أنا مثقف الأهواز
الرئيسية » القسم الأجتماعي » مقالات أهوازیة » عُــروُبَـتُنـَا والهــويّـة/ احمــد العتيقـي

عُــروُبَـتُنـَا والهــويّـة/ احمــد العتيقـي

﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُم إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾

عنـدمـا ننظـر لـوسعـة الكـون ونتطلّـع فـي مجـراتـه وكـواكبـه التـي تـوصّـل لهـا الإنسـان بسلطـانٍ ومـا نشـاهـده بعيـن البصيـرة مـن الطبيعـة وألـوانهـا المختلفـة والنظـام الكـونـي الـذي تمّـت بـرمجتـه بـإبـداعٍ مثـل طلـوع الشمـس والقمـر والنجـوم أو اختـلاف الأشجـار وأثمـارهـا وحتّـى نصـل إلـى خلقـة الإنسـان ومهمّـة أعضـاءه ،نـلاحـظ نظـامـاً بمنتهـى الـدقّـة ولايستـوعبهـا الفكـر والخيـال، فهـذه مشيئـة الله وإرادتـه فـي تكـوينـه للسّمـوات والأرض ومـا بينهُـنّ حيـث جعـل لكـلّ شيء قـدراً ،بنظـامٍ كـونـيّ لا نظيـر لـهُ فـي دقّتـه لا يختلـف أو يصطـدم ببعضـه بـالـرغـم مـن هـذا التـزاحـم ولـن يغيـب عـن علمـه أبسـط الأمـور وأقصـى الأشيـاء وأصغـرهـا.

الله الـذي أحـدث الكـون بـلا حـدٍّ وحـدود ضيّقـة ،فـاحتـوت قـدرتـه عليـه فـي تـدبيـره وتنسيقـه، بـإرادتـه الإلهيـة السـرمـديـة الأزليـة الأبـديـة التـي لا يشـاركـه فـيها أحـد ،هـو القـادر المبـدع المهيمـن الـذي شمـلت هيمنتـهُ علـى كـلّ شـيء ويـرصـد حـركـة كـلّ حـيّ .وأحـدث قـانـون التطـويـر والتغييـر وجعـل للنـاس سلطـانـاّ أن ينفـذوا مـن أقطـار السمـوات والأرض ومكّنـهم فـي الأرض جعلهـم شعـوبـاً وقبـائـل .

﴿وَمَا تَسقِطُ مِن وَرَقَةٍ إلّا يَعلَمُهَا﴾

فـي غایة الدقّـة والعلـم والإحـاطة بالأمـور والتـدبيـر ،ومـن ضمـن هـذا الكـون العظيـم خلـق الإنسـان وجعلـه خليفتـهُ فـي أرضـه وأكـرمـهُ وفضّلـه علـى سـائـر الخلـق وجعـل لهـذا الكـائـن سلـوكـاً ومنهـجـاً اجتمـاعيّاً خـاضعاً لإرادة الخـالق .

﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾

ربّمـا فـي أمـور كثيـرة يخطـر بـأذهـانكـم لمـاذا هـذا الاختـلاف والتعـدّد بالثقـافـات والألـوان والألسـن والأرزاق وتشعّـب النّـاس إلـى شعـوب متعـددة ؟

كـلّ هـذا الاختـلاف والتعـدّد هـو مـن الطـاف الله لعبـاده حتّـى لا تتـوقّـف المسيـرة الإنسـانيـة بـالحيـاة ،ولكـن عنـدمـا نتمعّـن فـي الأبحـاث والـدراسـات التـي دوّنـها المتخصّصون فـي علـم الحضـارات وآثـار الأمم البـالية ،نلاحـظ دائمـاً تغلّـب وطغيـان العنصـريـة ذات الطـابـع السلبـي علـى المسـاوات فـي الحقـوق الأسـاسيـة التـي هـيَ حـقّ كـلّ إنسـان كـرّمـه الله فـي آدميّتـه .

﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِِيلا﴾

وأهـم الأسبـاب لهـذا التمييـز العنصـري الـذي ينتهـي للتهميـش والأستعبـاد ،نـاتـج عـن ضيـق النظـر لرؤيتهـم للحيـاة وصغـر العقـول والفهـم الخـاطـئ لفلسفـة الحيـاة ومعنـاهـا ،فمـن أجـل ذلـك نـلاحـظ أنّ معظـم الحضـارات البشـرية تسيـر ضمـن حـدودٍ ضيّقـة الفكـر ،ضعيفـة الإستـدلال بتحليلهـا المـادي والـرأسمـالـي كـاللّـون وفصيلـة الـدّم وجغـرافيـة الشعـوب وغيـرهـا ،فهـذه أسـس فكـريـة غيـر شـاملـة لكـل مـا تحتـويـه الحيـاة فـإذا اهتمّـت بـالـراحـة النفسيـة، أهملـت بقيـة المجـالات العلمـية والجسـديـة ونتيجـة هـذا الإهمـال سيكـون الكسـاد والتخلّـف فـي دينـاميكيّـة العمـل والإكتشـاف والابتكـار والتطـور، وكـذلـك إذا ركّـزت اهتمـامهـا فـي المجـال الجسـدي والمـادي ،ستهمـل الأبعـاد الإنسـانيـة الـذاتيـة والخُلـقيه والسلـوكيـة ونتيجـة هـذا الإهمـال سينعكـس فـي رجعيـة السمـو الـذاتـي والـوجـدانـي وتفشّـي الجـرائـم والاضطهـاد والقتـل والظلـم و.. وهكـذا تصبـح الإنسـانيـة فـي خبـر كـان وتنـدثـر بيـن اهتمـام بمجـالٍ، وإهمـال لجـانـبٍ آخـر ، بينمـا الحضـارة التـي أرادهـا الله لنـا وبيّنهـا بخطـاب الأنبيـاء جـآءت تحمـل في طيّـاتهـا ومفـاهيمهـا أسـس السعـادة للحيـاة لأنّهـا مفتـوحـة الـحدود حيـث لا تحـدّها حدود التمييـز والعنصـريـة والإفـراط فـي تقـديـس القـوميـة بضيقـة مـن النفـس ثـم تقيّـدهـا بقيـود القـوميـة والمعتقـدات الـدينيـة العنصـرية أو التمييـز الطبقـي بالمجتمعـات الرأسمـالية ،نـافيـة كـلّ التمييـز العنصـري ،مشتملـة الآفـاق ،ممتـدّة الأرجـاء، مهتمّـة بكـلّ المجـالات للحيـاة الكـريمة والتقـدّم والإزدهـار فـي أركـانـها
وركـائـزهـا الخُلقيّـة والمعنـويـة وكـذلـك الجسـديـة والمـاديـة.

الله الـذي نفـخ مـن روحـه فـي ذات الإنسـان بعـد خلقـه، بالتـأكيد أراد لـه أن يـرتقـي فـي مجـالات التقـدّم والسمـو بـالفطـرة التـي فطـر النّـاس عليهـا وأسنـدهـا بمجمـوعـة مـن القـوانيـن التعبـديّـة لتـزكيـة النّفـس والـذات والاجتمـاعيـة لحفـظ مكـانـة الإنسـان حيـث لا تسمـح بسحـق كـرامتـه ومـن ضمـن هـذه القـوانيـن تقسيـم النّـاس إلـى قبـائـل وشعـوب وأمـم ذات سلـوك وتقـاليـد ولغـة تختلـف كـلّ أمّـةٍ عـن الأخـرى ويمتـاز كـلّ شعـبٍ عـن غيـره فـي أمـورٍ كثيـرة ،مثـل اللّسـان واللّـون والعـادات والـديـانـات وبعـض السلـوكيّـات الاجتمـاعيـة .

