أنا مثقف الأهواز
الرئيسية » القسم الأجتماعي » مقالات عربیة » ثنائية الاستبداد والفساد .. أثرها في إفشال التنمية

ثنائية الاستبداد والفساد .. أثرها في إفشال التنمية

  • بقلم: ماهر عابد
    من ميزات الدول التي تهيمن فيها السلطة الاستبدادية استشراء الفساد في مختلف مفاصلها، ونظراً لأنّ الفساد ينشأ ويترعرع في أدوات وبنى سلطة الاستبداد الفوقية، وبطانتها والموالين والمقربين منها،

 

تصبح العلاقة بين الفساد والاستبداد عضوية، ويصبح كل شخص أو هيئة أو فئة غير فاسدة عدواً لسلطة الفساد، التي تبني وتّولد شبكة أخطبوطية لحماية نفسها، وترويع من يتجرأ على انتقادها، ويصبح أي تغيير أو إصلاح بمثابة نافذة تهدد مصالح الفاسدين المحميين بآلة القمع السلطوية، التي تعمل على نشر ثقافة الفساد وتقديس السلطة التي تحميه، يساعدها في ذلك وسائل الإعلام التي تهيمن عليها، وأبواق بعض المثقفين وأصحاب الأقلام المأجورة, التي تصور الوضع الاجتماعي والاقتصادي والسياسي على أنّه في أفضل حال، فلا أزمات اقتصادية، ولا سياسية، أوثقافية. كما تمتاز المجتمعات التي تحكمها السلطات الاستبدادية بالركود والأزمات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، والتفاوت الكبير في توزيع الدخل. ووجود فئة طفيلية فاسدة قليلة تستحوذ على معظم الثروة من أراضٍ وعقارات وأموال، وثروات مع الجاه والنفوذ، وتتحالف مع السلطة السياسية التي تحول البلاد إلى مزارع خاصة بأفراد الحاشية ، بينما تعاني الغالبية من الحرمان والفقر فضلاً عن غياب مشاركتها السياسية, وهكذا مع تعمق الفجوة بين الأغنياء والفقراء، تغيب الحريات ، ويتدني وضع حقوق الإنسان وتنعدم الروح الإبداعية  الخلاقة وتنهار القيم الأصيلة لصالح قيم الانحطاط وتتدهور التنمية وتنكمش .

إن الحرية والتنمية مفهومان متصلان ومترابطان والتاريخ والواقع يثبتان إن التجارب التي يجري فيها الفصل بين الحرية والتنمية تنتهي بالفشل فهذان المفهومان يرسخان بعضهما البعض, إن غياب الحرية والرقابة والمشاركة الشعبية سيؤدي حتما إلى غياب العدالة وحكم القانون وهو الأمر الذي سيقود إلى تعزيز الإدارة السيئة والفساد, ففي ظل الأنظمة المستبدة تسود قيم الشخصانية والارتجال والتفرد والاستئثار من قبل الجماعة المتحكمة والمالكة للقرار السياسي, وتطغى على النظام نزعة المركزية الشديدة وتبهت سلطة القانون ونظم الرقابة والمساءلة وتتحول الفئة المستبِدة إلى هيئة فوق القانون وفوق الدستور ولا تسمح حتى بتوجيه النقد لها, وتلجأ لتثبيت سيطرتها إلى وسائل الاحتواء والترغيب والترهيب وتقاسم المكاسب والإقصاء والتهميش والقمع حسب الحالة التي تواجهها.

ب-  مشكلة البحث:

يعد الاستبداد السياسي وما يشمله من حرمان فئات المجتمع من عملية المشاركة السياسية وتهميش دورها في عملية صناعة القرار أحد أهم الروافد التي تصنع وتغذى الكثير من المشكلات التي يعانيها المجتمع وتحاول هذه الدراسة إلقاء الضوء على العلاقة المتبادلة بين الاستبداد السياسي والفساد  وتأثيرهما على التنمية بمفهومها الشامل.

حيث ستبحث الدراسة تفاعل الاستبداد والفساد اللذين يجعلان من الدولة وأجهزتها مجرد خدم ومنفذين لما يحقق مصالح الطبقة أو الفئة الحاكمة المستبدة الفاسدة .

ت –  أسئلة البحث:

السؤال المركزي الذي يدور محور البحث حوله هو: ما أثر الاستبداد والفساد كثنائية متلازمة في إفشال التنمية ؟

ث –  فرضية البحث:

تفترض الدراسة إن السبب الرئيسي لظهور الفساد في المجتمعات هو غياب الحرية واستبداد النظام السياسي, بحيث يتملك السلطة والنفوذ والمال ووسائل الإنتاج وسلطة القانون والسلطات التنفيذية والتشريعية والقوة الأمنية والعسكرية فهو يحوز جميع مصادر القوة في المجتمع. وفي ظل هذه الأجواء تغيب الشفافية والمحاسبة, ويزدهر الفساد بكل أشكاله وتنشأ عن ذلك ثقافة جديدة تقوم على النفعية والانتهازية والواسطة وعدم تكافؤ الفرص وغياب الإخلاص. وهذه الأجواء التي يخلقها الاستبداد والفساد تتكاملان معا لتطيحا بالتنمية في المجتمع.

  1. 1     المحور الأول  :   المفاهيم

1  . 1    مفهوم الاستبداد :

الاستبداد  لغة هو “غرور المرء برأيه والأنفة عن قبول النصيحة أو الاستقلال في الرأي وفي الحقوق المشتركة”[1]. كذلك نجد تعريفا آخر للاستبداد يسجله حسن حنفي وهو ” الحكم الذي لا توجد بينه وبين الأمة رابطة معينة معلومة مصونة بقانون, ولا عبرة فيه بيمين أو عهد أو دين أو تقوى أو حق وشرف أو عدالة ومقتضيات المصلحة العامة” [2] والاستبداد كمصطلح، استخدمه خلدون النقيب “للتفرقة بين الحاكم الذي يلتزم بالقانون قولا وفعلا، والحاكم الذي يكون قوله وفعله هو القانون” [3]. وقد يكون الحكم الاستبدادي فرديا أو حكم جماعة، ولكنه يتضمن في كلا الحالتين “الاحتكار الفعال لمصادر القوة والسلطة في المجتمع”[4] وتُبين ثناء عبد الله إن الاستبداد ” صفة لحكومة مطلقة العنان, تتصرف كما تشاء, وهو ضد الحرية ويسد أبواب المشاركة في إدارة شؤون الحياة. ويسمح الاستبداد بتوثيق العلاقة بين الدين والسياسة ورجال المال لاستبعاد وإقصاء الخارجين عن دائرتهم” .[5] ويوضح محمد هلال الخليفي مصطلح الاستبداد السياسي قائلا:  “عندما نصف الاستبداد بـ “السياسي” فإننا نعني به الانفراد بإدارة شؤون المجتمع السياسي من قبل فرد أو مجموعة أفراد دون بقية المواطنين. ويكتسب الاستبداد معناه السيئ في النفس ليس من صفة الانفراد وحدها، بل أيضا من كونه اغتصابا واحتكاراً لحق مشترك مع آخرين. فالاستبداد السياسي يفترض ابتداء وجود علاقة بين طرفين متساويين في الحقوق والواجبات العامة، ينفرد أحدهما (بالحقوق المشتركة= إدارة شؤون المجتمع السياسي) دون الآخر, فالسمة الجوهرية في الاستبداد هي “الانفراد دون وجه حق”[6].

