أنا مثقف الأهواز
الرئيسية » قسم الکاتب الأهوازي » سندس علي » حكاية وليد الحرية في عصر ضياع الحرية/سندس علي

حكاية وليد الحرية في عصر ضياع الحرية/سندس علي

ولیدا الأمس مُعصَب الرأس  وملفوفٍ  بمنادیل قماش خضر اللون بنقش الورود الحمراء. خاطتها أمه من ثيابها المُستعملة قُبيل موعد ميلاده به أيام .إستشمم الوليد رائحة الفقر والحرمان والعَتمة،  بثياب امه الملتف بها  مُغمسة بقطرات دموعها التي نزلت عليه سوداءةً بسواد الكُحل بوسط جفنيها . أرهقه شعور الحزن لأول طلةً أطلها على  الارض فبادر بلبكاء ضناً منه بأن قد يكون شعور الجوع قَشعَر أمعَاءهُ الطريّة .


تلذذ بملمس الشراب المُتدفّق عبر ثَدي أمه  في فمه، فختلط ذاك الشعور لديه بجريان عذب ملأشرايين جسده بلأنتعاش المضاعف مماقد خلق في نفسه شعوراً جديد  لقبهُ بمأوى  خاص يترعرع الكبرياء جهرتاً.  يَحسُب أنه المحظوظ الوحيد على وجه الارض بغتنامه .جاهلاً تماماً أن تلك المأوى بعد طول سنين تتهشم أعمدتها ويترهل سقفها وتتقلّص حجم أحظانها عندما يكبر هيكله وتشتد إوثان صدره طولاً وعرضاً .فيالك من محظوظاً حينها إذ عكست الأدوار وصرت انت المأوى وهي الوليد. بعبق أحظانك تلتف حول أذرعك وتشم اريج رونق عطر ثيابك فتلذذ حينها أيضا بذاك الشعور الذي خالجك وانت وليد الساعة حين مااستنشقت عطر الفقر والحرمان من بين أضلع صدرها وهو يخفق .
بعد مضي أمس وحلول اليوم في هذا العصر، أمَة ٍ  عربية عاجزة  تُمشط الطرقات والازقة تطرق أبواب المستوطنين في بلدانها المنكوبة ليست لتستعطي المؤونة والغذاء ولكن إنما تطالبهم بتحرير المسجون ، ذاك الوليدُبلأمس، أصبح اليوم خلف قضبان الظلم والاستعباد خاصتهم ، فقد صار عريناً ساحق يُداعب الحرية بصدى صوته وقبضة يده الفتّاكة . لم ينطوي على نفسه خوفاً من الموت البليد فعراء الذل لايستقطبُ من تنفس فقراً ممزوجاً بلكبرياء والكرامة  بأنفاس أُمهُ وهو صغيرٌعاجز .
يئست أَمَة الله من رحمة من هم  لا يومنون  برحمة الله فلزَّمَت نفسها بِصلاة والدعاء موقنة برحمة الرب تحتويها وتحتوي ولدها المسجون .فرفعت يديها عالية نحو سقف السماء مبتهلة ؛تناشد الرب ببُلوغ ولدها الحرية والسكينة وعودته الى جوارها منتصرٍ مُناصر ،.
سبحان الرب لايُخيب دعوة أُما سئلتهُ مبتلة العينين مفطورة الفوأد ومهضومة الزمان .وفي صباح يوم غداً سمعت طَرقات على الباب بأعلاها و صوت صُراخاً  يشق هامة الرأس بلوسيط
أستأنفت توسلها ودُعاءها هاتفة :أستر يا رب ؛خيرأن شاالله 
وصاحت :ياهو؟ ياهو ؟إجيت ،إجيت
سعت بالقيام رغم العجز الوليد في جسمها مستندة على عُكازها
