أنا مثقف الأهواز
الرئيسية » قسم الکاتب الأهوازي » سندس علي » إمرأةٌ من نار واشباحٌ في الصميم/سندس علي

إمرأةٌ من نار واشباحٌ في الصميم/سندس علي

في لیلة قاسیة البرودة یمتطیها الظلام الدامس وفی جوفه صریر الریاح العاصفة التي و کأنها تهمس بلغة خاصة اسرار اللیل الغامض بین اجواف البیوت في الأزقة الخاویة من الناس و کأن الجمیع قد استسلم لهیمنة سید الظلام بمحض أرادتهم و دون العبث معه .

فقد کنت اعود من المطبعة في وقت متأخر من ساعات هذا اللیل الذي قد نشر سلاسل شعره السوداء المنتعشة في أحضان ماء سلسبیل في کل ارجاء المکان و قد غرس النجوم ببطشہ من خلال شعره لینتشل الأنظار من حوله فیضع لنفسه لوحة خلابة لاتنجلی بجمالها الساحر. فقد کنت اسمع فقط صوت أقدامي في الأزقة الخاویة و صوت الریاح الهامسة العابثة.

فکل ما أقدمت الی الأمام کنت أسمع صوت أنیناً بعید یأتي من نهایة الزقاق، فکلما أقتربت أشتد الأنین علی مسامعي، أنیناً یکسوه الألم و الرهیق، فکنت أُسرع حتی أصل لنهایة الزقاق لأتفحص مصدر الصوت القادم .

عند وصولي لنهایة الزقاق في بحر الظلام رأیت سوادً مکوّم في الزاویة و الصوت كان هو ذاته، أضأت شاشة النقال و وجهته نحو السواد، فأذ بي أری أمراةً معصوبة الأعین و مقیدة الفم و الأیدي، و الأرجل ملفوفة بعباء سوداء و قد أصبحت الأرض سوداء من نزیف دمائها، لوهلة هرعت و سقط الجهاز من یدي لإرتعاش یدي، و ارتحافها منما شاهدت من منظراً رهیب نشر الخوف في قلبي و أرهق جسمي بکثره.

فأسرعت نحوها و شلت العصابة عن اعینها و فککت قیودها و أنا انادیها: من انتي یا ابنتي؟ و ماذا حصل لك؟ و من این انت؟ من الذی فعل بك کل هذا؟ و لكن لم اسمع و لا أجابة واحدة تریحني، حتی أن أنینها کاد أن ینقطع بین وهلة و أخری.

فأسرعت لأجلب النقال لأتصل علی الاسعاف لیاتوا و ینقذوها، انتبهت للحظه أن أنینها زاد عن حده و کأنها ترید اخباری، بشیً، و کأنی اراها تشیر بیدها الی زاویة اخری من الزقاق نحو حقیبتة سوداء مغطاة بلوحل فلا تکاد أن تُری.

نهضت مسرعة و احضرتها لها، لألبی لها طلبها، و لكن عند عودتی نحوها فقد کان الأنین قد أنقطع، فلمست یداها و شعرت بلصعیق و کأنها غصون الشجر الیابسة المجمدة الصلبة، و وجهها أزرق من شدة الکدمات، یا الهی من الذي فعل بها کل هذا و لم؟ تلک المراة کانت قد فارقت الحیاة.

في هذه الحظه شعرت أن الیل قد شدّ وثاق سلاسله علی عنقی و جرنی الی الحظیظ، لکي یغشی علی و لا أصحو قط. کأني علمت لغة الریاح و هي تهمس في الارجاء و في أذانی: ویحک، ویحک، ویحک، الی متی هذا الصمت، الی متی؟

لكني لم افهم قصدها و لا ماتعنیه من همسها لي. تساقطت أشلاء السماء علی رأسی من شدة الحزن والألم فی تلك الحظات الوجیزة. بین ما أنشغلت بهواجسي وافکاري عن جثة المراة الهامدة و خطفت ناظری عنها وعدت لکي ألقی نظرة أخیره علیها فلم اجد المراة و کأنها تبخرت في الأرجاء أو طیراً رفرف بجناحیه و طار بلمح البصر، صرت اتلفت یمیناً و شمالاً لعلی اجدها و لكن لاجدوی من البحث. و الحقیبة لازالت بین یدی. هل کانت حقیقة أم شبح، أو من شدة ارهاقي و تعبي تخیلت کل هذا؟ لا اعرف!