1 . 1 . 1    الطغيان والدكتاتورية والشمولية أوجه عديدة للاستبداد    :

لقد عُرِِف الاستفراد بالسلطة والتحكم في رقاب الناس والاستئثار بخيراتهم في تاريخه بأسماء مختلفة ليس الاستبداد  إلا واحدا منها. وربما عُد مفهوم الطغيان من أقدم المفاهيم التي اختلطت بمفهوم الاستبداد، حيث استُخدما للإشارة إلى أنظمة الحكم التي تسرف في استخدام القوة في إدارة السلطة والسيطرة  السياسية التامة بوساطة حاكم فرد. ” الذين طغوا في البلاد فأكثروا فيها الفساد ” [7], ” اذهب إلى فرعون انه طغى ” [8]. وفي العصر الحديث أُستخدم مفهوم الدكتاتورية( كلمة أجنبية تعني الإملائية )  ليدل “على حالة سياسية معينة، تصبح فيها جميع السلطات بيد شخص واحد، يمارسها حسب مشيئته”[9]، ومن المفاهيم الحديثة التي تفيد معنى الاستبداد مفهوم الشمولية، وهو يتفق مع المفاهيم السابقة في سيطرة فرد أو مجموعة أفراد على الحكم، ويختلف عنها في أنه يسعى إلى صهر أفراد المجتمع في بوتقة أيديولوجية واحدة.”[10] والشمولية عموما تعني منهج حياة ثابت ويتم تطبيقه في كافة مناحي الحياة .

1 . 1 . 2   الدولة الاستبدادية :

يعرف معجم الفلسفة الدولة  الاستبدادية بأنها الدولة ” التي يهدر فيها مبدأ المشروعيّة وتشبع نهم طبقة حاكمة متغطرسة باغيّة”[11] ويوضح هيثم مناع مواصفات دولة الاستبداد حيث تتسم “ بتأميم السلطة التنفيذية للفضاء ين العام والخاص والسلطات التشريعية والقضائية والرابعة، واعتبار المال العام مزرعة خاصة لبطانة الحاكم، ورفض فكرة وحقوق المواطنة، وربط الدفاع عن حقوق الناس بالخارج والمؤامرة، والتعامل الأمني في كل القضايا السياسية والمدنية، وفرض سياسات اقتصادية واجتماعية من فوق يتخللها مكارم للحكام من وقت لآخر لا تغني عن فقر ولا تستجيب لحاجات التنمية، تجهيل المجتمع، اختزال مفهوم السيادة في طمأنة القوى الكبرى بأن مصالحها ومطالبها في قمة أجندة قمة السلطة”[12].أما منصف المرزوقي فيبين إن الدولة الاستبدادية تنطلق من مسلمات أساسية أهمها أن ” الإنسان لا عقلاني وان الطاعة والقوة هما الركائز الأساسية للنظام ومصدر الشرعية هو الحاكم المستبد والناس ليسوا سوى رعايا والحقوق منة من الدولة ” ولذلك يرتفع منسوب الظلم والعنف الاجتماعي ويتضخم نفوذ الأمن وينعدم التداول السلمي للسلطة وتصادر الحريات وتكون المؤسسات التمثيلية زائفة وهدفها هو خدمة الطبقة الحاكمة, وتكون فعالية المؤسسات عموما محدودة لان الولاء هو ما يتم اعتماده عند التوظيف وليس الكفاءة .[13]

 1 . 2   مفهوم الفساد :

الفساد في لسان العرب هو في (فسد) ضد صَلُحَ (والفساد) لغة البطلان، فيقال فسد الشيء أي بطُلَ واضمحل، ويأتي التعبير على معانٍ عدة بحسب موقعه. فهو (الجدب أو القحط) كما في قوله تعالى (ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون) (سورة الروم الآية41) أو (الطغيان والتجبر) كما في قوله تعالى (للذين لا يريدون علواً في الأرض ولا فساداً) (سورة القصص الآية83) .[14]

وقال الفيروز آبادي في “القاموس المحيط”: “فَسَد كعَصَرَ، والفساد: أخذ المال ظلماً، والمفسدة ضد المصلحة، وتفاسد القوم يعني تقاطعوا الأرحام [15].

ومن الواضح أن الفساد جاء في اللغة مقابلاً للصلاح، وأنه يفيد الخروج عن الاعتدال، وأن المفسدة ضد المصلحة .أما في الاصطلاح فهناك اتجاهات متعددة لتعريفه إلا أنها تتفق في كون الفساد يتضمن إساءة استعمال السلطة العامة أو الوظيفة العامة للكسب الخاص.

فيعرف على أنه:”استخدام النفوذ العام لتحقيق أرباح أو منافع خاصة. ويعرف أيضا على أنه سوء استخدام الموقع العام (الوظيفة العامة) من قبل مسئول للحصول على مصلحة خاصة لنفسه أو لعائلته أو مجموعته أو حزبه.[16] وتعرّف منظمة الشفافية(منظمة دولية غير حكومية تأسست عام 1993، ترصد الفساد في العالم ) الفساد بأنه “استغلال السلطة من أجل المنفعة الخاصة”.[17]

وتجدر الإشارة إلى تنوع مظاهر الفساد بشكل عام وتفرعه ضمن مجالات شملت مختلف مظاهر النشاط الإنساني، ومن هذه المجالات الفساد السياسي وتتمثل مظاهره بالحكم الشمولي الاستبدادي وفقدان الحرية، وغياب المشاركة، وانتشار المحسوبية  والفساد المالي والفساد الأخلاقي والفساد الإداري.

1 . 2 . 1   الاستبداد هو الفساد الأكبر :

السلطة أشبه بمورد عام تملكه الأمة بالتساوي بحيث لا يجوز لواحد استغلاله دون الآخرين أو حتى الجلوس منهم بمقام من يضطلع بدور تقسيم استغلاله عليهم والحكم بينهم ما لم يفوضوه هم برضاهم تفويضا مقيدا بكيفية ومحددا بمدة, ولا حجة بالقول انه قد مارس ذلك الدور بحكمة وقسم بينهم بالعدل مثلا  ما دام أن هذا الدور من الأساس ليس من حقه وهكذا نحكم بوجود الاستبداد عند وجود الاستئثار بالسلطة.  وفي هذه الحالة فالاستبداد من حيث هو نهب واستئثار بأعظم واكبر موارد الأمة أهمية ومصدر الموارد كلها وهي السلطة فهو بذلك الفساد الأكبر ومنبع كل فساد لأنه نهب واحتكار للسلطة التي هي مورد كل الموارد. ولسنا بحاجة للامساك بحالة تلبس فعلية مادية لنحكم بان ثمة فساد موجود.

