أنا مثقف الأهواز
الرئيسية » قسم الکاتب الأهوازي » احمد العتيقي » الفســــــاد والبیـــئة/احمــد العتیقــي

الفســــــاد والبیـــئة/احمــد العتیقــي

﴿وَإِذَا تَوَلَّىٰ سَعَىٰ فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾

الأغلـب منّـا یظـنُّ أنّ الفسـاد یـرتبـط بـالـزنـا فقـط و الحقیقـة أنّ الـزنـا احـد الأفعـال التـي یعبّـر عنهـا بـالفسـاد، فهـو يتضمّـن عـدّة أفعـال فـي أمـور شتّـى ومضمـون هـذه الأفعـال يشتمـل علـى كـلّ عمـلٍ ينـافـي العفّـة والأعـراف والطبيعـة التـي أراد لهـا الله أن تجـري وفـق بـرمجـة إلهيـة لتخـدم الإنسـان ، بمعنـي أخـر تغييـر وجـوه الأمـورمـن الحـالـة النـافعـة و السلیمـة إلـی حـالـة ضـارّة وغیـر صحیحـة ، فـالفسـاد یعنـي الخـراب والـدمـار .

الکـائنـات لهـا قـانـون و مسـار تجـري وفقـاً علیـه و مـن ضمـنها الأرض التـي نعیـش علیهـا و قـد خلقهـا الله لـلإنسـان ذلـولاً لیستخـدم کـل مـا علیهـا بصـورة صحیحـة حتّـی تصبـح نـافعـة غیـر ضـارّة فـإن حـاول أحـدهـم أن يحـرفهـا عـن بـرمجتهـا التـي قـدّرهـا الله لهـا ، فسـوف تعطـي نتـائجـاً عكسيـة وربّمـا تصبـح كـارثـة بـدل أن تكـون نعمـة فـي الحيـاة وهـذا هـو الفسـاد الـذي يـدمـر الحيـاة والحـرث والنسـل والكـرة الأرضيـة إن تـوسّعـت بـؤر هـذا الفسـاد والتـدميـر .
فبسبـب القـانـون الإلهـي الـدقیـق خلقـت الکـائنـات لتکـون نـافعـة وإذا دخـل فـي قـوانیـن الطبیعـة قـانـونـاً آخـر سیصبـح فسـاداً کمـا ذکـره القـرآن فـي هـذا البـاب :

﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾

ومـا أجمـل القـرآن ومـا أبلغـه حيـث ذكـر إهـلاك الحـرث والنسـل متتـابعـان فـي بيـان معنـى الفسـاد ؛ فـالحـرث يشتمـل علـى كـل نبـات وشجـر قـد اكتسـب حيـاتـه مـن العنـاصـر الثـلاثـة (الهـواء ،المـاء والتـراب) حتّـی ينبـت فـي الأرض ويخضـرّ ويـورق فمنـه مـن يعطـي الثمـر ليـأكلـه الإنسـان و منـه مـن وجـد لـرعـي الـدواب .

﴿ وَفَاكِهَةً وَأَبًّا مَّتَاعًا لَّكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ ﴾

ومنـه مـن يستظـلّ بـه النـاس أو يستعينـون بـه فـي مـلابسهـم أو يـوقـدون فيـه النـار ليستفيـدوا مـن نـورهـا وحـرارتهـا وكــلّ هـذه الأمـور تـدرّ نفعـاّ لـلإنسـان والحيـاة .

وأمّـا النسـل فيشتمـل علـى كـلّ دابّـة تمشـي علـى الأرض مـن الإنسـان والـدواب البـريّـة والطيـور والحيـوانـات المـائيـة و…
فكلهـا تسمّـى حيـوانـات أي ذات حيـاة وأرواح ،فـالقـرآن الكـريـم جمـع بيـن كـلّ مـوجـود حـي مـن نبـات أودواب فـي قـولـه (الحـرث والنسـل ).

