المدني بصورة عامة.

فعند تتبعنا وقراءتنا للخطاب النسوي الأهوازي وجدناه يحاول القفز على الواقع الموضوعي لبنية المجتمع الأهوازي وأن هنالك سطحية في الطرح حيث اختزلت قضية المرأة الأهوازية وأسباب تهميشها بثلاث ركائز أساسية وهي: الرجل، القبيلة، المجتمع. متجاوزًا الأسباب التأريخية في ديمومة التخلف وعدم التحول والنهوض بهذه الركائز الثلاث من مجتمعنا الأهوازي.

ويمكن تبرير هذه السطحية في الطرح وإرجاعها إلى نشأة الخطاب النسوي الجديدة على الواقع الأهوازي، وعدم وجود دراسات ومرجعية فكرية معمقة تنظر للخطاب النسوي في الأهواز، وأن معظم الكتابات الموجودة عن وضع المرأة هي كتابات عاطفية واحساسية تبنى على خبر هنا، وشائعة هناك، وتقوم بتجريم المجتمع بأكمله، أخضره بيابسه، دون مناقشة العوامل والأسباب(٥)

فالوعي السائد للخطاب النسوي في الأهواز لايقدم أو بالأحرى لايساهم في تقديم حلول جذرية لمشكلة التخلف في المجتمع الأهوازي ويختزل مشكلة المرأة في الأهواز في الرجل والمجتمع الذي يعاني نفسه من مشاكل بنيوية تأريخية أدت إلى تخلفه عن ركب الحداثة والتطور.
وهذا ما أشرت إليه الشاعرة والكاتبة النسوية الأهوازية الهام لطيفي في قولها: إن مانراه من خطاب نسوي في الأهواز في أحسن الأحيان لايتعدى قضايا المرأة ورمي مسؤولية معاناتها على عاتق المجتمع والرجل وما إلى ذلك. وأن هذا الخطاب في معظم الأحيان لايخرج من حالة إتهام المجتمع المتواصلة والرجل الذي هو ضحية أيضا لهذا المجتمع (٦)

ملخص القول:
إن وجود خطاب نسوي ناضج في مجتمعنا يعد ضرورة قصوى لايمكن تجاهلها أو الإستغناء عنها. فلرقي المجتمع وتجاوز محنته التاريخية يتطلب من المرأة الواعية، مساهمة ودور فعال في تحريك عجلة الإصلاح والتقدم بالمجتمع الأهوازي. وعلى الخطاب النسوي أن يرتقي ويواكب باقي النزعات النهضوية الرامية للتحرر الثقافي والاجتماعي في مجتمعنا الأهوازي، لأن تحرير المرأة لايمكن فصله عن تحرير الإنسان عمومًا في مجتمعات تعيش تحت وطأة القهر والتهميش. و القيام بإصلاحات أساسية واعية في منظومة القيم والأعراف والتقاليد المجتمعية والنهوض بها نحو الحداثة والتقدم.

المصادر:
١. سامية العنزي : مفهوم الفكر النسوي في العالم الغربي والوطن العربي
٢. نشأة الحركة النسوية في العالم العربي sasapost.com
٣. نفس المصدر
٤. ليلى الرفاعي،aljazeera.net
٥. الهام لطيفي : الخطاب النسوي في الأهواز.. واقع وطموح
٦. نفس المصدر

أنا مثقف الأهواز

تصنيفات