 إن الاستبداد هو الفساد الأكبر  ومن ينهب ويحتكر مورد الأمة الأكبر ويستأثر به فذلك يكفيه فسادا حتى لو لم يتعداه لسواه –بافتراض أنه لم يتعد الاستئثار بالسلطة لسواها أصلا – لأن من لا يعف عن نهب السلطة فلن يعف عن موارد أخرى أقل أهمية وسيكون متمكنا من ذلك لغياب الرقباء والشركاء ولأن كل شيء تحت سيطرته.  عدا عن كل ذلك فثمة أمر مهم وهو انه لا يمكن للمستبد أن يحارب الفاسدين ما دام وجوده في السلطة بهذا الشكل وكمستبد هو بحد ذاته حالة فساد كبرى، وفاقد الشيء لا يعطيه, وثمة أمر آخر مهم هو أن الفساد بالنسبة لهكذا شكل من أشكال السلطة هو من مغذيات استمرارها وهو وقود حركتها وبقائها لذا فرعاية الفساد هي جزء من منهج الاستبداد,  فهو لا يمكن أن يبقى ما لم يفسد ويرع الفساد بكافة أشكاله حتى وان تظاهر بمحاربة حالات هنا وهناك لذر الرماد في العيون وكجزء من منهج الفساد ذاته ليس أكثر.[18]

 1 . 3    مفهوم التنمية :

برز مفهوم التنمية بصورة أساسية منذ الحرب العالمية الثانية، حيث استُخدم للدلالة على عملية إحداث مجموعة من التغيرات الجذرية في مجتمع معين, بهدف إكساب ذلك المجتمع القدرة على التطور الذاتي المستمر بمعدل يضمن التحسن المتزايد في نوعية الحياة لكل أفراده، بمعنى زيادة قدرة المجتمع على الاستجابة للحاجات الأساسية والحاجات المتزايدة لأعضائه, بالصورة التي تكفل زيادة درجات إشباع تلك الحاجات, عن طريق الترشيد المستمر لاستغلال الموارد الاقتصادية المتاحة، وحسن توزيع عائد ذلك الاستغلال. ثم تطور مفهوم التنمية لاحقاً ليرتبط بالعديد من الحقول المعرفية. فأصبح هناك التنمية الثقافية التي تسعى لرفع مستوى الثقافة في المجتمع وترقية الإنسان، وكذلك التنمية الاجتماعية التي تهدف إلى تطوير التفاعلات المجتمعية بين أطراف المجتمع: الفرد، الجماعة، المؤسسات الاجتماعية المختلفة، المنظمات الأهلية.[19]

ويشير محمد الرميحي إلى أن التنمية هي : خلق فرص حياة أفضل للأجيال القادمة,ودراسة علمية للإمكانيات المجتمعية، وتوظيفها التوظيف الأفضل للصالح العام. ويضيف قائلا انه يتبنى تعريفا أكثر شمولا وهو: ” إن للبشر، لمجرد كونهم بشر، حقا أصيلا في العيش الكريم، ماديا ومعنويا، جسدا ونفسا وروحا، وبهذا فان عملية التنمية تنشد توسيع خيارات البشر بما يمكنهم من تحقيق الغايات الإنسانية الأسمى، وهي الحرية، العدالة و الكرامة الإنسانية و الرفاه الإنساني. ولا يقتصر مفهوم (الرفاه) على التنعم المادي، بل يشمل الجوانب الإنسانية الكريمة مثل التمتع بالحرية واكتساب المعرفة، وتحقيق الذات، ولا يتأتى ذلك إلا بالمشاركة الفعالة في الاجتماع البشري”.[20] ومن المفاهيم المرتبطة بالتنمية مصطلح التنمية المستدامة وهو يرتكز على الموائمة بين المعيار الاقتصادي المتعلق بفعالية وكفاءة الإنتاج والمعيار الاجتماعي المتعلق بعدالة التوزيع ويؤكد على أهمية الإنسان وقيمته وكرامته وتطوير قدراته, كما يؤكد على أهمية النظام السياسي وتوفيره للحرية والمشاركة.[21]

2 المحور الثاني    ثنائية الاستبداد والفساد :

2 . 1   تلازم الاستبداد والفساد :

إن استقراء واقع الأمم والشعوب يوضح إن الاستبداد والفساد هما وجهان لعملة واحدة, و ما نجده من تأزم الواقع وفساده ما هو إلا انعكاس لصور الاستبداد والقمع ومصادرة للحريات الفكرية والمادية, فالفساد هو نتاج طبيعي للأنظمة للاستبدادية والقول المشهور أن السلطة المطلقة مفسدة مطلقة  قول يختصر الكثير، وهو يربط  بين الفساد وبين الاستبداد باعتباره البيئة الخصبة التي يترعرع وينشأ عنها الفساد بكافة أشكاله. و من المهم أن ندرك أن ” الاستبداد يتسلل  في حكم الأمة باقتناعات صور زائفة مضللة، ومن أهم ما يسهل مهمة قوى الاستبداد لإضفاء المشروعية على ممارسات إرهاب الأمة، والاستبداد بقراراتها وشئونها، هو ضعف وعي الجمهور الأمر الذي يدخل المجتمع في دوامةٍ مهلكةٍ، من ضعف الوعي، إلى استبداد السلطات الطاغية، ونمو المصالح الخاصة الفاسدة المفسدة, ليزيد الفساد من تمكين التسلط والطغيان والاستبداد، من رقاب الأمة ومقدراتها، وفرض الوصاية عليها؛ لتزداد الأمة ضعفاً وخنوعاً في وجدانها، وتجهيلاً في ثقافتها، وضعفاً في وعيها، وهكذا دواليك، ضعف وعيٍ يؤدي إلى استبداد، إلى فساد، إلى مزيد من التجهيل وضعف الوعي والخضوع والخنوع، إلى مزيدٍ من الاستبداد، ومزيدٍ من الفساد “[22]. والذي يجعل الفساد دائماً يرتبط بالاستبداد هو أن ” النظام الاستبدادي يصنع له أنصارا وأعواناً من الفاسدين الذين يعبدون الدنيا بكل ترفها. فيتخلون عن كل معاني الشرف والقيم الأخلاقية، ولا يهمهم سوى الحصول على الأموال التي تمكنهم من أن يمتعوا أنفسهم، وأن يحصلوا على كل أنواع اللذة.وهؤلاء الفاسدون المترفون هم أهم أعوان المستبدين في كل العصور، فهم يعيشون لأنفسهم ويتكبرون على شعوبهم ويسخرون من الشرفاء ويحتقرون الذين يتمسكون بالقيم والأخلاق ويضحون من أجل الوطن”[23].

2 . 2     ملامح ثقافة الاستبداد والفساد :

من اخطر نتائج تحكم الأنظمة الشمولية لفترة طويلة بمناحي الحياة المختلفة، ظهور ثقافة جديدة مشوهة تعطل مفاعيل القوة والجدية في المجتمع. إن أنظمة الاستبداد لا تهدر إمكانيات البلد المادية إسرافا وبدارا وتعيق الوصول إلى الأهداف المفترضة فحسب، بل أنها تطيح بالعقل الفعال وتشله وتحول الناس إلى آلات حديدية مطوعة بلا مشاعر ولا خيال مبدع ولا قدرة على التصور والتخطيط والمبادرة [24].

