أنا مثقف الأهواز
الرئيسية » قسم الکاتب الأهوازي » سندس علي » في ظلال الملڪوت/سندس علي

في ظلال الملڪوت/سندس علي

فور دخوله مشارف البیت الحرام شاهد ازدحام الحجیج کأمواج البحر الهائج من کل جانب یتوافدون و وجوههم مستبشره وفرحه فهم الیوم ضیوف الله في بیته .ماکان ینعش نواظره اقبال المسلمین من مختلف الجنسیات بألوان ولغات متعدده من کل بقاع الارض للامتثال أمام وجود واحد فقط لاغیر وهو الرب الواحد الاحد .

بأزیاء موحده بیضاء ساطعه تتجلی من وهج نور الله تعکس النوایا الحسنه لتأدیة شرائع الحج في هذا الملکوت العظیم .وجوده الآن بین هذا الحشد الوفیر کان یشعر هو بشئ مختلف عن کل لحظات حیاته السابقه .
أصبح یحدق بکل من یمر،من جانبه لیجد ما یبحث عنه کان یبحث عن اختلافه مع الاخرین من الحجیج وکان شیئا غریب هبط علی قلبه فلم یدرک ماهو بالتحديد .وهو فی هذه الدوامه هتف علیه مرشد ومسئول القافله الذي یلتحق بهم من بلاده قائلا :
یا سید صادق مابالک هل انت بخیر؟ لماذا اراک واقف لاتبرح مکانک؟ الیوم هو اول ذی الحجه فلابد لک من الاشراع فی مناسک الحج والطوف حول الکعبه .
فأجاب صادق بتلعثم :حسنا،حسنا،یاسیدي هاأنا ذا سوف أشرع بالطواف .وأتجه نحو الرکن الجنوبي الشرقي للکعبه من الخارج حیث الحجر الاسود لیبدأ بالتقبیل واستلام الحجر الاسود للشوط الاول من الطواف.
سعی جاهدا لیمر من خلال تیار الحجیج الذی کان یکتسح المکان ،فکلما کانت تکاد یداه تلامس الحجر اجتاحته حقبه اُخری من الحجیج وابعدته الی ابعد بکثیر عن مکانه السابق .
أصابته نوبة أحباط شدیدة لعدم نجاح سعیه کباقي الساعین وهو یشاهد شغف قلوبهم للاستلام والتقبیل .فأصبح مصراً لاستلام الحجر مهما کان الامر فأخذ یتمسک بملابس الحجیج لینجرف ویتقدم الی مقام الحجر ومن شدة هول الازدحام سقط علی الارض وارتطم رأسه بالبلاط فنزف جبینه ،في هذه اللحظة شعر بنوبة غضب شدیده وقال:وما اهمیة ذلک الحجر الاسود لقد عجزت حقا وسوف اتمم طوافی بدون الاستلام والتقبیل فنهض لیشرع بطوافه حتی أنه شعر بصفعة ممیته علی وجهه أتته من حیث لایعلم وافقدته الوعي کلیا ًسقط صریع الارض ومن ثم بعد فترة لا یعلم بمدتها أفاق وکان احدا لم یکترث لحالته المزریه .نهض من مکانه یلتفت من حوله لیدرک الموقف ویستجمع قواه من جدید لتأدیة شرائع الحج ،اتجه نحو الرکن الجنوبي الشرقي وهو مکان الحجر فوقعت عیناه علی سد منیع ومرصوص من رجال قاماتهم بضخامة الجبال ملتفین حول الکعبة وبالأخص حول الحجرالاسود .ونورهم ساطع من ادنی الکعبه حتی أعلاها .یترصدون الحجیج الذین یسعون للاستلام وتقبیل الحجر و هم کانوا یصدون البعض ویسمحون لبعض بالتقرب فلم یدرک لما یقومون بفعل ذلک الامر.وانتبه ایضا أن لا احد یری هؤلاء الرجال من النور حول الکعبة غیره هو فالجمیع کانوا یؤدون الطواف کالمعتاد وشاهد ایضا الحجیج الذین کان سد الرجال یمنعهم من التقدم نحو الرکن تماما کما کان یحدث له منذ الصباح وعدم نجاحه في التدني قرب الحجر .