﴿وَمِنْ آَيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِلْعَالِمِين ﴾

لنعـود إلـى الآيـة التـي ابتـدأنـا بـه بحثنـا لنـرى الهـدف مـن تقسيـم المجتمع الإنسـانـي إلـى شعـوب وقبـائـل مختلفـة الثقـافـة ،ونـلاحـظ أجـابـة القـرآن علـى هـذا الإستفسـار بكلمـة “لِتَعَارَفُوا” أن هـذه العبـارة لـو تمعّنـا بهـا نجـدهـا تـريـد للإنسـان أن يطـوّر ثقـافتـه مـن خـلال لقـاح الأفكـار والثقـافـات المختلفـة ببعضهـا لتلـد فكـراً مطـوراً وثقـافـة تـدعـو لسعـادة الإنسـان ولكـنّ هـذا لا يعنـي أن نتـأثّـر بكـلّ مـا نـواجـه مـن ثقـافـاتٍ واخـلاقيـاتٍ وعـادات ربّمـا أغلبهـا تنـافـي الخلـق الإنسـانـي ،إنمـا أراد منّـا أن نطـوّر واقعنـا بـأختيـارنا لـلأفضـل والأكـرم مـن الثقـافـات الأخـرى ونـأخـذ مـا يفيـدنـا منهـا، وهـذا مـا طـوّر الحضـارة الإسـلاميـة فـي إزدهـارهـا عنـد الفتـوحـات العـديـدة حيـث أخـذوا مـا يلـزمهـم مـن مختلـف الأمـم لبنـاء حضـارتهـم وبـالفعـل بنـوا حضـارة فـريـدة لا مثيـل لهـا.

*الهـــويــة ومكـــوّنـاتهــا*

الهـويـة عبـارة عـن عـدة مـن السلـوكيات والتقـاليد والمعتقـدات وتشتـرك بظـواهـر اللّبـاس وممـارسـة الطقـوس بيـن أبنـاء المجتمـع حيـث يجمعهـم هـذا الإنتمـاء بهـذه المشتـركـات دون غيـرهم و أحيـانـاً تجتمـع بيـن عـدة أقطـار بسبـب وجـود العـديـد مـن المشتـركـات فتصبـح مجتمعـات ذات هـويـة واحـدة .

تنقسـم الهـويـة إلـى عـدة انـواع حسـب العـوامـل المشتـركـة ،مثـلاً الهـويـة القبليـة التـي تجمـع أفـراد القبيلـة الـواحـدة تحـت زعـامـة مـوحّـدة وعلـم ومسمّـى واحـد وهـذه الهـويـة يقـال لها (آل) أو (بني) مثـل الخـزرج و بنـي كعـب .

وأحيـانـاً تتمثـل الهـويـة بيـن افـراد مـدينـة أو محـافظـة وأقليـم أو ضمـن دوائـر سيـاسيـة وأرض ذات حـدود وسيـادة ،وهـذه تسمّـى الهـويـة الـوطنيـة

والهـويـة الـدينيـة وهـى أقصـى تـوسّـع للهـويـة حيـث تتمثـل بـالمشتـركـات الاعتقـاديـة والـدين والمـذهـب وكثيـراً مـا ركّـزت عليـها تعـاليـم السمـاء ولأنّهـا الحـلّ الأمثـل وألأنسـب لسعـادة الإنسـان وأرقُى السبُـل لتعـاضـد النـاس وتعـايشهـم .

بعـدمـا حلّـت بـالبشـريـة ظلمـات متعـدّدة وجعلتـه يتخبّـط بـالجهـل
وأضـاع سبيـل الهـداية للـوصـول إلـى العيـش الكـريـم بشـرف وعـزٍّ وأمـان فصـارت المجتمعـات البشـريـة تشبـه الغـابـة بقـوانينهـا حيـث يسحـق فيـه القـويُّ الضعيـف ،شـاء ربّـك أن يـرسـل نـوراً منيـراً وسـراجـاً وهّـاجـاً ليزيـح الظلمـة مـن الأرض فـأشـرقـت شمـس الإسـلام وجـاء ليغيّـر الشـرائـع الـزائفـة وأنبعثـت الحيـاة رويـداً فـي المجتمعـات الإنسـانيـة ،فكـوّن الـديـن مجتمعـاً متكـامـلاً تـربطهـم ببعضهـم رابطـة العقيـدة بعيـداً عـن التعصبـات المـزيّفـة وخيـر إشـارة لهـذا مـا قـام بـه النبـيّ الكـريـم(ص) فـي التـآخـي بيـن المسلميـن مـن المهـاجـريـن والأنصـار ،فكـانـت أقـوى رابطـة حيـث لـم تشهـد مثلهـا البشـريـة قـط ،فـأصبـح الأسـلام الـركـن القـويّ لهـذا البنـاء والـركيـزة المـوصـى بهـا مـن أجـل الإنتمـاء والتمسّـك بهـا بـدل غيـرهـا:

﴿وَاعتَصِموا بِحَبلِ اللَّهِ جَميعًا وَلا تَفَرَّقوا﴾

وأكّـد سيـد المـرسليـن النبـيّ الأكـرم صلّـى الله عليـه وآلـه وسلّـم مـراراً وتكـراراً بحـثّ المسلميـن للتـوجـه أكثـر حـول هـذه الـرابطـة :

(الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ مَثَلُ الْجَسَدِ؛ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى)

كمـا خلّـد التـأريـخ بـأعظـم مقـولـة لـلإمـام علـي عليـه السـلام ،رسمـت نهجـاً جـديـداً غيـر مسبـوق لتعـايـش النـاس حيـث لا يمكـن لأحـدٍ الخـروج مـن هـذه الـدائـرة المـوحـدة مـركـزهـا هـو استـراتيجيـة ذات الإنسـانيـة لتنتشـر بشعـاعٍ يـزرع الحـبّ والـرحمـة واللطـف حتّـى يتّسـع لجميـع البشـريـة لا يستثنـي أحـداً فيحكـم النسيـج الاجتمـاعـي فيفتـح المجـال للـرعيـة بتعـدّدهـا أن تتـواصـل بـالحـب :

(النّاسُ صنِفان إمّا أخٌ لكَ في الدّين أو نَظيرٌ لكَ في الخلق)

وأيضـاً هنـاك نـوع من الهـويـة وهـيَ الهـويـة القـوميـة والإنتمـاء العـرقـي ،تتشـابـه مـع الهـويـة القبليـة بـإنتمـاءهـا العـرقـي ولكـن بنطـاقٍ أوسـع حيـث تتعـارض مـع الهـويـة القبليـة فـي أكثـر الأحيـان ،وتسحقهـا أحيـانـاً عنـدمـا تـرى القبليـة حجـرة عثـر فـي سبيـل تـوحيـد القـوميـة لأنّهـا لا تـؤمِـن بكـلّ مـا يفتّـت كيـانهـا ويضعفـه فتـزيحـه مـن طـريقهـا .

نعـم ،،، هـيَ الهـويـّة التـي كثـر الحـديـث عنهـا بيـن منـاصـر و ومنـاهـض وبـالـرغـم مـن ذلـك فقـد نجحـت بـإسمهـا بعـض الحـركـات والثـورات مثـل ثـورة يـوليـو 1952 /الضبـاط الأحـرار فـي مصـر بقيـادة محمـد نجيـب وجمـال عبـدالنـاصـر وإلـى الآن مـازالـت الحـركـة النـاصـريـة الـداعيـة لتـوحيـد الأمـة العـربيـة ،قـائمـة وتحظـى بشعبيـة فـي أوسـاط الشـارع العـربـي وتحتـلّ بعـض الكـراسـي فـي البـرلمـان وبعـض المنـاصب فـي الـوزارات، وبـالمقـابـل فشلـت وانـدثـرت أخـرى وذلـك يتعلّـق بـالـوعـي الثقـافـي لتلـك الـزعـامـات والشعـوب ،فمنهـم مـن أحسـن الإنتمـاء لهـا ومنهـم مـن أسـاء لهـويتـه بـإفـراطـه فجعلهـا مسبّـة علـى الألسـن وصفحـات التـأريـخ مثـل النـازيـة بـزعـامـة هتلـر وكـذلـك الصهـاينـة مـن اليهـود (وكما تعلمون أن اليهودية قبل أن تكون ديانة ،هيَ عبارة عن إنتماء عرقي لأبناء النبي يعقوب “اسرائيل”) بـإفـراطهـم بـالقتـل والإبـادة فـي سبيـل أن يصلـوا غـايتهـم وهـيَ احتـلال الأرض المـوعـودة وبسـط نفـوذهـم وهيمنهـم علـى العـالـم بـأكملـه وبطشهـم بحـق أصحـاب الأرض والحـق ،فهـذه مـن أخطـر أنـواع الإفـراط بـالهـويـة القـوميـة عنـدمـا يـرون أنفسهـم شعـب الله المختـار .

﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾

لنـرى متـى تكـون الهـويـة القـوميـة نـافعـة لأبنـاءهـا ومشـرفـة لمـن ينتمـي لهـا؟

القـوميـة جـزء لايتجـزّأ مـن كيـان كـلّ فـرد وأسـاس الإنتمـاء والتقـارب لتصبـح هـويـة للمجتمـع يعتـزّ بهـا ومفخـرة البطـولات والإنجـازات حيـث يقتـل المـرء دونهـا ،ولا غنـىً عنهـا أبـداً ولكـن لا إفـراط ولا تفـريـط ويحتـم علـى الفـرد أن يحتـرم القـوميـات الأخـرى بجـانـب حبّـه لقـوميتـه كمـا يـريـد مـن الآخـريـن احتـرام قـوميتـه وعـدم التعـرض والطعـن بهـا ،أروع كلمـة فـي هـذا المقـام لـلإمـام الصـادق ( ع ) إذ يقـول :

( ليسَ مِن العصَبيَّة أن تحبّ قَومَك وَلكِن مِن العَصبيّة أن تَجعَل شِرار قَومكَ خَيرا مِن خَيار غَيرهم) .

فـي ذات كـلّ فـرد تـرسّخـت عشـق القـوميـة التـي ينتمـي لهـا وراسخـة متجـذّرة عنـد العـرب أكثـر مـن غيـرهـم وذلـك لإهتمـامهـم بـالقبيلـة والعشيـرة والقـوميـة التـي يتشعّبـون منهـا، فـلابـدّ أن نـدرك هـذا الأمـر بـأنّ أخطـر بـلاء يحـلّ بقـومٍ أو بـأمّـة مـن الأمـم، عنـدمـا تضيّـع حضـارتهـا ومـوروثهـا الاجتمـاعـي التـأريخـي وهـويّتهـا ،لأنّهـا أثمـن مـا تمتلكـه الأمـة ،فمهمـا تصـاب بـالعـديـد مـن الكـوارث والمحـن حيـث تجلـب لهـا الآلام والمعـانـاة أو تقـع تحـت وطئـة الأقـوى أثـر ظـروف خـاصـة فـي بـرهـة مـن الـزمـن ،إلاّ أنّ المجتمـع الـواعـي والعـارف لقيمـة هـويّتـه وحضـارتـه عليـه أن يـواجـه تلـك المحـن الّتـي تحـاول استفـزازه ليتخلّـى عـن هـويّتـه وحضـارتـه ،فعليًـه أن يتسلّـح بمعـرفـة تـأريـخ حضـارتـه وتكـن عنـده الفطنـة بمـا يحـاك حـواليـه ولكـنّ عنـدمـا تحـلّ بـأمّـة الفـوضـى والضيـاع بجهـل افـرادهـا تـأريخهـم وحضـارتهـم أو يتغـافـلون عـن ذاتهـا وهـويّتهـا ومقـوّمـاتها الاجتمـاعية فمـن الممكـن أن تفتّـت حضـارتهـا وتفتـك بهـويّتهـا وإن لـم تستنـد بـركيـزة ذات علـم وثقـافـة ،ستنهـزم هـذه الأمـة أشـرّ هـزيمـة وربّمـا سيُقضـي عليهـا نهـائيـاً .

والآن نتسـائـل بعـد معـرفتنـا عـن معنـى الهـويـة وانـواعهـا وأدركنـا بـأنّ كـلّ شعـب ينتمـي لجـذور تسمّـى القـوميـة …

-هـل تعـاليـم الـديـن والآيـات القرآنيـة تـرى لـلإنسـان هـويـة واحـدة أو هـويـات متعـددة؟

