أنا مثقف الأهواز
الرئيسية » القسم الأدبي » الشعر الشعبي » رمزیة (الوردة) في الشعر الشعبي الأهوازي/دکتور رسول بلاوي

رمزیة (الوردة) في الشعر الشعبي الأهوازي/دکتور رسول بلاوي

 

 

الوردة في معظم الثقافات تدلّ علی الجمال والرقّة واللطافة. ومنذ الأزل تمتّع بها الإنسان والطيور والفراشات والنحل. وقد اتّخذت الورود بين الناس مکانة مرموقة حيث يتبادلونها في المناسبات کرمزٍ للحب والاحترام، کما جسّدت هذه الورود رمزيّة الإنسان في تعامله مع جمال الطبيعة وتجلّي ابداع الخالق فيها.
الوردة دليلٌ على الحبّ وآية على الهيام ووسيلة إلى التهادي بين المحبيّن ولاسيما عند الشعراء الرومانسيين حيث كانت البساتين مرتعاً خصباً لخيالهم. الشاعر يناجي الوردة ويلوذ بها للبوح والتعبير عن مكنونات قلبه وجوارحه. وإنّنا عندما نلاحظ استخدام الورود في القصائد الشعريّة، «نلامس جوهر التعبير عن جماليّة المعنى الكامن في مفردة الشاعر ورمزيّته التركيبية للوصولِ إلى صهوة الجمال المقتبس من الطبيعة التي هي المثال الأسمى للجمال بما تحتويه من شجرٍ وزهرٍ وطيرٍ وماءٍ وريح» (عبدالعال، 2015م، موقع القدس العربي).
لقد وجد الشعراء الشعبيون في الأهواز طاقات دلاليّة في “الورد” للتعبير عن مقاصدهم وأفکارهم، فعکفوا علی استخدامها في قصائدهم:

اشگد غميج اگواش هجرك ونته يالهجرك غميج .
ونته بيديك اليحملن ريحه ونعومه و ترافه امن الورد .
انكت اتراب الگعد بسنيني مو دنيه برد . (عباس الكوتي)

استخدم هذا الشاعر لفظة “الورد” في مقام الحديث عن الهجران والفراق؛ فأخذ يخاطب الحبيب ويطلب منه أن يزيل التراب المتراکم عليه طوال هذه السنين. وفي هذا السياق، (الورد) رمزٌ للترافة والطراوة والنعومة، ويدلّ على نقاء النفس وصفاء الطوية، فهذا الحبيب الذي يتمتّع بکلّ هذه الصفات الحسنة لا تليق به المقاطعة، فالأحری أن يعود ويزيل تراب الهجران بيديه التي تحمل کلّ صفات الورد.

ما ظنّیت
ایزعلك صوت بلبل
عایش امن اسنین ایغرد فوگ متنك
ما ظنّیت
ایزعجك حچی الوردة (مسعود الفيصلي)

تحوّلت الوردة في هذا المقبوس إلی إنسان بکلّ کيانه وجوارحه، إنسان يحمل صفات الوردة ببراءتها ورقّتها. الشاعر في هذه القصيدة يخاطب الصبح، فيستفتح نصّه بهذا التعبير: (عفواً یا صبح ما نیتی اطشك لیل)؛ فالصبح بعظمته وهيمنته يزعل من صوت البلبل وينزعج من کلام الوردة، وهذا ما يلفت انتباه واستغراب الشاعر؛ لأنّ البلبل والوردة يمثّلان الوداعة والبراءة.

ﺧﺠﻞ ﺯﻟﻔﮏ یهرش ﺍﻟﺮﻭﺡ…
ﻇﻢ ﺭﻭﺣﻪ ﻭﺭﻩ الشیله
ﻧﮕﻠﺖ ایام ﻋﺸﺮﺗﻨﻪ وتمشیت

ابفریج ﺍﻟﺒﯽ ﺗﺮﺑﺖ ﻭﺭﺩﺗﯽ
ﺍﻟﺤﻤﺮﻩ (محمد رسن)

الوردة الحمراء في لونها وسحرها وجاذبيتها وهي تبدو وسط المروج الخضراء تبهر العين وتسحر القلب. وفي هذا المقبوس عبّر الشاعر عن عزّته المشفوعة بالزهو والاعتداد. وربما جاء الشاعر بهذه الوردة الحمراء التي ترمز للجمال والجاذبيّة، ليكمّل الجوهر في التعبير الشعريّ عن رمزيّة الدم والأرض والبزوغ من رحم الحياة إلى حياةٍ أخرى، ملأى بالأصالة والإباء الإنسانيّ.
يقول الشاعر العموري:

مو كلشی التدفنه امنل حیات ایموت
الورد لوما یدفنونه ولا ورد (علي العموري)

يرمز الورد هنا للوفاء وللتجدّد والإنبعاث من جديدٍ، فدفن الورد لا يعني موته وفناءه وانعدامه، بل يکتسب بذلک حياة جديدة وازدهار.
وأحياناً توحي “الورود” بالموت في سياق الحديث عن الحزن والخوف والألم، فقد جاء في قصيدة صالح الناصري:

ابدیرتی مارید اضلن…
امس شیعنه الربیع، وفاح عطر امنل ورود ابكل كتر تشییعه،
العام مشطنه حلمنه وهسه جینه انبییعه… (صالح الناصري)

الوردة عادةً تقيم علاقة حميمةً مع الربيع، فقد يفوح عطرها في الربيع ويملأ أرجاء المكان لتدلّ على وجودها وألقها العابق بسحرٍ خفيّ. وفي هذا السياق المحزن والأليم، لم تفقد الورود دلالاتها الرمزيّة، فمازال يفوح عطرها أثناء تشييع الربيع. وفي هذا السياق تقول الشاعر بن يباره:

یمته جای
كسّروا فیّ السنابل
و وشّروهن بالحقد كل المناجل
سدّوا ابواب الحدیقه وامروا
العصفور لازم ینحبس
وشنقوا الفلاح بحچایة همس
وشتلوا الخرنوب بعیون الورد
و الورد مذبوح بچفوف البرد
والربیع اختنگ ماجر النفس (زهراء بن يباره)

هذه القصيدة تصوّر النزعة التشاؤمية أصدق تصوير وتعتبر الحياة خطة من الظلام مروعة. وقد جسّدت الشاعرة أبشع أنواع الظلم والعدوان علی الأبرياء العزّل حيث تعرّض العصفور والفلاح والورد والربيع إلی الحبس والشنق والذبح والخنق، ولا يخفی أنّ هذه الشخوص کلّها ترمز للبراءة والوديعة وتمثّل الجمال بکافة مستوياته. ومن خلال هذا النص يراودُنا وجه الموت وما يحتويه من قلقٍ وخوفٍ في ملحمة الوجود والرحيل.
وقد أصبح الورد مزعجاً للشاعر الغرابي:
وماحب الورد وامن اسمه اضوجن حیل
وسكرت الخشم علا یشم عطره
موحتی الوردهم رافگ التبعیض
وببیوت الملوك امبسط ابزهره
ابگد فرحت یتیم الورد عمره ازغیر
مو حیف ابمذله ایگضی كل عمره (سيد ابراهيم الغرابي)

أصبح الورد عند هذا الشاعر مزعجاً وغير موغوب فيه رغم اعترافه بعلو شأنه ومقامه. فيقول لا أحبّ الورد مطلقاً، وحتی أنزعج من اسمه ومن استنشاقه، لأنه یمارس التبعیض بتواجده فی بیوت الملوک

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

*