الفساد يتحول في الدول التي يحكمها الاستبداد إلى مؤسسة لها آلياتها المتنوعة ومصادر قوتها المتعددة، كما إن تغلغل الفساد في أجهزة الدولة ومؤسساتها بحيث تصبح مرتعًا له بدلاً من أن تكون حائط صد ضده. يترتب على كل ذلك أن يتحول الفساد إلى ثقافة هي ثقافة الفساد، وهى تتمثل في منظومة القيم السلبية التي تسوِّغ الفساد وتبرره فالعلاقة المباشرة بين الفساد والاستبداد تتمثل في”أن الفساد عندما يستشري ويترسخ فإنه يعمل على حماية نفسه، وذلك بإبقاء كل الهياكل التي أنتجته على حالها، فلا تغيير في القوانين ولا تعديل في اللوائح ولا تطوير في السياسات، لذلك نجد أن المسئولين الحكوميين غير مبالين بالتغيير وذلك ضمانا لاستمرار المناخ الذي يضمن لهم المزيد من التربح واستغلال النفوذ “. [25] وهى تعنى قبول أفراد المجتمع بصفة عامة لكل حالات الفساد سواء كانت صغيرة أو كبيرة واقتناعهم بوجود الفساد والتعايش مع صوره وأنماطه المختلفة بل وإفساح المجال لها، ويصبح ظاهرة طبيعية يتوقعها المواطن في كافة تعاملاته اليومية و المسئول الفاسد هنا يكون اكبر من القانون فيحاول ترسيخ هذه الثقافة بخلق وعى زائف لدى المواطنين بإقناعهم انه ليس في الإمكان أبدع مما كان وتتحول مؤسسات الدولة الأساسية إلى مؤسسات يلفها الفساد، فالشخصيات المهمة والوزراء وأعضاء المجموعات البرلمانية يتحولون إلى جزء مهم في جرائم عديدة كإهدار المال العام والتعاون لتسهيل المخالفات وعلى الرغم من فساد كبار الموظفين تكون هناك توجهات مطالبة الجماهير بضرورة التضحية وربط الأحزمة من اجل مشروع قومي، فلا يجدون إمامهم إلا التكيف مع أنماط الفساد دون محاولة تغييره والإصابة باليأس والإحباط، وحتى التشريع الذي يتصدى للفساد قد وضع من قبل برلمان يكون أعضاءه الذين قدموا بالتزوير بأشكاله المختلفة جزءا من الفساد ” ولا غرابة في ظل هذه الأجواء التي يخلقها الاستبداد من احتكار السلطة واستخدام الوسائل المختلفة لإدامة نفسه من التجهيل إلى التفريق إلى استخدام الأعوان من مخبرين وامن وجيش وفتح السجون وتعذيب البشر وسحق الإرادة وخنق الحرية وإشاعة الانحلال والفجور والتلهي بتوافه الحياة أن يعيش المواطن مغترباً عن ذاته، مستباحا ومعرضاً لمختلف المخاطر.” فهو على الهامش تشغله لقمة العيش، لا يجد مخرجا سوى الخضوع يجتر هزائمه الخاصة والعامة وهو مغلوب على أمره، عاجز عن التغيير أو تحدي قوى الاستبداد”.[26]

وتفرز ثقافة الاستبداد نمطا يطابق طبيعتها، وهو تحقيق مصالحها الفئوية الخاصة، على حساب المصالح العامة، وهي بذلك تحدث انشقاقاً كبيراً في المجتمع يكرس حالة الفساد ، وتحول ساحة المجتمع إلى ساحة حرب بين مختلف الأفكار والاتجاهات، دون وجود لتعايش وتفاهم يضمن حالة التكافل والتعاون، وهي عقلية يسميها البعض بعقلية (الجُزُر المنعزلة) حيث لا تهتم كثيراً بخلق عمل جماعي ناجح، ولا تعبأ أساساً بالصالح العام، بل كل الاهتمامات موجهة في اتجاه صالحها الفردي.[27] وتعمل الدولة المستبدة على أن تبقي على الفساد نهجا ومذهبا ونمطا معيشيا، لأنه حين يعم الفساد لا يعود بوسع أحد التحدث عنه أو الاعتراض عليه طالما أن دائرته اتسعت فشملت شبكة واسعة من مصلحتها غض النظر أو السكوت عما يدور، إذ يلجأ المفسدون إلى إشاعة نهجهم الخاص على أوسع نطاق ممكن بين ضعاف النفوس، عملا بالقاعدة القائلة أنه إذا أراد الفاسد حماية نفسه فإن عليه أن يفسد سواه أيضا، فما أن يعم الفساد و يتورط فيه الكل حتى تتكون آلية تضامنية تلقائية بين المفسدين يتستر فيها الكل على الكل، فلا ترى، بعدها، من هم عناصر الفساد أو الفساد نفسه.

 وبذلك لا يصبح أمر الفساد محصورا في بضعة أشخاص فاسدين إنما يتحول إلى منهج متكامل يوفر أصحابه البيئة المناسبة لتعميمه وتحويله إلى وضع أليف يصبح معها مجرد النقاش حول الفساد ضرب من العبث، حينها يفقد الفرد قدرته على المقاومة بالتدريج، وتعلو لديه نوازع الأنانية، ويتخلى عن مبادئه وقيمه كما يتخلى عن احترامه للقانون والنظام، ثم ينتهي به الحال إلى التخلي عن إنسانيته واحترامه لذاته وللآخرين، ومع انتشار الفساد والمفسدين، واتساع نطاق الأرباح الخفية الناجمة عنه، فإن العمل الشريف الجاد يفقد قيمته، بل إن القانون نفسه يفقد هيبته واحترامه. هذا، فضلاً عن أن للفساد تكلفته الاجتماعية التي تتمثل في انخفاض معدلات الكفاءة في تخصيص الموارد الاقتصادية، وهو ما يؤدى إلى تخفيض معدلات التنمية الاقتصادية وعدالة التوزيع للدخل القومي .[28]

ومن ملامح ثقافة الاستبداد “إن تطفو المراسم الشكلية ومظاهر الأبهة والسلطان بهدف فرض الهيبة التي تتحول إلى تقديس وخوف. وبالطبع فلا مكان هنا للمساءلة أو المحاسبة أو المطالبة، فقط السماح بالتماس الرضا أو تجنب الظلم أو تحصيل بعض نعم السلطان و يذعن الناس للسلطة بسبب التسلط وبسبب أجهزة العنف التي تملكها السلطة وأساليب القهر والقمع وتهديد مصادر الرزق”[29]. وتبرز هنا مظاهر الرشوة والمحسوبية والتي تشكل خطورة بالغة على سلامة الجسم الاجتماعي، ذلك أنّها تؤجّجُ الشعور بالظلم والقهر، وتُنهك الفئات الفقيرة ومتوسّطي الحال، وتجعلُ حقوق المُواطن كالشغل والسفر والاستشفاء والسكن قابلة للبيع والشراء، وتفتحُ الأبواب أمام الانتهازيين الذين لا همّ لهم سوى الإثراء على حساب غيرهم من المُستحقّين، ويُداسُ على سائر قيم التراحم والتضامن والتعاون، وتُنتهكُ أبسطُ حقوق الإنسان، ويسودُ قانونُ الغاب، وتزدهرُ نزعاتُ الانتهازية والوصولية والابتزاز والطمع والجشع، وتتغذّى الأنانيّةُ المُفرطةُ عند الكثيرين إلى درجة إلغاء الآخر.