یالها من لیلة رهیبة عتماء و العتمة هي حقیقة المراة الغامضة.

عند وصولی للبیت هرعت و أحضرت الحقیبة و أخرجت ما بداخلها، و کانت مجموعة اوراقاً مبعثرة و ملوثة بلوحل و الدماء، فرحت لوجود تلک الأوراق، لعل یکون هنالك بصیص املاً لأجد لغز المراة الغامضة. اول ما فعلته أني رتبتها و نظفتها من الوحل و الدماء حتی استعد لقراءة مافیها. و فجاءه سمعت الباب یطرق بقوة و شدة و کأنی، اسمع ثانیة صوت أنین المراة، لشدة هرعي تناثرت الأوراق من بین یدی علی الأریکة الملقاة في الغرفة، فقلت به أعلی، صوتی : من الطارق؟

فلم اسمع أجابة من الطارق، فقط أشتدت الطرقات علی الباب و ذلك الصوت زاد عن حده. فقلت في نفسي: یا الهي من قدیکون في هذه الساعة المتأخرة من اللیل یسئل عني و انا رجلٌ عجوز و وحید و لیس، لی، أحداً؟ فمن قد یکون هذا الطارق؟

فجمعت کل شجاعتي و عزمي و ذهبت لفتح الباب و کأنی، شعرت أن الریاح ایضا کانت تدق الباب معهم، عند فتحي لباب لم أجد احداً، فإلتفت نحو الشمال و الیمین لعلي اجد احداً و لكن بلا جدوی، فلم اجد أحد! تهاجمت علی رأسي الاسئلة المبهمة کأمواج البحر العاتیه و لكن لم أجد اجوبة، لکل ما یحصل، في هذه الیلة، ألا تلک الاوراق التی، قد تنقذ الموقف، و ترشدنی الی ما أجهل.

عدت الی الغرفة، مسرعاً نحو الأریکة و جمعت الأوراق المنتشرة، في الأرجاء و رتبتها و انهمکت في القراءة.‌ فأذا بلباب یطرق مرة ثانیة و بنفس الاسلوب من ذي قبل. في هذه المره لم یردعني لا خوفاً و لاجزعاً من اکتشاف الحقیقة السائدة، فکان الغضب في نفسي هو سید المکان، و ماعدت اطیق الضعف و العجز في نفسي فنهضت بأنتقام لمواجهة أي من کان، أسرعت و فتحت الباب الهزیل، و بما رأت عیني من مشهداً أمام الباب، کأن صاعقة صعقتنی و أطاحت بي من أعلی مکان.

فقد کانت المراة نفسها معصبة العینین و وموثوقة الیدین، و الأرجل ذو العباءة السوداء، الملطخة بلدماء، مشتعلة و النار من حولها تحیطها من کل جانب، و هي تصرخ من شدة الألم، أسرعت الی الداخل لأجلب بطانیة أو ماشابه لأردع النار، عنها و أنقذها من الموت المحتوم. و عند عودتی الی الخارج لم أجدها، و قد اختفیت مرة ثانیه وکأنی، لم اشاهد ما شاهدت.

کنت الهث من شدة التعب و الحیرة کیف؟ کیف؟ فقد اکتفیت من أسئلة لا أجد لها أجابة. دخلت الی البیت لقراءة ما ابتدیت و قلت لنفسي: لن انهض هذه المرة لأي سبباً کان حتی أنهی، قراءة الأوراق الغامضة .

انهمکت بلقراءة لدرجة أني لم انتبه أن الشمس قد أشرقت و نشرت جناحیها الذهبیة علی جمیع أرجاء الأرض. لقد کان ما قراءة و انهیته قد حل کل الألغاز، و فتح ابواباً کانت موصدتة باقفال من نار.

