أنا مثقف الأهواز
الرئيسية » الأسرة » الطفل » تناثر نضال القلم/سندس علي

تناثر نضال القلم/سندس علي

کصباح کل جمعة تأتي وتفتح الدرج وتخرجني من غلافي المبطن بالقطيف الأحمر وتمسک بي بیدیها الناعمة کالحریر تتفحصني وتحدثني عن کل مایجري خلال الاسبوع الماضي وکأنني موجود حي فتخرج کل مایثقل کاهلها من صعوبات الحیاة وأعوجاج المجتمع الساري من حولها.


فمازلت أتذکر اول یومً أتت تحملني وهي تجهش بالبکاء حاملة طفلها الصغیر بین ذراعیها وقد کانت تارة تُسکت طفلها وتارة أخرى هي التي تضج وتصرخ بالبکاء و أدخلتني حینها في هذا الدرج مع کومة من الکتب والرسائل و تلقن نفسها بإستمرار بتلک الکلمات :

لا تستسلمي یا عاکفة وکوني قویة من أجل طفلك نضال فهو کل ماتبقی لکِ، من أعز الناس الی قلبک فإجعلي ذکراه حیة لاتموت ابداً.

والیوم ها أنا أراها أمراة صلبة کالحدید فقط صیقلت روحها وکیانها لأجل نضال الذی أصبح في السن العاشرة وهو ولد ذکي وفطن للغایة ویحب أمه حباً جما وقد تربی وتلقی في أحظانها وتحت خیمة فراستها ودهائها أفضل العلوم والثقافات الاصیلة .

الیوم شعاع من الامل ینهمل من عیناها الدافقة بالحنان فعکس کل تلک الاعوام منذ استشهاد زوجها کانت تلقي نظرة سریعة وتتأملني ثم تضعني في مکاني وتمضي الی خارج الغرفة وهذه المرة فقط حدثتني قائله :لقد حان الوقت ایها القلم لتخرج من مکانک وغلافک المبطن والمدثر وتقدو حیاً من جدید .من الآن فصاعدا سوف تصبح بین أیدي ولدي نضال وتتراقص بین أصابعه وراحته لتنثر طاقتک المشحونة لاعوثام علی اوراقه وتتجسد له کصدیق وفي یلازمه بإستمرار فلا تفارقه مثل ما فعلت مع ابیه .

یاالهی ماأعذب ماسمعت الیوم، یتردد علی مسامعي التي لطالما صارت صماء ولا تسمع وهیکلی الصلب الذی حُرم من ملامسة أصابعا تعزف الکلمات علیه أنتعشت وحُیيتُ من جدید .

نضال کان ینادي بصوت مرتفع علی أمه فلم یجدها کالعادة في المطبخ أوالرواق فلابد أن يشعر بقلق شدید فراح یبحث عنها .سمعت الوالده صوته فحملتني مسرعة وخرجت من الغرفه لتذهب عند نضال فقالت له :انا هنا یا حبیبي مابک ؟

القی التحیه نضال علی امه وقبل یدیها فقالت له أمه :
تعال ولدي ارید أن اعطیک شیئا ثمینا لتستخدمه في مسیرتک الدراسیة ویکون بحوزتک علی طول حیاتک .

تموج بریق الشغف والفضول في عیني نضال ثم أبتسم وقال :
هیا امي قولي ماهو هذا الشی ارید ان اراه حالا
فأخرجتنی من جیبها وقد رُسمت ابتسامة ناعمة ورقیقة علی وجهها وقدمتني نحوه قائله :
خذ یا ولدي هذا القلم وأحتفظ به جیداً ولا تتخلی عنه مهما حصل ،فأخذني نضال وراح یتأملني ویقلبني من کل جهة وهو یکلم نفسه :قلم جمیل ولکن لماذا هو مهم وثمین لهذه الدرجة یاتری لدی امي فأنا أراه قلم عادي کباقي الاقلام وربما هنالک الاجمل والاروع منه بکثیر في حقیبتي المدرسیة ولكنني بإلتاکید سوف أحترم رغبة امي بامتلاکه والاحتفاظ به لعله یکون قلم خاص عندها ورغبت بأن أستخدمهُ .