کان قد شاهد البعض بوجوه مظلمة وشاحبة ترهقهم الذلة والمسکنة والبعض بوجوه مستبشرة ومنورة یطوفون کالطیر بکل خفة واستعلاء .

حمل اثقال نفسه وتقدم نحو الحراس الغلضاء کالصخر أخافته هیبتهم ووقارهم ،دنی خطوات لیست بکثیره وصار امامهم وجه لوجه مد یده بتأني وحذر لیلامس الحجر ولکن فجأة شعر بلهیب من السنة النار تحرق یداه ووجه فانقلب علی عقبیه وتراجع الی الخلف وهو یصیح :لماذا ؟لماذا؟دعوني أمر ارید الطواف فقد اتیت الحج بهذه النیة فقط .
سمع صوتا یهتف له یاایها الکاذب،یا ایها المنافق من قال أن نوایاک حسنة بقدومک لبیت الله الحرام و سعیک لشرائع الحج والدنو مني واستلامي ،
اندهش صادق من الحدیث فلم یدرک من الذی یکلمه التفت شمالا ویمینا لم یجد من یحاوره فکان الجمیع مشغولین بالطواف والسعي ،نظرامامه فکانت فجوة قد احدثت من بین الحراس له لیتقدم ویری من یحدثه .
الحجر المبارک هو بالذات کان یحدثه ،فقال صادق للحجر الاسود:
سبحان الله کیف عرفت نوایاي وسوء اعمالي وانت مجرد حجر لیس لک شأن فی الخلق ولاتملک روحا تنفع وتستنفع منها .لیس لک الحق بالحکم علي ولا منعي من الحج والطواف حول الکعبة الشریفة

فرد الحجر قائلا : یاهذا ادنو قلیلا لأسرد لک قصة قدیمة قد تُجیبک علی هذا الغموض في عقلک :

أمرالله تعال النبی ابراهیم ببناء الکعبه الشریفه وقدقام هو وابنه اسماعیل بالعمل الشاق حیث کان اسماعیل یأتي بالأحجار و یناولها لأباه لوضعها في مکانها ورفع القوائم وجدارالکعبه ،لم یستهینوا ولا لحظة في الأضلاع بکل مالدیهم من طاقه لأتمام بناء البیت الشریف فکان کل ماتعب اسماعیل احفه ابراهیم للعودة الی العمل بنشاط .
مضت الایام ووصل ارتفاع الجدران الی درجه مرتفعه فلم یستطیع ابراهیم صف الاحجار والبناء ،فنادی اسماعیل قائلا:ولدي أسماعیل أذهب وأتي لي بحجر کبیر أصعد علیه لیرتفع قوامي فلا أکاد المس اعلی الجدار .
تهاون قلیلا أسماعیل بطلب أبیه حیث تهالک علیه التعب وتبددت قواه ولکن لم یسعه ألا أن یقول لبیک أبتي ویذهب للبحث عن حجر مناسب لأبیه .
في تلک اللحظة هبط الملک جبرائیل یحمل زخات من البشری الی ابراهیم المنهمک والمحبط حالیا موجهاً له تحیة منمقة بحب من رب السموات و الارض في قعر الصحراء الجدبة ماسحاً من علی جبینه قطرات العرق التي کانت تنزل علی وجنتیه کالصلب والحمیم .استشعر ابراهیم النبي حین تلامست یدی جبرائیل جسده الهزیل المهتري بصعیق بارد ونسمات من نفحات ریح الجنة ازاحت عنه جبال من الرهق والسقم الکلیل .فقال النبي بوجه مستشرق لجبرائیل:
مرحبا بک این ما حللت وأمسیت فماهي بشراک لي یا وجه الخیر:
فقال جبرائیل :فقد ارسل الیک رب العباد بهدیة من الجنه مبروکة و مقدسة لیس لها مثیل في اي بقاع الارض ،انها یاقوتة موطنها الجنة ونزلت مع النبي ادم عند هبوطه من الجنة علی مشارف الارض فکانت بیضاء کالحلیب لها بریق ونور ساطع متلألأ تضئ مابین مشارق ومغارب الارض فطمس الله بنورها .