الیوم هو یوماً جدید بأشراقته ملیئاً بلقوة، والآمال، التي لطالما افتقدناها و باتت، في الوحل تحت أقداماً لم تعی أن تعتلي هیاکل، مافوقها قصتی قد تکون أحجیه أو لغز و خیال، و لكنها في حقیقة الأمر، قصة شعوبا کبیرة، أنها رمزاً لشعباً ادهشته حزمة من الألقاب و أطاحت بغروره و شیمه. شعوب عاشت ربیعاً مزیف کانوا، کلأشباح یتخاطفون و یعتلون المناصب و الدرجات و یزفون الورود السوداء الملطخه بلوحل و الدماء لبعضهم بعضا. أنها قصة لیلاً و رجلاً کهل و وهن و أزقة خاویة و ریاحاً تعلو صریرها و امراة من نار، في صمیمها ملیئة بلأشباح، قصة أبواباً تطرق في عقولاً خامدة و راقدة کأصحاب الکهف والرقیم .
الرجل الکهل الضعیف الوحید البائس هو عقول شعوب ألتوت بنفسها مثل ما تلتوي الحیة و الأفاعی علی نفسها حین تشبع و تملی بطنها الوضیعة. شعوب رسمت لنفسها الطقوس، أطاحت ببعض و أجلست بما ترید علی عرشا هي زینته بجهلها و فسقها للحقیقه وأصبحت کلصحراء القاحلة اليابسة.

ألأزقة الخاویة هي معتقدتنا و شعائرنا الاسلامیة التي أصبحت هشة من الداخل  و الخارج که القش الذي یتناثر في الهوا، کهبائاً منثوراً. أصبحنا نحمله و هو مقطعاً الی اشلاء، کل واحداً علی حدا، تتصارخ اشلاء عقائدنا العربیة علی بعضها البعض ،للنهوض و الالتیام و الأنسجام لیکتمل هیکل العظیم لعقایدنا، و شعائرنا الاسلامیة.

صریر الریاح المتهامس في الأجواف البیوت و الأزقة هو صوت ضمیری أنا و انت ایها الشعب العربي المتکهل، صوتاً ضاع في افق الشعوب منذ زماناً بعید، حین ما أتانا یتدفق من صدر نبی عربیاً لامحاله، فاضلاً، تسرب و کأنه شهاباً وهاج صاعقاً، یشق الافق ناشراً نوره في جمیع الکون اجمعین. هذه الصوت في اجداث صدورنا، شئنا أو أبینا فکل ما یجب فعله أن ننکش و نزیل الصدع من علیه لیتجلی من جدید، و یتنفس فارداً أجنحته کلعنقاء العظیمه …
الیل ذو السلاسل السود في حکایتی، هو الظلام و الظلم و الحق المزهوق و الموئودة المذبوحة بلا ذنب، و المحارم المستبیحة، و الطغیان و الفساد و الفجر المستبان في کل حین. لیل التفرقة و النفاق و العدوان في الدین و الشریعة. باسم الدین قتل و سفک دماء اخي، امي، ابي، و کل ما هو لدي عزیز، اللیل هو الدین المزیف و المغشی علی وجهه.
المراة الملتهبه معصبة الأعین و مقیدة الیدین، و الأرجل و المخضبه بلدماء، هي هویتي العربیة المتعصبة المعصبة، مقلولة الأیادي لاحول لها و لاقوة، تصیح صارخة، و تحیطها جدرانآ من نار، مکبلة منذ زمن بعید لاصریخ لها و لا ناصر، ساترة نفسها بردائها الأسود، رافضة التعري من هیبتها التي، لطالما کانت منذ قرون تاجاً علی راسها یتدلى و تنحنی لها سلاطین العالم و الکون اجمعین. هویتي أمرأة بشموخها و صراخها تناشد العقول، الطلیقة، المکشوف علیها حقیقة السلطة و السلاطین و سیاسة سیادتهم و ازدواجیة تصرفاتهم و کتمانهم لحقیقة، ما یجری فقط لمصالحهم الغیر مشروعة في حکم العقل و الضمیر.

بقلم: سندس علي

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

*