وتحتضن حالة الاستبداد السياسي الذي تعيشه الأمم والمجتمعات والجماعات”استبدادا ثقافيا واجتماعيا يختمر في نفوس البشر، ويتحول إلى حالة تطبع أساسي في السلوك، وتعود على التمسك بالأحادية، ورفض الاستماع للرأي الآخر، وقطع الطريق أمام الحوار والتفاهم؛ ففي حالات ترسخ روح الاستبداد والتسلط يصبح الحوار منعدما، وإذا كان فعلى الأغلب يكون عقيما؛ ذلك أن الوضع ليس إلا سيطرة شمولية للرأي الواحد، متمثلاً بالسيطرة المطلقة للأحادية المنفردة,  لقد أوجدت ثقافة التسلط شخصيات تفتقر إلى التوازن النفسي؛ فهي قد تستعلي استعلاءً كبيراً على الآخرين، إلا إذا كانوا من ذوي النفوذ والقوة، وهنا نجد خضوعاً وممارسة لأساليب الدونية ولكن ما تحققه ثقافة الاستبداد هو تحطيم الوجود الفكري للإنسان، عبر قطع طرق التواصل؛ لذلك يصبح الفرد في هذه الأجواء مجرد هامش جامد على أطراف الجغرافيا، لا يفهم ولا يرى ما يحدث على حقيقته؛ فيفقد القدرة على التقييم السليم والتعرف الصحيح؛ ذلك أن أحادية الفكر والانغلاق المتسلط يمارسان عادة بصورة لاشعورية، دون محاولة التعرف العلمي الهادئ على ما يريد أن يقوله الآخر”[30] ويوضح الكواكبي في كتابه ” طبائع الاستبداد ” أثر الاستبداد على الأخلاق وعلى دوره في خلق ثقافة جديدة للمجتمع قائلا:”الاستبداد يتصرف في أكثر الأميال الطبيعية فيضعفها أو يفسدها أو يمحوها, والاستبداد يسلب الراحة الفكرية فتمرض العقول ويختل الشعور, واقل ما يؤثره الاستبداد في أخلاق الناس انه يرغم حتى الأخيار منهم على ألفة النفاق والرياء”[31] ولهذا تشيع في أجواء الاستبداد ثقافة السكوت وتنتشر أمثال ما انزل الله بها من سلطان وكلها تحض على الصمت والسكوت والقبول بالموجود .

2  .  3    الاستبداد يهدد منظومة القيم الايجابية في المجتمع

حيث تتفشي أنماط السلوك غير السوي في المجتمعات المقهورة تبرز منظومة قيمية جديدة  والسبب هو ممارسات العنف والاضطهاد والسلطة الاستبدادية لفترات طويلة وابرز مظاهر هذه المنظومة يكون في أنماط السلوك الاجتماعي حيث تعمل آليات القهر على ترسيخ مفاهيم الإذعان والخنوع في وجدان الإنسان المقهور من أجل شل حركته المضادة، كما تصنع حالة من الشعور بالتهديد المتواصل وعدم الاستقرار تجعل الإنسان المقهور في موقف الدفاع الدائم والحذر الشديد من أي شيء يمت بصلة إلى السلطة.
أيضا تركز السلوك المتوارث للإذعان والخنوع في المجتمع, فالمجتمعات التي تخضع للاستبداد والعنف المفرط أمداً طويلاً تتعزز في ذاتها أنماط من السلوك غير السوي تتنافى وسماتها الأساسية، للحفاظ على ذاتها المستلبة من الهلاك. كذلك تحدث حالة  تماهي للإنسان المقهور بسلطة الاستبداد, حيث يتحول الإنسان المقهور من ضحية إلى معتدي على أمثاله الأضعف والأقل خطورة، وهذا التحول يجعله أداة بطش بيد المتسلط نتيجة معاناته من حالة وهم القيمة والاعتبار الذاتيين، ما يدفعه إلى “الاستزلام” لدى المتسلط ويتماهى بعدوانه.[32]

 2 . 4   منظومة الإستبداد:

 وتتضمن هذه المنظومة صفات المستبِد والمستبَد بهم وطبيعة العلاقة بينهما, والبيئة التي يعيشون فيها.

فصفات المستبِد:

* العلو والكبر:حيث يشعر المستبد بعلوه على من حوله من البشر وملكيته لهم, وبالتالي يطلب منهم الطاعة والانقياد, ولا يسمح لهم بمخالفته أو مناقشته, وهكذا شيئاً فشيئاً تتضخم ذاته خاصة مع خضوع من حوله, ويصل في النهاية إلى الاعتقاد بإلوهيته, وهذا الاستبداد والذي وصل إليه فرعون حين قال:”أنا ربكم الأعلى”, وقال:”يا أيها الملأ ما علمت لكم من إله غيري”[33].  ويوضح برهان غليون أهم سمة للمستبد وهي رفض الآخر” فالعقل الاستبدادي عقل إطلاقي يرفض إن بكون لكل فرد وجهة نظر مخالف”[34]

* الاستخفاف: وفى داخل نفس المستبد استخفاف واحتقار لمن يستبد بهم, ويزيد هذا الشعور بداخله كلما بالغوا هم في طاعته ونفاقه والتزلف إليه لأنه يعلم بداخله كذبهم وخداعهم, ويعلم زيف مشاعرهم, ويشك في ولائهم وإخلاصهم, كما أنه منذ البداية لا يثق في قدراتهم  وجدارتهم, وبالتالي يصل في النهاية إلى الشعور بالاستخفاف بهم[35]. ويؤكّد القرآن الكريم أنّه ما كان لطاغية أو مستبدّ أن يقْدُم على فعله لو لم تكن ثمّة قابلية للاستخفاف لدى الجمهور والرّعاع، ولذلك نجده ينحو باللائمة عليهم لا على الطاغية، ويجعلهم عبرة لكل معتبر، فقال تعالى في معرض الحديث عن طغيان فرعون وموقف قومه منهفاستخفّ قومه فأطاعوه إنهم كانوا قوما فاسقين. فلمّا آسفونا انتقمنا منهم فأغرقناهم أجمعين. فجعلناهم سلفاً ومثلاً للآخرين[36]  أي أنهم – قبل الطاغية- ملومون مستحقون للعقاب، إذ هم المعنيون بتبديل ذلك الوضع، عن طريق التمرّد والرفض والثورة.[37]

*الجبروت والعناد: فالمستبِد جبار عنيد وهى صفات متصلة ببعضها لأن جذورها في النفس واحدة. فمنظومة الاستبداد تبدأ بالتكبر والاستعلاء الذي يصل إلى درجة التأله. والمتكبر لا يحتمل اختلافاً في الرأي, بل لا يسمح من البداية أن يكون هناك رأياً آخر يزاحمه لأن هذا الرأي الآخر يعتبر قدح في تألهه وجبروته فهو يفترض أنه على صواب دائماً وأن ما يراه هو الحق المطلق, وبالتالي فهو يعتبر أن صاحب الرأي الآخر سفيهاً أو مضللاً ومتعدياً على مقامه الأرفع ومن هنا يكون غضبه شديداً يصل إلى درجة قتل المخالف مروراً بتعنيفه أو سجنه أو تعذبيه أو نفيه, والمتكبر دائماً وأبداً عنيد لأنه يفترض أنه يمتلك الحقيقة المطلقة وبالتالي لا يقتنع برأي آخر ولا يريد أصلاً ولا يقبل أن يكون هناك رأى آخر.[38]

أما صفات المستبَد بهم فهي:

* الفسق: حيث انه مع استمرار السلوك الاستبدادي يتحول الناس (المستبَد بهم) إلى كائنات مشوهه وذلك من كثرة الأقنعة التي يلبسونها لإرضاء المستبد فيتفشى فيهم النفاق والخداع والكذب والالتواء والخوف والجبن وتكون النهاية كائنات مشوهه خارجة عن الإطار السليم للإنسان الذي كرمه الله[39], والقرآن الكريم يصفهم بالفسق, والفسق هنا كلمة جامعة لكل المعاني السلبية التي يكتسبها الخاضعون للمستبد” فاستخف قومه فأطاعوه إنهم كانوا قوماً فاسقين”[40].