ولكـن فـي عـدة مـوارد يستثنـي القـرآن الحكيـم بعـض الحيـوانـات ليجيـز لـلإنسـان أن يستفيـد مـن لحـومهـا وجلـودهـا وظهـورهـا.

﴿ اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَنْعَامَ لِتَرْكَبُوا مِنْهَا وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾

وكـذلـك لـم ينـه الإنسـان عـن حـرق بعـض الأشجـار ليـوري النـار .

﴿أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُون أَأَنتُمْ أَنشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنشِؤُونَ﴾

ولكـن هـذا الأذن لايعنـي الإنفـلات والأفـراط فـي قتـل الـدواب والأنعـام وقطـع الأشجـار وحـرقهـا ،إنّمـا بمقـدار مـا يحتـاجـه الإنسـان وذلـك فـي بـاب تـزاحـم المهـم والأهـم ولا يحـقّ لـلإنسـان أن يتجـاوز علـى الطبيعـة التـي هـي مـن سنـن الله وحـدوده.

فمتـی یصبـح العبـث فـي الطبیعـة یسمّـی فسـاداً وکیـف؟؟
عنـدمـا یقـوم أحـدهـم أو فئـة خـاصـة بـالسعـي فـي تغییـر مجـری سنـن الحیـاة فـي الطبیعـة وذلـك لتصبـح الطبیعـة بخـدمـة منـافعـهم الخـاصـة ویغضّـوا النظـر عـن المنـافـع العـامـة فیـدمـرون مـا أراد لـه الله أن یکـون عـامـراً کمـا کـان عبـر التـاریـخ لیعمّـروا حسـب فهـمهـم الخـاطـئ دیـارهـم متنـاسیـن أن الطبیعـة لاتقبـل ذلـك لأنهـا تجـري حسـب القـانـون الطبیعـي الـذي أراده الله لهـا ،فهـذه الأعمـال لايختلـف عليهـا أثنيـن مـن إنهـا ضمـن دائـرة الفسـاد الـذي حـذرنـا الله منـه بـل هـو أخطـر أنـواع الفسـاد لأنـهم یفسـدون فـي أرضٍ أراد الله منهـا أن تخـدمهـم وأراد منهـم أن یحـافظـوا علیهـا :

﴿الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ﴾

فـالأسـراف فـي صیـد الحیـوانـات والطیـور و الأسمـاك فسـاد ،و الأکثـار فـي قطـع الأشجـار وإبـادتهـا أیضـاً فسـاد ،فکـأنّ الله خلـق الأرض ومـا علیهـا مـن جبـالٍ و أنهـار و سهـول وبحـار علـی هیئـة الصـلاح فـي کـلّ أمـورهـا ولـو تـأملتهـا لـوجـدتهـا علـی أحسـن أستقـامـة وبـرمجـة :

﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾

ولکـنّ الأنسـان مـن یقـوم بفسـادهـا عنـدمـا تتنـاولـه یـده لیغیّـر مجـراه إلـی منفعـته الخـاصّـة وكـأن الأرض خلقها الخالق عز وجل علـى آفضـل هيئـة فـي كـلّ شـيء لكـنّ الانسـان يفسـدهـا بتـدخلـه فـي أمـورها ،وهـذا لایعنـي النهـي بتـاتـاً بـأن لا یتـدخّـل الأنسـان فـي الکـون ،إنّمـا علیـه أن یتـدخـل بـالصـلاح والأصـلاح زیـادة وإن لـم یقـدر أن یتـدخـل فـي الأصـلاح علـی الأقـل أن یتـرکـه علـی الحـالـة التـي خلقـها الله علیـها وإن تـدخـل عکـس مـا أراد الله فقـد دخـل فـي دانـرة الفسـاد .