فسئل ابراهیم ماسبب طمسها یااخی:
فأجاب جبرائیل بأسی شدید :
آثام اهل الارض وبشاعتها طمسته وجعلت منه حجرااسود منزوع البریق.
تهاتفت علی قلب ابراهیم کُتل من الغمام والحزن فراح یبکي بعبرات عالیة علی اکتاف جبرائیل .فهدئ جبرائیل من روعه قائلا له یاخلیل الله هذا الحجر بین یدیک الان سیکون سندک وعونا لک في بناء الکعبه ومن ثم عین له موقعا في الکعبه لیکون مبارکا ومقدسا بین امة الاسلام حتی یوم القیامة.
فجلبني جبرائیل عند خلیل الله وکانت وطأة أقدامه المبارکه اول وطأة علی مشارفي فکان یصعد علي واسماعیل یناوله الاحجار فیضعها بیده لرفع جدار الکعبة وکلما اکتملت ناحیة انتقل الی اخری حتی أن آثار اقدامه المبارکه قد باتت ظاهره بوضوح إثر وطأته المستمرة لایام عدة علی سطحي.
وفي نهایة العمل والبناء وضعني في هذا الرکن من الکعبة وقد ابتدأ وانهی طوافه هو واسماعیل من حیث ما وضعني ، تبرکا لمکانتي وتعظیما لوجودي من جانب الله في بیته الحرام والکعبة المشرفة .
علی مرالزمان هُتکت وسُحقت حرمتي سُرقت ونُهبت ودُمرت من قبل القرامطة في سنة(۳۱۷ه)واقتلعت من باطن الکعبة وهجرتها لمدة ۲۲سنة وأضمحل حجمي وتکسرت اجزائي حتی قدوت أصغرحجما من ذي قبل وجمیع أثار اقدام الخلیل انمحت علی سطحي وصارت هبائاً مع الریح فلولا حکمة الله وإرادة قدرته لحفظي من بطشهم لم أکن الآن في نفس الموقع کما وضعني ابراهیم بیدیه المبارکة ویحتفلون ویقتدون بی الحجیج في شعائر الحج والطواف من حیث انا هنا أي الرکن الجنوبي الشرقي فیستلموني،ویقبلوني اقتداءا واحتذاءا بالرسول محمداً صلی الله علیه وسلم عند طوافه حول الکعبة .
هنا لم یحتمل صادق الصمت وسئل الحجر الاسود:
ولکن أذا کانت هذه هي السنة النبویه فلماذا لم تأذن لي باستلامک وتقبیلک وأتمام طوافي کباقي الحجیج؟.و ایضا من هم هؤلاء الرجال الغلاظ القامة الذین من حولک؟ :

فأجاب الحجر الاسود قائلا:
هولاء هم ملائکة الرحمن وهم یحرسونني ویُقدومون البعض ویأخرون البعض الآخرفي اداء الطواف بسبب أعمالهم ونیاتهم المنبثقه من صمیمهم والوافدون بها ها هنا في هذا الوقت من الحج.
الجمیع متشابهون في الملابس ویکتسون اجسامهم بظاهر واحد ولکن نفوسهم وذاتهم الخفیه لیست واحدة وآثام كثیرة متکدسة فیهم تزئر کزئیر الوحوش من بین أضلعهم المهشمة .فمن کانَ وافداً هنا بنیة التوبة والتوجه الی ابواب الرب المشروعة والباسطة بعنفوان رحمتہ وعظمته یغتسل روحه وجسده من آثامه لیغدو طاهراً، فأنا سوف ارحب به بکل وجودي وأحببت تقبیله واستلامه لي بشغف وشوق کشوق الام لبنیها .

