أنا مثقف الأهواز
الرئيسية » القسم الأدبي » قصص قصیره » أبي و الحرية/وليد علي الكعبي

أبي و الحرية/وليد علي الكعبي

كنت آنذاك صغير و كان أبـي قد ذهب الـي الرفـيق الأعلـي حسب ما تقوله أمـي، وفي يوم من الأيام بفصل الشتاء الـذي كان أحب الفصول الـي قلبي كنا جالسين بجوار بعضنا علـي أريكةً أنا وأمـي وكنا نشاهد قطرات المطـر التي تنساب كخيوطٍ من الماء علي زجاج النافذة وبهذه نظرات التبحُر نشدت أمي عن شعورها الآن في هذه الأجواء فقالت:

((مُبحـراً،،،نحو فضاءٍ آخـرٍ نافضاً عني غُباري
ناسياً أسمي, وأسماء النباتاتِ, وتأريخ الشجر
هارباً من هذه الشمس التي تجلدُني بكرابيج الضجر
هارباً من مُدُنٍ نامت قروناً تحت أقدام القمر
تاركاً خلفي عيوناً من زجاجٍ وسماءً من حجر
ومضافات تميمٍ و مُضــر.
لا تقولي، عُد الي الشمس فإني أنتمـي الآن الـي حزب المطر.‹1›))

بعد إنصاتي لها وهي تنطق كلماتٍ خرجت من بحر مشاعرٍ صادقة، قلت بتعجب: الله ما أروع هذا الكلام فإختصرت وقالت: أحبها فكانت لأبيك رحمه الله.
ذكرتني بأبي الذي لم أراهُ وسئلتُها أمـــي أين أبـــــي؟؟ وكعادتها أجابت: ذهب الـي الـرفيق الأعلـى. قلت بكل بساطة و براءة طفل: الأ يفُك عنا الرفيق الأعلـى ويترك أبي وشأنه. أبتسمت أمي لبراءتي وقالت: أما تسئل من هو الـرفيق الأعلـى؟؟؟
قلت نعم من هو؟؟؟
أجابتني الله هـو الـرفيـق الأعلــى. وطالما أنني ترعرعت ببيت مسلم أردفت اللهم عفوك وغفرانك اللهم أستغفرك وأتوب اليك، حينها علمت أن أبـي متوفي وذهب الي الله الرفيق الأعلى. وقلت لأمـي تحت سقف بيت المحبة والحنان ودموعي تهطل علي وجنتي : أمي كنت علي أمل برؤية أبي وقبل قليل تحطم أملـي وحُلمي. وهكذا بقيت أبكـي وأمي تمسح بيديها علي رأسي عطفاً بي وقلت لها أمي هل لي بسؤال، أجابت نعم يا ولدي تفضل يا عزيزي، قلت لها كيف مات أبــي؟ هل كان يعانـي من مرض او خطباً ما؟
أجابت لا يابني، مات من أجل الحـــــرية سئلتها وماهـي الحرية؟؟؟
أجابتني بأختصار:
الحـرية أن تتحرر من القيود
كان بخاطري أن أسئلها ماهي القيود ولكن التزمت الصمت أفكر قليلاً حتي قالت لي يا عزيزي:
الحرية حق مشاع لبني الإنسان، وغاصبها مجرم‹2›

نعم هكذا بدأت شرح حياة أبي وكيف يدافع عن الحـرية المغصوبة وكيف مات لأجل الحـرية وعلمت أن أبـي رجل لم يهوى العبودية و كسر القيود حتي صاح بأعلى صـــوتــه:
متـي أستعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا‹3›

فخاف من كان مغتصب الحـرية من هتاف أبي للحرية و تخلص من أبي أي قتله وهكذا استشهد أبي بكل فخر وشجاعة .
سألتها ثانية أمي :أمي علمت أن أبي رجل شجاع ولم يهوى العبودية ومن أجل ذلك تركنا وذهب بنفسه الي حيث من يحب ويعشق ولكن هل هذا يعنـي أني أصبحت يتيم؟ أجابتني قائلةٍ:

لَيسَ البَلِيَّةُ في أَيّامِنا عَجَباً
بَلِ السَلامَةُ فيها أَعجَبُ العَجَبِ
لَيسَ الجَمالُ بِأَثوابٍ تُزَيِّنُنا
إِنَّ الجَمالَ جَمالُ العَقلِ وَالأَدَبِ
لَيسَ اليَتيمُ الَّذي قَد ماتَ والِدُهُ
إِنَّ اليَتيمَ يَتيمُ العِلمِ وَالأَدَبِ‹4›

نعم أجابتني بهذا المقطع الشعري وجعلتني قوي وزادت ثقتي بنفسي حتي كبرت وأصبحت شاعر يشعـر بطلب الحـرية، وكتبت شعراً عن الحُر والنذل:

الحُرُّ يأبى أن يبيعَ ضميرَه
بجميعِ ما في الأرضِ من أموالِ
ولكمْ ضمائرُ لو أردْتُ شراءَها
لملكْتُ أغلاها بربعِ ريالِ
شتانَ بين مصرحٍ عن رأيهِ
حُرٍ وبين مخادعٍ ختالِ
يرضى الدناءةَ كلُّ نذلٍ ساقطٍ
إِن الدناءةَ شيمةُ الأَنْذالِ‹5›

أي، إِن الدناءةَ شيمةُ الأَنْذالِ ومعاذ الله أن نكون منهم حيث أن كنت منهم لم أكن الان خلف قضبان السجن.

وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِن يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا(29)

1ـ نزار قباني
2ـ محمد عبدالكريم الخطابي
3ـ سيدنا الفاروق عمر الخطاب
4ـ سيدنا الكرار علي أبن أبـي طالب
5ـ محمـد الفـراتي
6ـ سورة الكهف رقم الآية29

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

*