أنا مثقف الأهواز
الرئيسية » القسم الأدبي » قصص قصیره » المدرسة/حسين ابو ريسان

المدرسة/حسين ابو ريسان

کان فصل شتاء هذة السنة متمیزاً بکثافة المطر، و السماء ملبدة بالغیوم في اکثر الأوقات.
کان معلمنا ریسان ینظر الی الغیوم کما ینظر العاشق الی معشوقته و یبتسم ، یکلمنا عن المطر و الأرض و الرحمة و یدمج بعضهما ببعض بمهارة و یربطهما بالوطن و الفقر و الظلم، لا اعرف سّر مهارتة بهذا و کیف یربط الرحمة بالظلم و المطر بالوطن و الأرض بالفقر.

کان یتکلم عن الرحمة التي تُعطى لنا و هي نعمة المطر و کیف تسري فی عروق انهارنا مثل کارون و الکرخة و الجراحی و الزهرة والظلم الذي اسّر هذة الأنهار و سعی لقطع شرایینها.
و عن المطر و مدی اتساعه و احتضانه کافة الوطن من اقصی مدن الوطن من المحمرة و الفلاحیة و عبادان والذي یمسح بیده کعیسی المسیح علی مدینة الأهواز و الحمیدیة بعد وصولهما و یمر بمدینة الخفاجیة و الحویزة والبسیتین الی أن ینهي رحلته فی تستر و السوس و ایذج والصالحیة و القنيطرة.
و عن الأرض المتزینة بحلّة البترول علی رغم فقر سکانها.
کان سيد ريسان من سوء حظه یدرسنا مادة اللغة العربیة في الصف الأول للثانویة، قلت من سوء حظه نعم لأن کانت هذه المادة مملة و کنا نحن التلامیذ في اغلب الاحیان نحس بالملل و التعب و کنا نتهرب من الصف و نخلق الأعذار و نخرج من الصف بحجة الذهاب الی دورة المیاة او لشرب الماء أو ما شابه ذلک و لم نهتم بها و لم نصغي الی المعلم کماينبغي.
سید ریسان کان یحثًنا لأتقان هذه المادة و تعلمها، کان یقول لنا بأن الأمة إن لم تحتفظ بلسانها ستنمحق و کانت مقولتة الشهیرة دائماً ترن فی الصف و هی إن لُغتک هي اول هدیة اعطتها لک امُک و جعلتک تتواصل بها مع العالم اذاً بقدر ما تحب و تحترم امُک یجب أن تحب و تحترم و تحتفظ بهذة الهدیة، و اقوال عدة من هذا النوع، مع انه کلامه جمیلٌ و لطیف لکن کنا نقول عند انفسنا ما الداعي لهذا الأهتمام و التاکید نحن عرب و سنبقی عرباً، نحن نُحب اُمَهاتِنا و نکرمهن.
لکن لنکون واقعیین و لا نکذب علی انفسنا بأن اللغة العربیة تعلمّها صعب و مُمل جداً.
أذکر فی یوم من الأیام کان سید ریسان یُدرس کیفیّة إعراب الکلمات و عند وقتها اخذت قیلولة جمیلة فی الصف فإنتبه لی سید ریسان و قال:
– طیب یا احمد ابدأ من ختام کلامي متی نضع التنوین؟
في حینها ایقظتني همسات صدیقي و هو ایضاً یُرید الهروب من مشقة الجواب و هو یقول:
– انهض انهض یا احمد المعلم یخاطبک
فعندها استیقظت مرتعباً و بدأت بالتمتمه
فقال لي سید ریسان :
– احلام سعیدة یا احمد و ابتسم.
الی الأن و أنا اتذکر تلک اللحظة و کانت ذکری جمیلة.
الناس براکین نائمة و حیاتهم مرهونة بحیاة ضمائرهم. هویتنا، ضمیرنا النائم فی هذا الوقت .
کنا نتکلم و ننظر بقلوبنا و لیس بعقولنا عدی رجلٌ واحد و هو سید ریسان .
سید ریسان، العاقل فی زماننا و کُنا نُسمیة المجنون و الساحر و المنحرف ووو .
التعلیم هی مهنة الأنبیاء و لذلک سید ریسان لساحر و مجنون .
مر زمان و اتی زمانُ جدید بحلةً جدیدة لم تعجبنا، استولی علینا نظام زرع الرعب و رسخ جذور بطشه و حاول محو هویتنا، حاول أن یمزقنا، یفرقنا، محى لغة التسامح بیننا و شنق الکلمة و حبس الفکر و سعی لیزوّر المثقفین عندنا.
فعندها استیقظ ضمیرنا.
بدأ الیوم الدراسي و کالعادة معلمنا ریسان اتی لکن اتی هذة المرة لینشد لنا نشید الأبجدية و لیرفع علم الضاد في سماء العروبة و نحن ایضاً اتینا و هذة المرة لیس تلامذة بل جنود لنصرة الضاد و لندافع و نحافظ علی اُمِنا، اخذتنا الحسرة علی تلک الأیام الخوالي التی فاتت و لم نستفد منها و لم نفهم فحوی کلام سید ریسان.
بدأ معلمنا یدّرس القواعد و کلنا نتابع و نسأل و متحمسين لتعلم لغتنا، و عندما احسسنا بقیمه لغتنا عندها ذقنا طعم لذتها و احببناها

🖋 حسين ابو ريسان

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

*