مثـال علـی هـذا الفسـاد نـذکـر کـارثـة تلـوث البیئـة التـي تـواجههـا الأنسـانیـة وأصبحـت معضـلاً لایجـدون لـه حـلاً منـاسبـاً وذلـك لأنهـم قـامـوا بصنـع أنـواع المصـانـع واستخـرجـوا المـواد الحـارقـة والسـامّـة مـن جـوف الأرض لتحـرّك مصـانعهـم متغـافلیـن مـا سـوف تسبّبـه تلـك المـواد المستخـدمـة فـأصبحـت وبـالاً علـی البشـریـة کلّهـا وتسبّـبت فـي الأحتبـاس الحـراري والنتیجـة : حـرارة مـرتفعـة فـي الصیـف و قلّـة أمطـار فـي الشتـاء وکـذلـك أنتشـار أنـواع الأمـراض التنفسیـة والـداخلیـة ،ومثـال آخـر لعبـث الأنسـان فـي البیئـة هـو أستخـدام المـواد الکیمیـاویـة فـي الـزراعـة والـدواجـن حتّـی تـزیـد فـي الأنتـاج الـزراعـي وزیـادة فـي کمیّـة اللحـوم المعـروضـة فـي الأسـواق حيـث تسبّبـت بتسمّـم الـزرع واللحـوم الحيـوانیـة ومـن ثـمّ الانسـان وحتـى المـاء والتـربة والهـواء لـدرجـة انـك تستطيـع القـول بـأنّ الأنسـان بیـده صـار عـدواً للطبيعـة التـي خلقهـا الله .

ومـن أخطـر الفسـاد فـي البیئـة هـو احتکـار المـاء أو تغییـر مسـراه حیـث کـان عبـر مئـات أو ربّمـا آلاف السنیـن یجـري فـي أنهـرٍ قـد ألفتـه سکـانهـا علـی طـول مجـراهـا وصـار جـزءاً لا یتجـزأ مـن تکـویـنهم وقـد نبتـت علیـه أنـواع مـن الأشجـار ونمـت بـه أسمـاکـاً وطیـوراً خـاصـة بتلـك المنـاطـق وخیـر دلیـل علـی ذلـك نـذکـر الأنهـر التـي تجـري فـي أقلیـم الأهـواز عبـر العصـور وعـاش أهـالـي الأهـواز علـی خیـراتهـا وتصـدوا لکـل الطـامعیـن لهـا وأحیـوهـا بحفـرهـم لهـا بـأدواتٍ بسیطـة وابتـدائیـة کلمـا أرادت رمـال الجفـاف أن تطمس مجـراهـا وزرعـوا النخیـل علـی ضفـافهـا نظـراً لمسـاعـدة تـربـة أراضیهـم وتـلائـم المنـاخ لهـذه المنـاطـق لمسـاعـدة أنتـاج النخیـل فیهـا ، حتّـی أصبحـت النخلـة رمـزاً لعـروبـة أهلهـا وفـي نهـایـة مصـب تلـك الأنهـر تکـونـت الأهـوار واتسعـت حتّـی صـارت عـالمیـة لمـا تضـم أنـواعـاً مـن الطیـور المهـاجـرة لهـا فـي الشتـاء عنـدمـا تتجمـد الأنهـر فـي بقیـة بقـاع الأرض مـن القطـب الشمـالـي و الجنـوبـي فصـارت مـوضـع أهتمـام علمـاء البیئـة فـي کـل العـالـم ولـم تختـصّ بمنطقـة أهـالیهـا فحسـب إنمـا ملکـاً عـامّـاً عـالمیّـاً .

