أنا مثقف الأهواز
الرئيسية » قسم الکاتب الأهوازي » زینب خالد » حديث لغة الأم/زینب خالد

حديث لغة الأم/زینب خالد

أن تبوح بما يدور في خلجات النفس، أن تبوح بما يثقل الوجود قبل العقل، مهمة صعبة لاتقوى لغة غير لغتك الأم على الإلمام بشتى تفاصيلها.كأن الوظيفة تلك وظيفة وجودية تطمئن إلى الألفة الفطرية و زادها الممارسة.
التكلم بلغة الأم هي هدأة سلم بعد حروب دامية بانت حوافر خيلها داخليا و خارجيا.

هو أن نشهد أكبر ملحمة شهدتها البشرية يوما، حينما ترصد أشعة شمس لغتنا، مكمن الظلام في قاموسنا فتمطره بوابل من المفردات و الجماليات فتنضج الحياة مستبشرة باليمن و الإزدهار.تنضج لتتدفق معها شهوة الرسم لدى من حكم عليه بالسجن المؤبد ليرسم سفينته و قد وصلت الى المرسى بعد أن داعبتها أمواج البحر بما جادت و أردتها مصدئة تبث أصوات مزعجة. تنضج لتأتينا بعود الثقاب الذي ترومه البشرية و الذي من شأنه إشعال نار الخروج عن السلم للثأر للغتنا الأم عند النهايات المحتومة.فهنالك ثورة تعتري وجود الإنسان. نحن خلقنا ثوار و مذ فتحنا أعيننا على عالمنا المادي هذا و نحن نبجل الساعة التي تتراقص ثوانيها خفة، للفرحة التي تواكبها لنصرخ في نهاية المطاف. صرخة الوجود تلك مازالت كطفلة تتعثر في المشي. طفلة قد تم فطمها غصبا فباتت تبغض أمها و تعول على زواج أبيها من الأخرى. تركض نحو حديقة الأدب و الظهور للعلن مذعورة، تبتغي افراغ ما يسلبها نضارة روحها و يستبدل بعنفوانها السكون و الخوف، فتستوقفها الأقفال الكبيرة معلنة بداية عودتها لواقعها الأليم، بداية عودتها إلى ناصية الصمت و الكبت. فترجع الصرخة و كلها خيبة، ترجع بجسد مشوه. بجسد ينتظر ساعة رجمه ليستودع إثم القبلات التي طبعت عليه غصبا، ليستودع الحياة دون ذنب و دون خطيئة. ذنبه الوحيد هو الإستسلام و عدم المقاومة.فيستقبل صخرات الصمت صخرة تلو الأخرى. فيأتي المعلم ليقذفها ضريبة لحرصه على عمله، و يأتي الفلاح ليقذفها ضريبة لضمان حصوله على قطعة أرض تسد خيراتها رمق أطفاله العراة. و يأتي رجل الدين ليقذفها ضريبة لضمان دوام الحماية للاهوته كي لا يشعر هذا الأخير بالغربة يوما، إن صرخنا و إن رفع الغطاء عن المجهول. هكذا إذن تتقاسم الصخرات جسدها جزاءا برغبتها في البزوغ فيزحف ما تبقى منها أي روحها إلى حيث سر الوجود ليحتار مأساتها و ليذرف الدموع جزية لتأويلات ذوقية فردية و جزية لحقوق مسلوبة لم تمد يد العون لها حينما كانت بأمس الحاجة لها. حينها ستبغض الروح المثول أكثر في بهاءه فتجتبي العزلة و الإنعتاق عن الخضوع بعد أن أخذت المحن بخيالها إلى حيث مطلق الحرية لتتخيل عكس الواقع و إن كان جميلا. كطفل أسود بات يعاني نزعة العبودية فيرى نور الشمس جلاد ابيض أتاه يبتغي تمزيق روحه التي ناجزت العدم لتبصم بقاءها، بسوط استعار ثقل وقعه على الجسم من ليال حالكة نام فيها بين أتربة القبو فيحاول الطفل شجب منفذ النور في النافذة بيدين توسدتها التجاعيد بردا و جوعا.

أما إن أردنا لمسير تلك الصرخة أن يكون أقرب الى النجاح منه الى الإخفاق فما علينا هو أن نتجشم عناء السعي خلف حقوقنا. التكلم بلغة الأم من شأنه أن يثري الفرد علميا و ثقافيا فالعلم أقمن و أوسع إن التحقنا بجامعاته ناطقين بلغتنا الأم لا غير.تحصيل العلم أمر صعب و هنالك محاجة منطقية يخوضها الفرد طيلة التعلم لكن الإتيان بالدلائل و نقیضها و تقلیص الفارق بینهما لتفنید أسس العلم، أمر شاق و يستنجد طاقة فردية شاسعة فمابالك لو كنت إلى جانب هذه الصعوبة كلها، مرغما على تعلم مبادىء الحديث بلغة غير لغتك مبدئیا و قبل أن تحرك ساكن؟
من نافلة القول ايضا هو أن الإنسان و بطبيعته يفتش عن سهولة العيش في شتى المجالات الفردية و الإجتماعية و الدراسية و العلمية و الخ.السهولة هنا لاتعني البساطة أبدا إنما أن لا تبذل أقصى الجهود عبثا فيحال كان هنالك ما يضمن النهاية المرجوة دون شقاء.ما نعنيه هنا هو أن نستبدل تعدد مصادر القلق الوجودي بمصدر قلق واحد إن كان دحرها عن بكرة أبيها شبه مستحيل منطقيا.

كل ما أسلفت يتكيء على إرادة الشعب لاغير.على الشعب أن يهب لنجدة نفسه و هويته فالحديث بلغة الأم أهم صفات هويتنا الجوهرية و الإستغناء عنها هو بمثابة الإستغناء عن حقيقتنا و عن سر وجودنا.

ما يحيل بيننا و بين لغتنا الأم هو جهلنا بماهية حقوقنا كبشر من جهة، و تخاذلنا و خوفنا و إضفاءنا لصبغة العمل السياسي لأي نشاط أو تحرك ذو أهداف تروم للبشرية النوم قريرة الأعين دون وجود ما يعكر صفو حياتها من جهة أخرى.

يقول الكاتب و الباحث اللغوي السيد جورج يول في كتابه “دراسة اللغة”(1) بأن “هنالك دول يتم حرمانها من الدراسة بلغة الأم فيحال كانت تشكل اقلية في بلد ما، و يبات شبه مستحيلا على ابناء تلك اللغة أن يشاهدوا لغتهم الأم تستعمل رسميا في بلدهم و لكن يستطيع الناشط الثقافي تغيير المعادلة هذه” لذا نأمل خيرا.

1-the study of language/george yule

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

*