-هـل القـرآن ألغـى الهـويـات أم يعتـرف بهـا؟

-كيـف تتعـايـش القـوميـات المختلفـة جنبـاً إلـى جنـب فـي المجتمـع الـواحـد؟

الإنتمـاء إلـى الـوطـن تسمّـى الهـويـة الـوطنيـة ،فهـي عبـارة عـن ميثـاق وعهـد بيـن أبنـاء الـوطـن بكـافـة أطيـافـه وقـوميـاتـه للتعـايـش معـاً وبحقـوقٍ سـواسيـة بكـل المجـالات ،ولا فضـل لقـوميّـة علـى الأخـرى، نحـن نعيـش فـي وطـن يضـمّ كـافّـة الأطـراف والقـوميـات ،فكمـا علينـا واجبـات إتجـاه الـوطـن ،أيضـاً لنـا حقـوق كمـا لغيـرنـا تسمّـى بـالحقـوق الـوطنيـة أو مـبدأ المـواطنـة الـذي أقـرّهُ الـدستـور الأسـاسي فـي فصـولـه حيـث يـرغـم الـدولـة أن تقـف محـاديـة إتجـاه كـل القـوميـات وجميـع الأديـان والمـذاهب والألـوان والقـوميات.

الـدستـور أيضـاً يـرغـم الحكـومـة أن تعـدل بيـن أبنـاء الـوطـن فـي تـوزيـع الثـروة تـوزيعـاً عـادلاً مهمـا اختلفـت لغـاتهـم وأديـانهـم ومـذاهبهـم، لأنهـم مشتـركيـن فـي هـويـة واحـدة تسمّـى بـالهـوية الـوطنيـة حيـث هـي فـوق الهـويـة القـوميـة ولكـن لا يحـقّ لهـا أن تلغيهـا أو تسعـى بتهميشهـا أبـداً.

والآن يـأتـي دور أهـم سـؤال يطـرح نفسـه فـي العقـول المتـابعـة للمقـال بتمعّـن …

-أمن الممكـن أن يـوضَـع قـانـونـاً واحـداً يلـزم جميـع الأطيـاف والقـوميـات بتبعيّتـه ويـرغمهـم علـى ديـن واحـد ولغـة واحـدة وثقـافـة واحـدة ويسعـى لتهميـش بـاقـي المعتقـدات واللّغـات والثقـافـات الأخـرى؟

-وأي مـزيّـة لتلـك اللّغـة أو الثقـافـة أو القـوميـة حتّـى يلـزم سـائـر الأطيـاف بتبعيّتهـا؟

-هـل شـرّفهـا الله بـآيـة أم هـذه صيحـة تتبـع تلـك الصيحـات التـي نـادت ذات يـوم ؛نحـن شعـب الله المختـار وأبنـاء الله وأحبـائـه ؟!!

-هـل يجـوز نفـي هـذا القـانـون الإلهـي والقضـاء علـي هـذا التقسيـم المنظّـم والـدقيـق للمجتمعـات الإنسـانيـة ؟

– وهـل يجـوز طمـس وتهميـش هـويـة شعـبٍ لأنـه واقـع فـي دوائـر القـوى المهيمنـة علـى تلـك الشعـوب المغلـوبـة علـى أمـرهـا؟

– إذا كـان هـذا التمييـز والإختـلاف بيـن الشعـوب نـاتـج مـن مشيئـة الله وحـاشـا للّه أن يخطـأ فـي مشيئتـه التكـونيـة ،لمـاذا يـريـدون القضـاء علـى هـذه الظـاهـرة الاجتمـاعيـة التـي هـي مـن بـديـع خلـق الـرحمـن حيـث جعـل الاختـلاف فـي الألسـن والألـوان والقـدرات والأمـوال؟

– مـا يضـرهـم وجـود هـذه الشعـوب حيـث يحـقّ لهـم أن يهتمّـوا ويفتخـروا بـأمجـادهـم فـي مـاضيـهم ويكـرّسـوا حـاضـرهـم بمـا يستحقـون مـن مـآثـر مـاضيهـم.

– لمـاذا يمتـدّ هـذا التهميـش لينـال مـن الأسمـاء والتـواريـخ للمـدن والمـواقـع ويـزيـف صفحـات التـاريـخ ،فمـاهـو خطـر الأسمـاء القـديمـة للمـدن؟

هـذه وغيـرهـا مـن الأسئلـة نتـركهـا دون إجـابـة لتـأخـذ مكـانهـا فـي الصـدور الـواسعـة وعقـول الأحـرار المتنـورة وأصحـاب الضمـائـر الحيّـة والمنـاهضـة لـلإستبـداد والاضطهـاد .

بقلـــمـ:
احمـــ العتيقـي ـــد

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

*