فمـا بـالـك بـاللـذیـن سعـوا ومـازالـوا یسعـون بتجفیـف میـاه تلـك الأنهـار لیغیّـروا مجـری میـاههـا نحـو بـلادٍ أخـری أراد الله لهـا أن تکـون صحـاري ضمـن تقسیـم الأرض إلـی سهـول وجبـال و صحـاري و ودیـان ضمـن قَـانون التعـدد واختـلاف الأمـاکـن وکـل مکـان وکـل بقعـة علـی وجـه الأرض لهـا خصـوصیـاتهـا ومـزایـاهـا دون غیـرهـا ، فمـاذا یتـوقعـون مـن نتیجـة لهـذا العبـث فـي البیئـة و سنـن الطبیعـة التـي سنّهـا الله ؟

بـالتـأکیـد لا نتـوقـع إلا کـارثـة لایستطیعـون مـداراتهـا أو التصـدي لهـا ومـن ضمـن تلـك الکـوارث هـذا التـراب الـذي یغـزي أراضینـا لیخنـق أنفـاسنـا ویتسبّـب فـي أنتشـار أنـواع المـرض الخطیـر، فهـو أحـد الـوبـاء الـذي حصلنـا علیـه نتیجـة جهـل هـؤلاء و أنـانیتهـم عنـدمـا غضّـوا الأبصـار عـن سـلامـة ومنـافـع غیـرهـم وفکّـروا فـي أحیـاء صحـاریهـم فـاستکثـروا میـاه أنهـر الأهـواز علـی أهلهـا وکـأن هـذا الشعـب لایستحـق إلا الفنـاء و الأمـراض وسـوء المعیشـة والفقـر و البطـالـة وهـم مـن یستحـق النعیـم فـي العیـش والـرفـاهیـة والأزدهـار !!

فـالمشتکـی لله وحـده حیـث غیـروا سنـن الطبیعـة التـي خلقهـا وحـاربـوا الله فـي محـاربتهـم لهـا ،فهـو الشـاهـد علـی کـلّ ظلـم یقـع علـی خلقـه ، ومـاذا نقـول لأصحـاب القـرار بعـد غیـاب الضمیـر وأصبـحت قضیـة میـاهنـا مجـرد دعـایـة أنتخـابیـة لمـن یـریـد أن یکسـب رأي البـؤسـاء المغلـوبیـن علـی أمـرهـم لیصـل إلـی کـرسـي القـدرة، مستفیـداً لظـرفـهم المـزري بعـدمـا فقـدوا کـل أراضیهـم ونخیلهـم ومعیشتهـم وضـاقـت بهـم الأسبـاب فصـار العیـش فـي هـذه الأرضـي شـيء شبـه مستحیـل بعـدمـا کـانـت قطعـة مـن الجنـان علـی أرض الله ، فهـم بیـن خیـاریـن أحـلاهمـا بطعـم العلقـم أو السـم القـاتـل ، فـأمّـا أن یتـرکـوا أراضیهـم التـي تشکـل هـویّتهـم ومـوطنهـم أو أن یـرضـوا بضیـق العیـش وهـم ینظـرون بسـرقـة خیـراتهـم وتغییـر مجـری میـاههـم الـرقـراقـة فـأصبحـوا یشتـرون حتّـی میـاه شـربهـم بعـدمـا کـانـوا یمتلکـون أعظـم أنهـر فـي الـوطـن ( کـارون والجـراحـي والکـرخـة ) فـأصبحـت هـذه الأنهـر مجـرد رسـم علـی الخـارطـة ویتسلّـون فـي ذکـرهـا علـی صفحـات التـاریـخ بـأنّ کـارون هـو النهـر الـوحیـد ذو المیـاه العـذبـة قـابـل لمـلاحـة السفـن العمـلاقـة حیـث تستطیـع الأبحـار فیـه لکثـرة میـاهـه، ولکـن نـذکـّر مـن فعلـوا هـذه الفعلـة الشنیعـة وخطّطـوا لهـا ولـم یهتمّـوا بنـداء الشعـب ومـا زالـوا مستمـریـن بـأنتهـاك حقـوق النـاس والطبیعـة بقـولـه تعـالـی:

﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ﴾

بقـلــــــمـ:
احمــــ العتیقـي ــــــد

تعليق واحد

  1. جميل كالعادة أستاذنا الغالي احمد العتيقي

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

*