أنا مثقف الأهواز
الرئيسية » قسم الکاتب الأهوازي » سندس علي » قصة حب، کرامة و حریة/سندس علي

قصة حب، کرامة و حریة/سندس علي

عبر السهول و الودیان و الصحاري الجدبة و الجبال المحدبة کالجمال کانت أرض فیها یتلامس الليل و النهار و یطوفان الفلک باعمّامة بعضهم البعض یتلابسان منبثین في الأفق یغازلان الأرض و یبهجانها علي مر الزمان .
شمس تلك الارض بأجراسها الرنانة الذهبیة تدندن ألحان الرهف و الهیام لکائناتها و تجاري طلعتها البهیه لهم لنهوضهم یومً جدید مکتظ بالبهاء و العمل الکدود .


لم اصف لکم سماء تلک البُقعه ،لیس لها مثیل وکأن الأرض انقلبت علي عقبیها و سُیرت البحار فوق الثرا وفي قعر سعته وبین طبقات امواجه تشاهد الحیتان وعرائس البحور والقنادیل .قطرات المطر کالندی ترُش علی کائنات البُقعه هذه بکل سلاسه و حنین .

فُرشها مُبطن بملحف الخضرة مطرز بورود الیاسمین والنرجس والزنبق .أشجارالصفصاف والصنوبر یعانقان بعضهم ولایکادوا أن یتفرقوا متراقصین، متناغمین یحتفلون بشقشقة العصافیر وتغرید البلابل بین أغصانهم الکهلة مکتسیها بأوراق خضرة تشع الطراوة من علیها .

النسیم بحلته الجدیده المنعشه کالمعتاد یُقبل لیکمل لوحة الطبیعة الخلابه و الساحره ،یهب بأنفاسه الباردة العذبه علی عرشها.

من یسکنون هنا اُناس ممیزون بجمیع الصفات ، متحابون متجانسون ودودین تماما کلوحة طبیعتهم
من بین هولاء کانت کرامة هي الشاخصه المشخصه والمحبوبه للجمیع آنذاك .

کیف اصف لکم کرامة و تعجز الکلمات عن وصفها و الأقلام قاصرة عن کتابة رُقیها و رشاقتها فسحر عیناها و سهام رموش جفنیها هلک الکثیر في وادی صرامتها، و رزانة مشیتها و خطواتها، تهز بطلعتها الأرواح الرهفه. رداء عبائتها کبیاض الثلج في عز الصعیق ومن عطر انفاسها یثمل الصاحي ویُجن ابن السبیل .

کرامة کانت العشق والعشق كان کرامة. في قلوب الجمیع ینتظرون قدومها کل صباح لکي تقبل علی مساکنهم یجالسونها کجلیس الفؤاد بین الاضلع لیتسامروا معها و تزدهم کبریاءً و عظمة .

البُقعه تلک لم یکن فیها وضیع ولافقیر و لا یائس و لا مسکین ،لم یکن للبؤسا عرقاَ هنا، و  لا للمطئطء هامته .
لا ظالم و لا مظلوم لا منبوذ، و لا نابذ .

کرامة سخرت لهم قمم النقاء و العطاء و توجتهم بالأخلاق و السخاء و رقتهم بطلاسم الکبریاء و الحریه و انتزعت منهم العبودیة و غللتها بسلاسل من حدید و حواجز من “لهیب” کما فعل ذو الکفین بیأجوج و مأجوج و القتهم في ودیان لیس لها قرار .

مضت السنین و الأعوام و جمع بین کرامة و حریة حب أصیل بریئ کبرائة یوسف من تهمة زلیخا و خالص کخلوص توبة یونس في بطن الحوت لله الحبیب، صادق و نقي کصدق نباء نوح لقومه .

لم یفترقا و لا لوهلة من الزمن یجوبان بقاع الأرض علی ظهر اُحادي القرن المجنح یطیر بهم من خلال السحب و ینزلق علی قوس قزح لیهدي لهم زخات من البهجة و الرخاء .

فکلما زادوا وثاقهم ببعض انعکست بیارق عزمهم علی شعوب البقعة نفسها و زادوهم ایماناً و حب بأمجادهم .

في لیلةً و ضحاها عصفت عواصف هوجاء و دُقت أصوات طبول تخرم الاذان من القاع و ضلام متلبس بلأشباح، صراخ وحوش مسعوره متعطشه لسفک الدماء و الغوص في بحور من النزیف. تشتت الناس من الذعر و الهلع أیقنوا أن الهلاک ضیفهم اللیلة لامحاله و لا فرار من سلطته، لکمات القدر المشئوم دقت اعناقهم واحداً تلو الآخر جعلتهم یتجرعون کئوس الذل والضلال .

من هم طغاتاً کانوا أم قطاع طرق ما غرضهم من اکتساح أرضنا؟ یبحثون في شقوق مساکننا و في جوفها علی ماذا یشیح الغضب و الکره الدفین في اعماقهم ساحقین الطفل و الکبیر تحت وطأة اقدامهم العفنه. و اخیراً توجهوا نحو خیمة حریة و جرحوا اُحادی القرن و قطعوا أجنحته بوحشیه تامه لیسلبوا حریة وسیلة الفرار و النجاة من بطشهم القذر الرخیص. دخلوا علیه ملثمین مسودین قلباً وقالبا ارواحهم عاریة من کل خیر هم الشر بعینه والظلام بعتمته ،فقیدوه و اخذوا یجرونه بالسلاسل والقیود جاعلین منه اُضحوکه ذلیلاً و هزیل.

انکتمت صیحات الناس و شحبت وجوههم و دنت ارواحهم عاریة من قمم القیم التی کانت تتیح لهم السلام و الهیبه.

کیف لي نسیان کرامة المبجلة و واقع حالها و مأساتها الشاذه بجمیع المقاييس، کانت کالمجنونة تناشد الجمیع استرجاع حبیبها حریه تجرف الدمع و دم معاً لم تکتفي بالرثاء و الحزن بل سلکت سُبل الضیاع و انعزلت بعزلة صنعتها لنفسها بعد فقدان رفیقها المتیم انغمست بالوحل تتلذذ بمذاق المسخ في احشائها .

فقدت الأرض حریة و کرامة معاً و من بعدها باستمرار فقدت الکثیر و الکثیر فقدت الأخلاق و القیم و الذات الحسن فقدت الکبریاء و العظمه و الحبل المتین للوحدة .

الطغاة و المسوخ جعلوا من الظلم و التفرقه سلطان و استعبدوا و جرفوا اهلها الی الحضیض جاعلین منها مزبلة التاریخ .

انهمکوا هؤلاء القوم بحیاتهم البائسه العینة و الاراجیف الملقاة علی مسامعهم کالخراف الضالة ینتظرون فصول ذبحهم مستسلمین لواقع حالهم المریر ،ناسین کرامه وحریة.

حریة في الأغلال و الحبس و کرامة في عُزلة الوحل غاطسة.
فهل من صریخ و هل من منیر و هل من مُدب الروح في العقول ؟

نعم و بالیقین أقول نعم بالقلم المستبین و فوران حروفه علی الأسطر المستقیمه و الکلام الغامز و الصرخات علی الورق سوف نطبق عنق الطغیان بأصابعنا و نهشم المسخ الماکث في عقولنا.

نکسرالقیود و نطلق صراح حریة و تعود کرامة ادراجها حیث الحبیب و تهم بنهوض کبریاء و شموخ و عظمة لهذه البقعة السویة.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

*