وحين تجتمع الصفات السلبية للمستبِد مع الصفات السلبية للمستبَد بهم فتكون النتيجة بيئة مليئة بالفساد ” وفرعون ذي الأوتاد الذين طغوا في البلاد فأكثروا فيها الفساد”[41]  فالفساد نتيجة طبيعية ومباشرة للاستبداد مهما كانت مبررات الاستبداد ومهما كانت اللافتات التي يتخفى وراءها لأن الاستبداد تشويه للتركيبة النفسية للمستبِد وتشويه أيضاً للتركيبة النفسية للمستبَد بهم وبالتالي يحدث تشويه للبيئة التي يعيشون فيها, فالاستبداد أحد أهم عوامل التلوث الأخلاقي والبيئي في الحياة.[42]

 2  .  5    أدوات وأجهزة الاستبداد:

2  .  5  .  1     أولا: أجهزة الأمن والحماية:

عند الحديث عن أنظمة الاستبداد فأول ما يخطر ببالنا هي الأجهزة التي يقيمها بمسمياتها المختلفة والتي تكون وظيفتها حماية النظام، وذلك من خلال “ترويع المجتمع”. لقد أصبحت مؤسسة الأمن من أهم دعائم نسق الحكم الفاسد. وهي عماد مؤسسة القهر التي تضم أيضا أجهزة المخابرات المختلفة والمخبرين المبثوثين في كل الأرجاء, كما تضم الأعوان ( المدنيين ) الذين يتم استدعاؤهم لإثارة الفزع في صفوف الجماهير أو ما يمكن تسميتهم ( البلطجية أو الزعران او الشبيحة). “إن صورة دولة المخابرات تجسد حالة مخلوق ضخم يقوم على القوة والعنف والاستبداد، ويستمد أسباب استمراره من الخوف وليس من الشرعية”.[43]

وفي أنظمة الاستبداد تكثر الأجهزة الأمنية، وكلما زادت أعداد رجال الأمن زادت مساحات الخوف، حيث ينسحب الأمان ويعم الاضطراب، ومن ثم تكثر السرقات والفوضى والتعديات، فالسلطة منشغلة دوماً بترتيب المواكب وتنظيم الحراسات، وتكثيف المظاهر لقادتها ومسؤولييها، والتجسس على معارضيها وقمع مخالفيها  وفي حالة العدوان الخارجي تكون هذه الأجهزة أول من يطلق ساقيه للريح هربا.

2  .  5  .  2      ثانيا: أجهزة الإعلام:

وبالطبع فإن الجهاز القمعي يسانده جهاز إعلامي، هو في حقيقته أداة النظام الرئيسية للتعبئة، والشحن العاطفي ضد المعارضين ويقوم بتزييف الوعي وإفساده إن أمكن. والتعمية على المواطنين والكذب المتواصل على طريقة جوبلز( وزير الإعلام النازي ): اكذب ثم اكذب ثم اكذب وكلما كانت الكذبة اكبر كان التصديق لها أكثر. والقضايا التي يتم طرحها تكون بما يتفق وتوجهات الحكم والنخبة والحكومة، والقضايا التي يتم حجبها، وتجاهلها تكون مما لا يحسن فتح ملفاتها. أما ممارسة حرية الرأي والتعبير، فإذا لم تكن في حدود “الأدب أو بعبارة أخرى “الخطوط الحمراء” فإن المصير يتراوح بين الطرد أو الفصل أو الحرمان من الممارسة أو النقل الإداري وصولاً إلى السجن والتعذيب بأنواعه [44].

2  .  5  .  3       ثالثا: مثقفو السلطة المستبدة:

ومثقف السلطة هو احد الأدوات الرئيسية للاستبداد وهو من أعمدة ثقافة الفساد فهذا “النظام” الفاسد يحيط نفسه بطبقة من كتاب البلاط, وهي طبقة عازلة تُنَظِر لبقاء هذا النظام، طبقة مكوّنه من أنصاف وأرباع مثقفين يكتبون المقالات في تمجيد النظام، و تفتح لهم الصحف والشاشات أبوابها دون تحفظ لإلقاء الخطب والتصريحات وممارسة طقوس الطاعة والولاء بشكل يومي .وهم قادرون على تحويل الهزائم إلى انتصارات والإخفاقات والمخازي إلى مؤامرات والشرف والفضيلة إلى تطرف وإرهاب وتزمت, وهم يمتلكون وجوها عديدة ومتنوعة لكل مناسبة. و مثقف الاستبداد همه الأول منح النظام السياسي الشرعية مقابل أن ينعم بالعطاءات المادية والترقيات و المناصب الرفيعة، وهو الذي يمتلك القدرة على تزييف الحقائق، ويخفي أهداف المستبد الذاتية، ويحولها إلى أهداف سامية باسم الشعب والأمة والوطن والدين، مستخدمًا كل المخزون الفكري والمفاهيم الأخلاقية لدى الناس ليلصقها بسلوك المستبِد فيصبح هذا المستبد قائدا ملهما فاضل لا غنى للجماهير عنه. والمثقف لا يكف عن الهتاف، فهو يسترزق من هتافه، ويتحول بالتدريج إلى مستبد صغير، فيتوالد الاستبداد ويعيد إنتاج شروط إنتاج الاستبداد من جديد نفسه، فيصبح استبدادا دينيًّا واستبدادًا ثقافيا واستبداد اجتماعي واقتصادي …. وهؤلاء المثقفون هم المسئولون عن فساد العقل لأنهم حولوا العقل من وظيفته النقدية إلى أداة تبريرية للأنظمة العاجزة ومروجين بارعين للشعارات التي يسوقونها ليل نهار.[45]

ومن أسوأ أنماط مثقفي السلطة من يطلق عليهم ” علماء السلاطين ” فهم يحاولون إعطاء المستبد كل ألوان الشرعية الدينية عبر تحريف مقاصد الدين وأهدافه السامية وتقزيمها وعبر ليِّ النصوص وتطويعها لتكون في خدمة مصالح المستبد وحاشيته.

 2  .  6   وسائل وأساليب الاستبداد للاستمرار:

حكومات الاستبداد تلجا إلى أساليب عديدة لتحافظ على بقائها وترسيخها ودوام سيطرتها واهم هذه الوسائل هي:

2  .  6  .1    التجهيل وتفريغ التعليم من محتواه:

فالجهل هو الأب الشرعي للاستبداد، والعنصر الفاعل في إمداد جسد المستبِد بكل مقومات الحياة والاستمرار. وهناك عملية أخذ وعطاء غير مرئية تجري بين الأمة الجاهلة والحاكم المستبد. فإذا قلنا أن المستبد يأتي من رحم الأمة الجاهلة فإن الأمة الجاهلة على دين ملوكها (حكّامها المستبدين).[46]

أيضا تلجا حكومات الاستبداد إلى تغييب الوعي عبر تشجيع ثقافة الخنوع والتنظير للهزيمة الداخلية والعجز والتواكل, ومنع الثقافة التي تعلم الإنسان سبل الحياة الواقعية، من الحقوق الفردية والوظائف الجماعية وحدود الحاكم، أو التي ترفع من منسوب الوعي لديه ليبقى سائرا في الظلام لا يستطيع الفكاك من عبودية الجهل والتخلف والاستبداد. وتستخدم أساليب عديدة لذلك منها علماء السوء الذين يتلبسون بزي علماء الدين ليحصل بواسطتهم على الشرعية الدينية ، باعتباره ولي الأمر، والخروج عنه فتنة وإفساد في الأرض.

