أنا مثقف الأهواز
الرئيسية » قسم الکاتب الأهوازي » سندس علي » شرانق بشـــریة/سندس علي

شرانق بشـــریة/سندس علي

مشیت علی طرقات مدینة کانت بالأمس معمورة مزدهرة زاهیة والیوم أشُم رائحة الفقر والجوع والفسوق والطغیان تملأ أجواف معموراتها المنهمکة. الصمت والکتمان تسود المکان .هنا أصبح الرعب بألف صورة و قناع فقد کان بالأمس ذرة صغیرة لا تحس والیوم أصبح کالغدة السرطانیة یجتاح الکیان المَس.

أری من حولي شرانق کثیره علی أفنان الاشجار والشوارع والأزقة والودیان متناثره في کل مکان ثم أمعنت النظر فیها لرؤیة ما في جوفها فاقتربت شیئاً فشیئاً. غفرانک ربي ماهذا ؟ ثم أدهشني ماشاهدت . لم تکن حشراتً في احشاء الشرانق کما یجب أن یکون عادة فحسب، بل کانوا بشر متقلصین ومنقمسین کالجنین في الارحام نائمین تسودهم الغفلة عن العالم الخارجي منعزلین في احشاء الشرانق لا یسمعون دویاً و لا صریرا لایشعرون بانقلابات وتقلبات المکان والزمان .

ومن حولهم حزمة من اقلام مکسرة وأغلبها محروقة وأوراقا ممزقة ملوثة بالوحل جمیع کلماتها مصلوبة علی الجدران.
صرت أطرق علی سطح الشرانق بقوة لیصحوا من نومهم لانني کنت أظن أنه قد حان وقت النهوض والخروج من شرنقاتهم وانضمامهم الینا بجسمهم وکیانهم الممشوق. فنحن قلة ینقصنا حقبة من البشر دون شرانق الانعزال والانطواء حول أنفسهم کالأجنة في الارحام مسلوبین الحریة ومقیدین لاحول لهم ولا قوة.
فکلماطرقت بحدة وشدة لم یستفیقوا وانما أداروا فقط رؤوسهم من جهة اُخری واستمروا بغفلتهم وسُباتهم المغري.
فقد کانت الشرانق في کل مکان اینما ولیت وجهي. فوق، تحت واسفل وعلی قارعة الطرقات و شرفات البیوت والابراج في المعاهد والمدارس،والدوائر حتی علی المنابر والمساجد والمجالس شرانق شرانق شرانق.
فقلت في قرارة نفسي
فلماذا أذن انا لست في شرنقة مثل الباقین فنظرت لنفسي وأجتاحني رعبا وهولاَ کالبرق خَرّ على جسدي کالزلزال. ،نعم لقد وجدت اشلاءً من بقایا الشرنقة علی هیکلي واستوعبت الامر الرهیب أنني ایضا کنت یوما ما في شرنقتي أغفو وخرجت منها تواً بمحض أرادتي .
فلایسعنی النظر وترک بنو جنسي في سُباتهم المزیف یحلمون بأحلام شبه وردیه وسعیدة یظنون أنفسهم راقدین علی مراقد القطیف والمخمل البنفسجي الباهظ الثمن.
الهمني الواقع المریر الحل الشافي فکان واضحا کالشمس لي .تزامن وتضامن دقات عقارب ساعات الزمن سوف تصدر صوتا کالصاعقه وتحدث خدشا في شرانقهم وتتهشم وتتناثر من حولهم .
فصعدت علی اعلی برج ساعة المدینة ونظمت توقیت دقات عقاربها فتناغمت جمیع الساعات مع بعضها البعض وفي نفس الیوم رأس الساعة الثانیة عشرا ظهراً دقت جمیع الساعات في کل الارجاء وتصاعد صوتا مهولاَ لم یُسمع من ذي قبل وهز أرکان المکان وتدحرجت الشرانق کتدحرج الکرات علی الارض وارتطمت ببعضها بعض وتهشمت جمیعها فکان صوت التهشم أعذب سمفونیة عرفت بتاریخ الموسیقی البتهوونیة المشهورة . تحررت كلمات الحق والحریة المصلوبة من قیودها وانجرفت نحو الاوراق الممزقه فلملمت شتاتها وصفحت نفسها من جدید .
وأخیراًولیس آخراً قمعت العتمةوأستیقظت ناهضة البشریه وحلقت بعقلها کما تحلق الفراشات عند خروجها من الشرانق الزائفة الهشةلأعمارمدینة تنتعش بعطور السلام والانسانیة والاخلاق وصنع تاریخ معاصر یلیق بشموخهم وأصالتهم .

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

*