فشرد بأفکاره وهو یتفحصني حتی انه لم ینتبه لأمه وهي تتکلم معه فرفع رأسه وقال:
شکرا لک امي علی الهدیه لقد اعجبتني کثیراً

فجمع أغراضه في حقیبة إستعدادا لصباح غد وهو اول یوم دراسي بعد انتهاء عطلة الصیف .

نهض باکرا ً في الصباح فتناول فطوره مع امه ومضی الی المدرسة بفرح واشتیاق وفور وصوله الی بوابة المدرسة التقی بأصدقائه القدامیٰ فتصافحا وبعد انتهاء مراسیم الطابور دخلوا الی الصف مبتهجین، فدخل الاستاذ من بعدهم مباشرة وتکلم معهم بلغة الفارسیة لم أعتد کثیرا سماعها في بیت نضال فقد کنت أسمع اللغة العربیة وأکتب العربیة علی طوال الزمن ومنذ أن أبتاعني ابونضال وکان هو رحمهُ الله یکتب بي النصوص العربیة فقط ولم أعتاد علی لغة أُخری .

فکان یحدثهم الاستاذ ویدرسهم بتلک اللغة وطلب منهم إخراج دفاترهم واقلامهم لیجري لهم أختبار الإملاء ،فأخرج نضال الدفتر ومن ثم أخرجني من الحقیبة وأستعد لکتابة ما یمليه علیه الاستاذ فقال الاستاذ بصوت عالی باللغة الفارسیه تلک :

“پارسی را پاس بداریم”
فتمسک بي بیده و أراد أن یکتب الجُمل المنقولة فلم أنثر الحبر علی ورقته وکلما حاول أن یضغط برأسي علی الورقه کنت انزلق من هنا وهناک ولم أکتب له أی شئ من العبارات التی تُلیت علیه في الصف ،شعر نظال بإحراج کبیر وأصبح ینظر یمینا وشمالا ویمسح العرق بأکمامه من علی جبینه فلم یحبذ أن ینکث بوعده لأمه ویستبدل القلم بواحد آخر .
انتبه المعلم لتصرفات نضال الغریبة وصاح علیه بالفارسیه :ولدي نضال لماذا لاتکتب الاملاء فأنت متاخر عن الباقین ولایسعني العوده من اول الخط .

تلعثم نضال وخجل من ضحکات السخریه التی کان یشاهدها علی وجوه أصدقاءه فهم کانوا یحسبونه کسول وضعیف في صف الاملاء .

حاول کثیرا معي لعلي أنثر الحبر وأکتب ولکن دون جدوی حتی سمع نضال صوت الاستاذ وهو ینادي :
حسنا یا اولاد انتهی وقت الاملاء ارفعوا أوراقکم كي أجمعهن ونظر بغرابة الی نضال وقال :وانت ایضا کفاک عبثاَ بالورقه وأرفعها .فرفع نضال ورقته و رأسه للاسفل یستحي من أشهار ورقته البیضاء أمام الجمیع .
جمع الاستاذ الورق ونظر نظرة الی نضال وکانت ملیئه بالاستحقار و الاهانة.
فقد حصل الجمیع علی علامات جیده وعالیه ماعدى نضال فقد کانت علامته صفر وقد سخر الجمیع منه لمستواه الضعیف في هذا الدرس السهل للغایة.

لم یتکلم نضال بتاتاً فصبر وتحمل سلوکهم المشین حتی إتمام الحصة الاولی وبعدلحظات من وقت الفُسحة والاستراحة ابتدأ الصف الثاني وکان صف الانشاء ونضال کان دائما متسلط وذو قلم نافذ وواسع الخیال ویکتب بأحساس مرهف فقد اکتسب الکثیر من المعلومات من القراءة فکانت أمه منذ صغر سنه تقرأ له الکتب والقصص وتعود وأحب القراءه بعنف .فلم یکن مرتبک ابداً من هذا الدرس فحضر بشوق في الصف وهو مبتسم .