أجهش صادق بالبکاء وتکسرت عبراته في الفضاء کتهشم الزجاج علی رأسه وسقط علی الارض وهو یُرطم رأسه فی البلاط باستمرار ویصیح :یاالهي هذه أذن لعنة حلت علي بسبب مااقترفت من ذنوب کبیرة وشنیعة ونیتي الغیرخالصة بوفودي الی هنا لاکتسابي فقط علی لقب الحاج بهدف وصولي لمصالحي ومناصب الجاه والکبریاء والعظمة في الدنیا لست مکترثاً بمصیری بالآخره وامتثالي أمام الرب في یوم القیامة .
فقال الحجر :الان وقد أستفاق ضمیرک وتنورت روحک بالایمان والصواب فلابد لک بالأستغفار و التوبة النصوحة فإذا قَبل الرب توبتک سوف یکون هذا جلیاً علی ملامح وجهک وهو انعکاس روحک وذاتک الخفیه المنکمشة الان من کثره الدواهي .
لو یعلم الانسان أن مجاعة الروح و النفس أشد وأخطر من مجاعة البطن والشهوات لکرس نفسه وقیدها لخدمة الابدیة المرسومة له عند الرب الکریم .

توجه صادق نحو الکعبة وهو ساجداً خاشعاً باکیاً وتائبا ً طالباً الغفران والرحمة من الله فنهض لاستلام الحجر وتقبیله فشعر بیده تلامس الحجر الاسود وکأن قوة ونور ملأت جمیع فجوات روحه الخاویه الهشه وساقتهُ الی نشوة الطهارة وانتساله من وادي الضیاع وزوده بثقة قاطعة برحمة الله .

في تلک اللحظات الملکوتیة مر علیه شریط حیاته أمام عینیه ، حینما کان یاکل مال الرباء و الیتامی والمساکین ولا یتصدق ویتزکي وتذکر انه کان بمقدروه أن یجلب والدیه للحج والاعتمار انما لم یفعل ذلک قط و أبیٰ أن یکون باراً بوالدیه فما اقترفه حتی الان من آثام کبیره لأرضاء نفسه بالتاکید بعیدة کل البعد عن الانسانیة والوجدان .وفوده الی هذا المکان المقدس ایضا بنیة غیرشریفة وکونهُ أراد أستخدام لقب الحاج في المجتمع لمطامعه الشخصیة، فقد ثقلت أثقال أقترافه للسیئات .أصابه دوار شدید لوهلة وتکوم جسده بقرب الرکن وغاب عن الوعي للحظات، حینها أصبح یسمع اصوات کثیرة من حوله وکأن جماعة اسعفوه أو ماشابه و ماء الورد البارد یُرش علی وجهه ففتح عینیه بهدوء وشاهد حقبة من الحجیج والمسعفین من حوله یهتفون وینادون علیه ویطمئنون علی صحته ،فعندما أستعاد وعیه بالکامل راح یسئلهم عن الحجر الاسود والملائکة المرصوصین من حوله وکل شی حدث له هنا .فأصبح الجمیع یبتسمون ویجیبونه یا أخي انت تهلوس وکانک محموم أولازلت لست بوعیک الکامل فلم یحصل شيء مما تفوهت به فقد تکون أصابة راسک بالبلاط تسببت لک بهذه الرؤیا .
ولكن صادق کان واثق من حدوث ماشاهدالیوم وما یشعر به الان هو شعورأرتیاح قلبهُ وروحهُ من ثقل کان یحمله من قبل وکأنه مولود جدید ولد في الکعبة الیوم .هذه کانت مشیئة الله أن یهدیه ویستفیق من غفله رقد في أحظانها لسنوات عدة .

فذهب واغتسل وتطهر من جدید وتقدم نحو الرکن لستلام وتقبیل الحجر الاسود والعمل بطوافه بقلبا سلیم .

وفي یوم العاشر من الحجة في جبال عرفات بموقع مني قام بلکثیر من الاضحیات لوجه الله الی الفقراء والمحتاجین وأمر اهله فی وطنه أن ینفقوا الکثیر من الاموال الی مؤسسات الایتام والمشردین .
وألزمهم بأدخال البهجة والسرور بقلب وبیوت جمیع العوائل البائسه والشقیة بمناسبت حلول عیدالاضحی والاحتفال مع جمیع المسلمین کافة لعل الله یتقبل منه توبته ویقبل حجته .

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

*