أنا مثقف الأهواز
الرئيسية » القسم الأدبي » الشعر الشعبي » سيرة حياة الشاعر عبود الحاج سلطان/وليد عبدالرزاق

سيرة حياة الشاعر عبود الحاج سلطان/وليد عبدالرزاق

  • الشاعر عبود الحاج سلطان الزرقاني

هو الشاعر عبود بن سلطان بن محيي الزرقاني المعروف بــ عبود الحَي سلطان، من أكبر و أبرز أدباء الشعر الشعبي و أعلامه في منطقة الأهواز وهو يعدُّ من الجيل الأول للشعراء الشعبیین القداما الذين بقت أشعارهم تتناقل بين الأجيال و ظلت أسماءهم خالدةً في ذاكرة الشعب الأهوازي.


فـ ما هناك من شاعرٍ أو متابعٍ للأدب الشعبي في داخل الأهواز أو حتى خارجها إلّا و سمع بإسم الشاعر عبود الحاج سلطان أو حفظ أبياتاً من أشعاره التي تذهل كل قارئ وتستوقفه عند جمالها و روعتها و ذلك لما تحتويها من قوةٍ و بلاغة ، حتى أن تغنّى بها العديد من الفنانين العراقیین أمثال الفنان رياض أحمد و الفنان إعبادي العماري و الأهوازیین منهم مثل الفنان علوان الشويع (مبدع طور العلوانية) و الذي كان هو الأخير له الفضل الأكبر في إيصال ونشر أبيات الكثير من الشعراء الأهوازيين بين عامة الناس ومن ضمنهم أبيات الشاعر المرحوم عبود الحي سلطان الزرقاني .

*الصورة إفتراضية

ولد شاعرنا عبود في مدينة الفلاحية (ولم نفلح في الحصول على تاريخ ولادته الدقيق) ترعرع في ضواحيها و قضى ريعان طفولته و شبابه هناك بين نخيلها و أهوارها ، فـ استنهل معين الحب من أنهارها وتذوق الوفاء من تمورها حتى عُجِـنـت روحه بترابِها و بات يتنفس هواها.

عاش عبود حياته في بيئةٍ تحكمها الآداب تقليدية و الأعراف القبلية فتربى عبود على تلك الأًصول منذ الصغر و نشأ عليها.

و في الزمن الذي كانت المكاتب (وهي عبارة عن صفوف تعليمية تعقد في المضايف و البيوت) تُعتبر المنبـَر الوحيد للتعليم و الدراسة ، درس عبود اللغة و تعلمها على يد أستاذه الملة مُظفَّر الشويكي بصحبة صديقه الملة محمد المايود وعدد آخر من الطلاب في ذلك الوقت فتعلم قواعد العربية و أتقنها و وظَّفها بشكلٍ مميزٍ في أشعاره و من يقرأ أبيات عبود الحي سلطان سيتضح له جليّـاً أن شاعر هذه الأبيات لم يكن انساناً أميا قط و ان ما تمتلكها أبياته من بلاغةٍ تدلُّ على علمه الوافر باللغة بل اننا نجد بوضوح أن هناك الكثير من التعابير و التوصيفات المستخدمة في أبيات عبود هي مستوحاة من القرآن الكريم .

كـوَّن عبود أسرته من زوجاته الثلاث فكان نصيبه منهن خمس بنات و أولادا ثلاث و أولاده هم: ضامن و مهدي و إبراهيم و الذين لم يرزقهم الله حياة طويلة فتوفي إثنان منهم في زمن حياة والدهم وهما ضامن ومهدي .

مقارنة بالظروف المعيشية في ذلك الوقت، كان يتمتع عبود بوضعٍ ماليٍ وإقتصاديٍ جيد وذلك بفضل الأملاك و الثروات التي كان قد امتلكها و ورثها عن أسرته.

كان لعبود مقامه السامي و مكانته الرفيعة بين أبناء عمومته و المجتمع بشكلٍ عام حيث كان له دوره البارز في الكثير من القضايا والأحداث التي كانت تتم آنذاك في الفلاحية فقد كان شاعراً فارساً متكلماً يتمتع بقوةٍ عاليةٍ من الإدراك و الشجاعة مما صنعت منه إنساناً مقتدراً يحتذى به و جعلته وجيهاً من وجهاء مدينته .