رافعتا كاهلها الهزيل ُ عن الارض الصاخبة بآلامها كما تتثاقل الخيمة على عمودها .لم تسعفها أرجلها لتتقدم بسرعة اكبر ،فصارت من الهلع لبلوغ الباب وفتحه ،تسقط وتنهض بلاهوادة من جديد ،ثم فتحت الباب وياليتها لم تفتح فشاهدت حشوداً مُلتفة حول نقالة أسعاف ومسعفون من بينهم شرطة يُخرجون من داخل النقالة جثة مغطاة بملحفة بيضاء مُلطخة بلدماء النازفةً من الجثة.
تسمرت للحظات وجيزة لم تستدرك العجوز حينها لما تبكِ النساء والرجال ويصرخ الشباب ،أو ربما لم تكن تُريد أن تعرف وتدرك فضاعت الموقف فجعلت من نفسها  بلهاء تجهل ما يدور من حولها حينها ،تسئل من هم حولها بنظرات بلهاءحقيقة الأمر.
تقدم الشرطى وهو يقول بجهور لها :ايتها العجوز هذه جثة  ولدك فقد مات خائنً لوطنه  فأفعلي ماشئت بجثته فلا شأن لنا بك .
فُجِعت العجوز لسماعها هذا النباء الصاعق وإعتذرتها  قدماها   عن الصمود واقفة فنهارعمود جسدها المترهل الباهت وصارت طريحت الارض تحت أقدام المأمور الجائر ،فلم تشاء أن تظهر نفسها مذلولة خاسرة بعد كل هذا العناء الذي تَكبَدَه فلذة كبدها ومأمنها العريق خلف قضبانهم الكاسحة ، ليثبت كلمة الحق ِبِصموده ويرتشف جرعة شراب الحرية بِإنتصاره المبهر على الباطل .
فَمدت يدها و لَقَفَت عُكازها مَرة أخرى   مُستجمعة ماتبقى لها من قواها المتلاشية ثم نهضت واقفة بشموخ وصَفعت المأمورالبغيض على وجه بكل قُدرتها قائلة :
ويحَك ايها المعتوه أتُلقِب ولدي بلخائن للوطن؟ وما الذي تعرفه انت عن الوطن؟ وعلى أي قيم ترعرعت أنت  حين كنت صبيا وَهن؟ ،أسمعت يوماً عن كرامة ارض الوطن عندما تسقى بدماء الشهداء أمثال ولدي …فأذن  أعلم ايها البائس هذه الارض التي أوطأت عليها أقدامك هي موطن  ولدي. و ولدي الان هو الشهيد الذي ابتاع حريته ليهديها الى ارض موطنه .
فخسئتم جميعا لانه المنتصر وانتم الخاسرين .
قطّعت كلمات العجوزأوصال الشرطي كلمنشار إرباً إربا وفَرًهارباً مُحبط المزاج الى الناقلة ،جراء هذا العنفوان المتمرد والجبروت المخيف لدى العجوز العاجزة بلظاهر والمقتدرة بأيمانها من قاع الصميم.
أقبل الجميع مُحيّن نحو العجوز مرتفعةً أصوات التهليل  من النساء لشعورهم بلأنتصار جراء بسالت حديث العجوزالذي يشوبه المرارة فغرست بأعماقهم تلك الحروف، العزة والكرامة وجعلتهم يتحسسون نشوة الحرية الضائعة تحت شبح ظلال الخوف الداكن  .

أنهارت العجوز وتهاوت أوصالها بجانب جُثمان ولدها الشهيد تحدق وتقبل وجههو، مستنشقة عطر جسده الذي  حرمت منه لسنوات طوال.

فكانت تقبل صدره وهي مغمضة العينين وتُهمهِم بصوت خافت : أنتظرني ياولدي الحبيب أنا جاهزة للرحيل معك فقد أنتظرتك دون الخوض في معارك العنيفة لليئس المخيم على الجميع .ومن ثم أرتخت صامتة وتجمدجسدها كلصعيق وهي تتكوّر بجانب جثمان ولدها ورأسها على صدره.
وفي نهاية المطاف تحررت أرواحهم وبلغت عروش السماء وهكذا أستجاب الرب لنداءالعجوز ولم يخذلها قط.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

*