حضر الاستاذ الی الصف وبعد القاء التحیه جلس وکتب علی الصبورة بطبشور أزرق :”اکتب عن أی موضوع تحب فأنت حر في الاختیار” .وبعدها طلب من التلامیذ أخراج الدفاتر والاقلام وکتابة الانشاء حالا فأخرج نضال والباقون کل ما طُلب منهم وبدأوا بالکتابة .

کتب نضال فی اول السطر بسم الله الرحمن الرحیم

وأبتسم فقد تناثر حبري وکتبت له بکل رقة وحب وجمال تلک الجملة.

وفي السطر الثاني أراد الکتابة عن موضوعه باللغة الفارسیه فلم اکتب له ولا حرف علی ورقته فراح یضرب بي ویشخبط علی الورقه ولکن لم تنفع کل محاولاته فخطرت لي فکره وهي أن اکتب أنا موضوع بالعربیة وهو فقط یمسک بی بیده فكثیرا ما کان أبیه الشجاع والحذق یکتب نصوص رائعة وکنت أحفظهم جمیعاً فتأهبت وأنطلقت انثر حبري علی الورق وأکتُب وکان هو مندهش ومرعوب من ما تُنقش من کلمات علی ورقته فکان یبربر ویتکلم مع نفسه: هل جننت ؟ماذا دهاني ماهذا الذي اکتبه ؟لابد ان اکتب بالفارسیة وایضا هذه الجملات التی تُکتب الان لیس من أفکاري وعقلي فأنها رائعة وسلسة لغویا و نحویا وانا لست بارع کفایة في الفصحی فمن أین تتدفق تلک الکلمات .وکأن عیناه کانت ستخرج من الحدقه من شدة أستغرابهُ واستنکارهُ للأمر فلم یستطع التفوه بکلمة واحدة لاصدقاءه في الصف ولا حتی أستاذه.فقد أستسلم للأمر حتی کتبت نص الانشاء واتممته.

أعلن الأستاذ انتهاء الوقت ومن ثم حضر التلامیذ واحداً تلو الاخر لقراءة ماکتبوا من مواضیع فوصل دور نضال لیقرأ موضوعه فنهض والدفتر بیده وقدماه ویداه ترتجف من الخوف والخجل فلم یکن یعلم ماذا سوف یقول لأستاذه وقد کان نصه باللغة الفصحی العربیة فتقدم ووقف أمام التلامیذ بوجه شاحب وهو یتصفح أوراق الدفتر و ابتدأ بالقراءة قائلا :

بسم الله الرحمن الرحمن الرحیم

أنا عربیٌ مسلم لغتي هویتی وحکایة تاریخ امجادي سیفا بوجه الاعادي دون منازع مبادئي عظیمة وعریقة لم أخلق کي اکون عبداً بل خلقت عربیا ممشوق بهامتي مثل ما کانت أمجادی سابقا فهیهات أن یسلخ العظم من الجلد ….

فانهالت الهمهمات في الصف من قبل التلامیذ وهم مندهشون من اللغة التي کتب بهاء نضال أنشاءه و أنشغلوا یکلمون بعضهم البعض ماهذا الذی یکتبه نضال؟ أهو مجنون ماذا أصابه الیوم ؟ بین الهمهمات الصاعدة وقف الاستاذ وضرب بکفه بقوه علی المکتب وصاح عالیا :
اسکتوا جمیعا یکفي .