شهدت فترة حياة عبود منعطفات و أحداثا مهمة من التاريخ فإنه قد عاصر فترة حكم الأمير خزعل بن جابر و كان أحد الرجال الذين يعتمد عليهم الأمير و يثق بهم في ذلك الزمن. وتوجد هناك قصصٌ كثيرة حول هذا الشأن و من الأحداث الشهيرة الّتي تتناقل إلى الآن بين الناس هي قضية متصرف البصرة الذي كان قد أساء في وقتٍ ما بكلامه إلى الأمير خزعل الكعبي مما تسبب بإستياء الأمير و إثارة غضبه فأرسل الأمیر حینها عبوداً إلى البصرة و وضع على عاتقه مهمة أسرِ المتصرف والإتيان به إلى المحمرة فذهب عبود بصحبة مرافقيه إلى البصرة و بعد قضاء فترةٍ من الزمن هناك و بفضل شجاعته و بذكاءٍ منه إستطاع أن يأتي بالمتصرف إلى الـمحـمَّـرة وذلك بعد أن كان قد وقع الأخير أسيراً في قبضته .

عاصر عبود فترة سقوط حكم الشيخ خزعل و دخول رضا شاه إلى الأهواز وكان من الناس الأوائل الذين عانوا من تلك الأحكام الجائرة والظالمة الّتي فرضَها رضاشاه على أبناء شعبنا و الّتي كانت تستهدف هويتهم العربية بشكل مباشر و تسعى إلى محوها و كسائر العرب الشرفاء في ذلك الوقت كان عبود من أشدِّ المناهضين لتلك السياسات مما جعلته يهاجر إلى العراق حيث عاش أكثر من سبع سنوات هناك فيما عاد مرة أخرى إلى الفلاحية.

و يمكننا أن نشاهد ذلك الإستياء بوضوح في أشعار عبود و من أبياته الشهيرة ، بيته المعروف الذي كان قد أنشده بعد صدور المرسوم الحكومي الشهير في زمن الشاه الأول الذي كان يقضي بموجبه إرغام العرب في التخلي عن ملابسهم العربية و إستبدالها بملابسٍ أجنبية.

فقال عبود:
يَــقلبي دوم مــن سـابـق لـكـنــهاي
إلــك غايــة اوصلـت حدهه لكنهاي
المصايب هل مضت هانت لكنهاي
عظيمة ودونها اتهون المنية

 

عرفت أبيات عبود الحي سلطان بالبلاغة و دقة الوصف وجمالية التعبير و إذا اطلعنا على أشعاره سنجد أنَّ روح الحماسة تطغى بشكل واضح و ملفت على أبياته و ذلك في إعتزازه بهويته العريقة و حنينه إلى أمجاده

أيضا اشتهر عبود بذوقه الرفيع في الغزل وقد سجلت له أبياتا جميلة في هذا اللون الشعري.
و من الشعراء الذين قارنوا فترة حياة عبود و الذين كانت تربطهم به علاقة صداقةٍ و مودة هم: الشاعر المرحوم ايفير البحير السلامي و الشاعر الملة محمد المايود الخزرجي و قد ذكرت لهم الكثير من المراسلات و المساجلات الشعرية و التي كانت تأتي عادةَ ضمن حدث أو موضوع معين. ففي يوم من الأيّام وعندما انقطعت أخبار عبود عن صديقه الشاعر ايفير البحير لفترة من الزمن و الذي كان قد أصيب الأخير بمرضٍ افقده بصره ، أرسل عبود بيته التالي إلى ايفير قائلا :

اشكثر اطروشك اوديلك وعاني
دليلي يرجب الدربك وعاني
انام ومن يمر ذكرك وعاني
ولا تنشد علي قبل المنية
(عبود الحي سلطان)

فجاء الرد من ايفير:

علامك ماتودي اطروش وتعن
علي بالنوم ذكرك يمر وتعن
الو ترگی ابظهر وذناك وتعن
تصل واتشوف دهري اشعمل بيَّه
(ايفير البحير)

ومن مساجلات عبود الجميلة والرائعة مع صديقه الملة محمد المايود في الغزل:

بدر شع ابجبينك ولله ليلة
والبرد بشفاك يدعج ولله ليلة
مضت ليلة ابوصالك ولله ليلة
غلط بيها الدهر و احواك ليَّه

(عبود الحي سلطان)
يغض العرب دمعي منهليله
على التاضي جبينه منهليله
امبارك من حصل لك منهليله
البخت يضعف مَـيِـهلك جيد نيَّة
(ملة محمد المايود)

وأيضاً :

امولع بيك يَـ مدلل ولع باد
وعليه صاحت الوادم ولع باد
يِـزت من الصلاة لجلك ولعباد
عبدتك و اتخذتك دين ليَّه
(عبود الحي سلطان)

امولع بيك يَــمدلل ولع ظيم
ابصدودك نحلت جسمي ولع ظيم
عليه اشـمعظم افراقك ولع ظيم
هجرك و الحسود الشِّـمت بيَّه
(ملة محمد المايود)

 

لم تکن تخلو أبيات عبود من طابع الحزن و الشجن ومن إشتياقه إلى أحبائه الذين كان قد فارقهم و أفتقدهم ومن أبياته في هذا المجال بيته الذي رثى فيه ولـدَيه (مهدي) و (ضامن) الذان توفيا في زمن حياة والدهما في آنٍ واحد فعندما سألوا عبود لماذا ترتدي ثياباً بيضاء (وهي الثياب التي كان يرتديها عبود دائماً) وانت قد فقدتَ اولادَك أجابَهم ببيته:

إغراب افراقهم مرعلي ينعاب
عزيز ومن جفوني القلب ينعاب
آهٍ… آه… لو ما علي ينعاب
لجابل كل شجي و انصب عزيَّة

و بيت آخرٍ له أنشده بعد وفاة إخوانه:

ولِّي اخلافهم يا روح ولّي
اقصديهم واتركي الـعَـلي ولّي
على اطراف الأسنّة اركبت ولّي
أشَـد واعظَم سرور اعداي بيَّه

 

بعد عودته من العراق عاش عبود بقيَّـة حياته في الفلاحية في ربوع وطنه الجميل بين أهله وناسه وأحبائه الذين کان قد قضى معهم أحلى أيام عمره.

ظلَّ عبود يمارس الشعر إلى آخر أيَّام عمره حيث لم ينقطع عنه أو يفارقه لحظةً في حياته.
و في عشية آخر يوم من شهر رمضان المبارك و في ليلة عيد الفطر توفى عبود و هو في الــستينيات من عمره لتنطوي بذلك آخر صفحات هذا الشاعر الكبير و الأديب الجليل ، الشاعر عبود الحاج سلطان الزرقاني ليترك خلفه تراثا أدبياً غنيّاً و زاخرا أصبح فيما بعد مصدرا لإلهام الكثير من الشعراء و أبناء شعبه الذين أحبوه فخلدوا ذكراه و حفظوا أبياته.
رحم الله شاعرنا الجليل وأسكنه فسيح جناته….

و في الختام إخترت لكم بعضاً من أجمل أبيات الشاعر المرحوم عبود الحي سلطان متمنيّاً بذلك أن تنال إعجابكم:

نيران الحرب بالسيف ويهين
ابعجل حتى يذل الصعب ويهين
الثار ايريد تكـسي الأرض ويهين
ويـه نار و دما ايغطي الوطيَّـة
………….
يـخي مجد العرب واصل لسمها
الـهضم لو تقبله روحي لــسمــها
نــاس الـتـقـبل البــاطــل لـسمـها
شرف لا شوف عدهه و لاحميَّة
………….
ابترمة وصافنات الرمك يالت
أصايل و ابثنايا اعداي يالت
أيا ليت الليالي اتعود يالت
اببطن قومي و علم مابين اديَّـه
………….
طوفان المحاجر سال فرگه
الشوامخ حین قالوا غداً فرگه
ابـلیـل الشعر شـع ولمع فرگه
مثل خیط الفجر لو بان ضیَّه
………….
البيابي اشما يعن ذكرك فتنسال
عبيط وهم شفت مثلي فتنسال
خوفي من الّحظ يغضب فتنسال
هنادي وبيهن احتوف المنيَّـة

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

*