أنا مثقف الأهواز
الرئيسية » قسم الکاتب الأهوازي » سندس علي » أجنحه من ورق/سندس علي

أجنحه من ورق/سندس علي

في صباح صیفی مشمس و مع تغرید الطیور علی أفنان الاشجاروتحت سرادق السماء الزرقاء الصافیة وتهلیل النسیم البارد علی الوجوه الذي و کأنه یلقب التحیة المنعشة على المارة ،جمعت الاطفال من حولی كما الفراش المنجذب لاوراق الورود المندّیة لتلامس أجنحتها الخلابة برقة و حنان.


تحت ظلال الاشجار في ردهة المکتبة، جلسنا لأقراء لهم قصة« دیک ویتینگتون» الولد الصغیر الفقیر البائس الیتیم ،الذي في یوم من الایام و لشدّة فقرهِ و جوعه و جزعه من سحق الناس لحقوقه ،یذهب الی لندن لیجد عمل ینقذ بواسطته نفسه من الجوع ،وبعد الشقی الکثیر و تحمل الصفعات من کل من لایرحم فی تلك المدینة العملاقة في نهایة المطاف ،يبدأ بالعمل لسنوات عدة عند تاجر کبیر ذو نفوذ في المدینة ،ویشرق حظه العاثر ویضحک بوجهه لاول مرة مما یجعلهُ فی عنفوان شبابه اغنی رجل و عمدة و عضواً مهم فی الکونغرس .»
بينما کنت غارقة في قراءة القصة لهم والجمیع یصغون ویسرحون النظر في ملامح وجهي أثناء سرد القصة لهم وبينما كانوا یقاسموني مشاعري في کل لحظات القصة ویتفاعلون معي بکل سلاسة و ارتیاح ،فکنت أذا حزنت حزنوا و اذا ابتسمت ُ ابتسموا . عند انتهائي من سرد القصة كانت قد امتلأت أنفسهم و اعینهم من جمال مضمون القصة، فقد حلقوا معي اینما حلقت بأجنحة من ورق وطفنا البلدان بلمح البصر ،کنت اراهم یتهامسون مع بعضهم البعض عن دیک، الولد الصبی الفقیر الذي في نهایة مطاف حیاته وعدهم هم ایضا بنهایات مماثلة و واعده و رفیعة.

فقد کانت الاجواء احلی من العسل للجمیع ،حتی وقعت عیني علی طفلا تحت الشجرة یبکی والدموع تتساقط من عینه علی وجنتیه الناعمتان کالحریر، فقطرات دموعه تتخیل لي كما الندی علی اوراق الورد العطرة ،فأقتربت منهُ ماسحة دموعة من علی وجنتیهِ الرقیقة و صوت بکاه علی مسامعي،صوتا كان أحزن من عزف الناي و رهیقه ،فسئلته مبتسمة لماذا البکاء یاعزیزي؟

فمسک یدي ویداهُ ترتجف کأعصان الشجر فی یوماً عاصف ،قائلاً :سیدتي انا ولداً فقیر و یتیم و وحید و امي امراة مریضة، فهل هنالک امل أن اصبح یوماً کدیک الصغیر ذو شأن رفیع ؟؟ غرقت عیناي بالدموع لسماعي هذا الکم من الحزن المخزن و المرصوص في قلب الطفل ،وبسرعة البرق احتویته و حظنتهُ و همست بأذنه بکل رقة و حنان ‌؛

انت ولداً صغیر تحب الله ویحبک ،تناجیه ویناجیک ،وبصحبته تطیب کل الساعات ،فلا یکاد رب عطوف یترکک وحیدا فی هذه الوادي، فبالصبر و العزیمة ستعلو و یرتفع شأنک ،فأذا بالطفل یبتسم و تتورد و تتفتح ورود وجنتیه و تحمرُ من الفرح ،أهدیته کتاب دیک قائلة له: کن للکتاب صدیق و إجعله لک صدیق ، فلا یفارقک حتی نهایة الدهر و یکون لک جناحک الذي لطالما اردت التحلیق به الی اوسع الافاق …
منذ ذلک الیوم اصبحنا انا و هو افضل الاصدقاء و تحول من ولدا ًبائس الی ولد سعید یقراء الکتب باستمرار ،حتی أن نضج و أصبح شاباً یافعا ،فانتقلت انا الی مدینة اخری فانقطعت الاخبار عنه و لم اسمع شیئا عن مسیرة حياته ،و فی یوم من الایام عندما کنت جالسه امام التلفاز اشاهد برامج خاصة بالناجین و المبدعین ،شاهدت لوهلة ذلک الطفل الصغیر الباکي بوجهه الحزین ودموعه الملتهبة و قد أصبح الیوم رجلاً ناضج و ناجح و قد کان اکبر اطباء القلب والجراحه في البلد ،من شدة فرحتی أجهشت بالبکاء وبصوت مرتفع و حمدت الله کثیراً لأنه کان لي التأثیر الایجابی المطلوب في رسم دروب النجاح عن طریق قراءة الکتب للأطفال ..
هذا کان نموذجاً صغیرا عن تأثیر و فوائد قراءة الکتب للأطفال في المکتبات و البیوت بواسطة المربین و الآباء.
فبالیقین اعلن أن القراءة هي مفتاح کل لغز في العالم وجمیع العوالم الأخری ومن ینکر هذا الحدیث ،فكیف یمکنه أن ینکر کتاب الله وهو اعظم اعجاز علی طول السنین فما زالو العلماء من جمیع انحاء العالم یکتشفون کل یوم اعجازات جدیدة في العلم والتطور الدافق الامتناهي في هذا الکتاب ..
قراءة الکتاب للأطفال هو المستقبل الواعد و الصاعد الذي نوعدهم به والدرب المشرق فی عقولهم حتی وأن تکدست الاشباح لوهلة فیه فسوف تنیرها القراءة بکل تاکید .القراءة هي التي شغفت بها القلوب وهامت بها النفوس ،أنها بالفعل کالرسم بفرشاة سحریة علی لوحة فنیة ناطقة ،ترسم البساتین والحدائق والواحات الخضراء فی عقولهم وخیالهم وأذهانهم المتقاربة فی أوصافها ،أن ذلک التفاعل الحاصل بین القارئ والمستمع یزید من حیویة أهداف القصة وحکمتها وقدرتها علی التأثیر في اتخاذ القرارات الصائبة في حیاتهم ولاینسوا قط کل العبر والحکم التی ترسخت فی عقولهم مثل ما ینحت النحات علی الصخور .

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

*