وتقدم نحو نضال وأخذ الدفتر من بین یده وراح یتفحصه وینظر الی وجه نضال الشاحب قائلا :

نضال ماهذا ؟لماذا کتبت الانشاء بالعربية فهذا لیس صف اللغه العربیة لایجوز مافعلت وسوف تُوبخ حتماً .لایُسمح لک بهتک قوانین ونظام المدرسة .
أحضر غدا برفقة والدیک الی المدرسه أرید أن أتحدث معهم .لم یتفوه نضال ولا بکلمة واحدة فذهب وجلس علی منضدته وصمت .وبقی علی تلک الحاله حتی نهایة الصفوف وبسماعه صوت جرس انتهاء الحصة الاخیرة جمع أغراضه هلوعاً وأیضا وضعني أنا بإکراه في حقیبته وخرج مسرعا من باب المدرسه الی الخارج وقد رکض طوال طریق عودته الی البیت وعند وصوله فتح الباب ودخل الی الصالة وهو یلهث بشدة کأن وحشا قد طارده .رمی الحقیبته من یدیه وأرتمی علی الاریکه الملقاة جنب الستائر وشرع بالبکاء من صمیم قلبه فشعر أن الیوم قد سُحق کبریاءه وأستحقرهُ الجمیع جراء ما حدث.
سمعت الأم بکاء أبنها وکاد قلبها ینفطر من الحزن فأسرعت نحوه وحظنتهُ ومسحت دموعه وقالت له :
ولدي الحبیب مابالک لما کل هذا البکاء والحزن ؟
فحکی لها نضال کل ما حدث الیوم وهو یجر أنفاسه بصعوبة ویقول :
أمي کل ما حصل لي الیوم من سوء حظ وأقبال کان سببه القلم ذلك الذي اعطیتني أیاهُ بالأمس أمي أرجوکِ أخبریني ما سرالقلم لابد لي من استيعاب ما جری الیوم .
تفتحت براعم البسمة علی شفاه الوالدة ثم بعد ذلك أخرجتني من الحقیبة و دنت قرب نضال وصارت تهمس بصوت خافت و تقول : ولدي الحبیب هذا القلم كان ملک والدک فقد کان طوال حیاته یجاهد به وکان بیده أشد فتکا من السیف بید أعدائه ،تناثر کلمات القلم علی أوراق أبیک تشبه الصواعق وهي تشق طبقات السماء وتنزل علی مصارع الأرض. قلم أبیک هذا بلغة الفصحی العربیة کان عالماً خاص ومتشخص فکل مدینة منه تحکي عن حب الوطن والاصالة وهویتة العریقة العربیة و الثقافات الاسلامیة الجلیة و حق الحریة في الماء والارض والجبال والنطق بلسان الام والتهجئ بحروفها کالأنغام علی مسامع من یسمع .
ولدي قلم أبیک هذا

هو السحر والاعجاز ،فکیف لک أن تنتظر منه بعد کل ذاک العلی والسلوان أن یَذل نفسه الیوم باتباعه لسلوک غیر سلوکه الذي لطالما تعود علیه وهو بحوزة أبیک .هذا ماکنت ارید أن تفهمه وتدرکه من الیوم وصاعدا، و هو أن لغتک هي تلک التي جاهدةأبیک لأجل أحیائها وسقی عروقها المنهمکه والباهته و قد نجح بالفعل بسقیها بجرعات دمائه حینما استشهد .

فروح أبیک في هذا القلم بني و جمیع أفکاره وکلماته مغروسة وممزوجة بحبره.
ما حدث الیوم في صفک کان حقک ولدي فقد مارست وخضت تجربة الدراسة بلغة الأم وهي اللغة العربیة فلا تشعر بالذل وانما یحق لک أن تشعر بالفخر والامتنان لقلم أبیک المقدس بأجلال .

تساقطت دموع نضال علی وجنتیه کالشلال لسماع کلام أمه وعاهد نفسه أولا ثم والدته أن یتقن اللغة العربیة ویناضل في سبیل أحیاءها وترسیخها من الان وصاعداً ابتداءً بین اصدقائه ثم في المجتمع مثل ما فعل أبیه طوال حیاته.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

*