أيضا فان مؤسسات التعليم تحول رسالة العلم ذات أهداف دنيوية مصلحية ذاتية بعيدا عن الهم العام وعن إثارة التفكير النقدي العقلاني بل الحفظ والتلقين والترديد كالببغاء فتتخرج الأجيال وكل ما يعرفونه هو التسبيح بحمد الحاكم المستبد يخشون من كل جديد ويناهضون كل تقدم.”إن هدف الرسالة التعليمية في الدولة الاستبدادية هو” إبعاد العقل عن طرح المشكلات التي يواجهها المجتمع, واستبدالها بمشكلات جانبية تخدم هدف التفكيك للحمة الاجتماعية”[47] و”هناك مقولة تؤكّد أنه إذا فسد القضاء وفسد التعليم في أمّة من الأمم تخّلفت هذه الأمة، وشوّه هذا الفساد معظم علاقات المجتمع الإنساني لأنها تقوم على الظلم والاستبداد والجهل، وعُدّت هذه الأمّة في عداد الدول المتخلّفة حضاريا ومعرفيا. ولهذا تحرص منظومة الاستبداد على أن تكون الجامعات والتي يفترض أنها منارات العلم والمعرفة والتطور ميدانا للاستبداد والفساد عبر سياسة التعيين التي تقصي المخالف وتقرب التابع برغم ضعفه وانعدام قدراته  وبذلك تتشكلّ في أعماق الأستاذ الجامعي القادر المهمش  شعور بالغبن والظلم  وانعدام الدور ولأنه لا يستطيع أن يقابل هذا الاستبداد بحوار علمي أخلاقي، تكون فيه علاقة الند للند هي السائدة، فإنه يكبت رغبته العارمة بتقويض هذا الاستبداد، وينزوي على نفسه، ويتقاعس في عمله، و تتعطل طاقاته الإبداعية، وملكاته وقدراته الكثيرة على العطاء العلمي والمعرف والبحثي المنظّم”.[48] أيضا فان العملية التعليمية في الدولة المستبدة قائمة علي محور السيد/ التابع. فالسيد هنا هو المعلم الذي يعرف كل شيء عن أي شيء ولا يعطى التابعين (الطلاب) أي مجال للمناقشة والعصف الذهني والتفكير الإبداعي. لذلك فان واجب الطالب هو فقط حفظ وخزن المعلومة ثم استفراغها في آخر العام الدراسي علي ورقة الامتحانات. هذا الوضع يخلق اضطراباً في منهجية التفكير يتمثل في سوء التنظيم الذهني للواقع. تقترب الذهنية المتخلفة من الواقع وتتعامل معه دون خطة مسبقة ذات مراحل منطقية واضحة سلفاً. بل عبر الفوضى والعشوائية والتخبط والمحاولة شبه العمياء ويصبح هذا هو النمط الشائع في التصدي للحياة بقضاياها اليومية و يكون هدف التعليم في هذه الحالة هو إعادة إنتاج الواقع الذي يكرس الهيمنة المستبدة.[49]

2  .  6  .2     تغييب المراقبة والمحاسبة

في الدولة الاستبدادية كل شيء يجري على غير عادته، فالصفقات تعقد خلف الكواليس، والاتفاقات خارج حدود المراقبة، وليس هناك من يراقب أو يحاسب الانتهاكات والتجاوزات، حتى الدستور المكتوب لا يمكن أن يكون رادعاً للتعديات على القانون والمصادرة للحقوق والممتلكات حيث تغدو الدساتير ألعوبة بيد الحاكم يعدلها كيفما شاء  ووسيلة ضغط على خصومه فقط وبهذا يكون الدستور والقانون والقضاء عوامل دعم وإسناد للمستبد في إحكام قبضته على معارضيه.[50]

وفي أنظمة الاستبداد تفقد المؤسسات معناها فالسلطة التشريعية تصبح مجرد ديكور، وتصبح السلطة التنفيذية منفذة لمصائب الشعب وصانعة لمعاناته، وتصير السلطة القضائية قاضية على آمال الشعب في العدالة الاجتماعية والكفاءة السياسية، أما السلطة الرابعة فهي أشبه ما تكون بشعراء البلاط.[51]”  وفى ظل الاستبداد تضطرب موازين العدالة ٬ وتختل أعمال القضاء خصوصا عندما يتصل الأمر بشخص الحاكم أو أسرته أو أتباعه أو أسلوبه في الحكم.”[52]

2  .  6  .3      تكثير  الأعوان والمنتفعين وإفساد الأمة وإلهاءها بالمغريات:

عماد قوة المستبد جوقة الأعوان من المتزلفين والمتملقين والمطبلين  الذين يستند عليهم الطاغي في ترويج بضاعته وأفعاله الفاسدة، وبدونهم لا يتمكن من تثبيت وجوده. والى هذا المعنى أشارت الآية الكريمة (إن فرعون وهامان وجنودهما كانوا خاطئين)[53] حيث وصفت فرعون وأعوانه بوصف واحد، فجاء مصيرهم واحدا أيضاً (فأخذناه وجنوده فنبذناهم في اليم)[54].

بالإضافة إلى ذلك أن بقاء الاستبداد وامتداده في طول التاريخ إنما هو بالمعين على الاستبداد والراضي به. والحكومات الاستبدادية تعمل على ترسيخ  نمط من التفكير النفعي وتعزيز الأنانية الفردية و التفكير السلبي في ذهنية واعتقاد الناس في محاولة لجرهم نحو مزالق الانحراف والتعدي على حقوق الآخرين طمعاً في المال أو الجاه، فيكونون بذلك قد وقّعوا على صكوك عبوديتهم للمستبد ليصبحوا أداة طيعة بيده يضرب بهم من يريد ويحاسب بهم من يشاء, حيث يتحولون بطبيعة الحال إلى نواة صلبة تدعم الانحراف والاستبداد وتدافع عنه بكل قوة. كما أن الاستبداد يبتكر الأساليب والمغريات المختلفة التي تلهي الأمة وتفسدها وتستعبدها للشهوات من كل نوع  وتجعلها بعيدة عن الهم العام وعن سرقة حقوقها.

 2  .  6  .4     التفريق بين أطياف المجتمع:  

 فالعامل الذي يحفظ حقوق أية أمة ويلبسها ثوب العزة والكرامة يكمن في قوة رابطتها، وتوحد كلمتها، فإذا حدث تخلخل في هذا الشمل أو تمزق للرابطة والكلمة فليتوقع الجميع أن المستبِد قادم لا محالة وباق في منصبه حتى توحدهم. ولعل وسيلة (فرق تسد) من أبسط الوسائل التي استعملت قديماً ولا زالت في سبيل السيطرة على أزمة ومقاليد الأمور وخصوصا عندما تتشكل الأمة من اثنيات وطوائف متعددة. فالأنظمة المستبدة تلجا إلى إثارة الفتن والأحقاد العرقية والطائفية والمناطقية والقبلية لتكون بالتالي أقوى من جميع خصومها المتفرقين وكما يوضح برهان غليون انه” لكي تستمر الدكتاتورية وتتمكن الفئة المتسلطة من الاستمرار في نهبها, لابد من إن تكون هناك إمكانية  لتقسيم الشعب وتمزيقه وتوجيه كل فئة نحو الأخرى  أي لا بد من تحطيم وعيهم الجمعي حيث إن غيابه سيعني انتفاء الخطر على الاستبداد”[55]

2  .  6  .5      الحصار والتهميش والقمع للأحرار:

كل من لا يوالي الحاكم المستبد على استبداده وفساده ولا يشاركه في ارتكاب المظالم, محكوم عليه أن يقبع في معتقل الكلمة والرأي, فإن تكلم وجد نصيبه من ممارسات الاستبداد ملاحقة وحصارا أو سجنا وتعذيبا أو نفيا وتشريدا, وكل من لا يتحول إلى بيدق من بيادق السلطة قمعا وقهرا أو فسادا ومحسوبية أو إعلاما موجها وفكرا منحرفا وأدبا تائها وفنا ضائعا، بعيدا عن قضايا الناس وحياة الناس ومشكلاتهم وآمالهم وآلامهم محكوم عليه أن يعيش وراء قضبان معتقل الفقر والبؤس ليفتح عينيه صباحا على كوابيس البحث عن لقمة الطعام لأهله ويغلق عينيه مساء على كوابيس الخشية مما قد يأتي به غد, وكل من يتجرأ على تجاوز حدود الكتابة أو الكلام في المشاكل اليومية الصغيرة والمسائل الجانبية التافهة فان عليه إن يبقى قابعا في الزوايا المهملة.[56]

وتكون محصلة هذه الأساليب المزيد من الجهل والتخلف والتراجع في كل الميادين الحضارية والإنسانية والاجتماعية وتحويل المجتمع إلى طوائف وفرق متناحرة. وتحويل الوطن إلى معتقل استبدادي كبير، وفي هذا المعتقل  تنتشر الاعتقالات العشوائية، والمحاكمات الصورية، والانحرافات باسم القانون، والمظالم باسم القضاء، والتخلف عبر الفساد، ويتاح المجال لانتهاكات لا تنقطع للحقوق والحريات والكرامة الإنسانية، على أوسع نطاق شامل لمعظم أفراد الأمة وفئاتها, وفي ظل هذه الوسائل والأساليب التي تبدع الدولة الاستبدادية في خلقها  لنا إن نتساءل: أي مستقبل للتنمية في هذه الأجواء وكيف سيتفجر الإبداع في براثن العبودية وكيف سيتحقق الانجاز وكل الشعب صامت صمت القبور يخشى من كل شيء ويشك في كل ما حوله والجميع يردد المثل القائل:( امش الحيط الحيط وقول يارب السترة ) أو ( الجدران لها آذان ).

  1. 3    المحور الثالث:  تأثير الاستبداد والفساد على التنمية

وهنا نقول إن الإبداع والتقدم والانطلاق نحو المستقبل لا يمكن أن يتحقق في ظل نظام دكتاتوري أو استبدادي يقوم على فكرة السلطة الشمولية، حيث تبنى المؤسسات لأجل خدمة الفكر السلطوي الذي يتبناه، والذي يستهدف حماية الأوضاع الراهنة، والمدعوم بقوى منتفعة ترى في التطور انهيارا لمصالحها، ويجهد أنصار هذا النظام ووعاظه في تنمية ثقافة شعبية عامة ترى في أمر اضطهاد الفكر الحر أمرا مقبولا ومبررا، مما يترتب عليه قتل روح الإبداع وخنق الأفكار المتنورة وإشاعة النفاق السياسي، ويبنى ذلك وفق نظام قانوني يبدو صارما ومشددا ومدعوما بخطاب سياسي يخاطب الغرائز لا العقول.

وفي الدولة الاستبدادية حيث لا يبغي الحاكم المستبد إلا مصلحته الشخصية أو مصلحة الفئة الضيقة الحاكمة ومن ثم يكون الحاكم في الدولة الاستبدادية مطلق التصرف وغير مقيد بأي قيد، لا من حيث الوسيلة ولا من حيث الغاية، أي انه يعمل وفقا لما تتفتق عنه قريحته أو مزاجه أو جنونه أحيانا، وتندمج في ظل هذه الدولة كافة السلطات لتكون كلها بيد الحاكم المستبد بحيث يكون هو الحاكم والمشرع في آن واحد كما انه يتولى تعيين أعضاء السلطة القضائية التي لاتتمتع بأية استقلالية, وتنشا أجهزة أمنية لا حصر لها مهمتها الأولى والأخيرة التجسس على المواطنين وقمعهم وكبت حرياتهم.

وسنناقش في هذا المحور شروط تحقيق التنمية ودور الحرية في توفير أجواء الإبداع, وكيف يقود الاستبداد إلى التخلف, وأن ركود التنمية هي نتيجة للاستبداد والفساد,  وسنرى أيضا كيف تتم عملية خنق التنمية في الدول الاستبدادية وكيف يؤثر الاستبداد والفساد على التنمية.

 

3  .  1   شروط تحقيق عملية التنمية:

والشروط اللازمة لتحقيق عملية التنمية الاقتصادية والاجتماعية بنجاح هي: الشفافية والمساءلة والحكم الرشيد، بالإضافة إلى شروط أخرى مثل: فعالية الحكومة وتمتعها بالكفاءة والخبرة الإدارية اللازمة، وأهمية هذه الشروط هي تحصين المجتمع من آفة الفساد، وما يقترن به من مظاهر الفوضى والتسيب واللامبالاة، وانعدام الحس بالمسؤولية. فإذا كانت القواعد الناظمة للحياة العامة قواعد موضوعية وعلنية، وإذا كانت القرارات الحكومية رشيدة من حيث خياراتها ومركزاتها ومبرراتها ودوافعها، وإذا كان المسئولون كل في مجال عمله على مستوى السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية يخضعون للرقابة الوقائية واللاحقة ,فإن عجلة التنمية ستندفع للأمام وستنكمش حالات الفساد وهدر الموارد.

 وهذا الأمر يقتضي إقامة نظام سياسي يقوم على مبدأ التعددية السياسية المستند إلى الانتخابات العامة العلنية والنزيهة، وأن يرتكز هذا النظام على الفصل بين السلطات الثلاث، وان يتضمن احترام ممارسة المواطنين لحقوقهم المدنية والسياسية، وعلى رأسها حرية التعبير، وبذلك يتم تصويب السياسات التي تتسبب في هدر الموارد, و حصر ثروات المسئولين ومعرفة مصدرها من قبل الأجهزة الرقابية التي يُفترض أن تتحقق من صحتها أثناء وبعد تولي المسؤولية العامة. و إعطاء صلاحيات واسعة لجهاز رقابي واحد، يتمتع بالاستقلال في مراقبة السلطات الثلاث، وأن يُعِد هذا الجهاز تقارير دورية تكون في متناول المواطنين وأعضاء المجالس التشريعية والقيادات الحزبية ومؤسسات المجتمع المدني كافة. والتوعية السياسية بإشاعة مناخ ثقافي ناقد يحترم الرأي والرأي الآخر، يمكن له أن يحد من الانخراط في الممارسات الفاسدة، ولا بد من توفير الحرية لوسائل الإعلام، وإعلاء القيم المجتمعية من نزاهة وإيثار وتضحية ونكران للذات، والتمسك بالخصال الحميدة المتأصلة في المجتمع من أمانة وحس بالمسؤولية الفردية والجماعية. وضرب المثل الأعلى والقدوة الحسنة من قبل القادة من مسئولي الأحزاب ومؤسسات المجتمع المدني.[57]

وهذه الأجواء أو الشروط الضرورية لعملية التنمية هي النقيض تماما لأجواء الدولة الاستبدادية ومن هنا يمكننا القول إن أجواء الاستبداد لا يمكنها إيجاد تنمية,لان الأنظمة السياسية المستبدة تعمل على استغلال الثروات وبناء اقتصاد يخدم مصالحها الذاتية وبما يقوي من ديمومة سلطتها, ويكون التخطيط التنموي موجها بشكل يخدم نواحي معينة بعيدة عن انتشال شعوبها من الفقر والتخلف والبطالة, ولا تعود بالفائدة الإنمائية على شعوبها، فتطوير مجال الاقتصاد  الوطني في استثمار الثروات لا يخدم الشعوب إلا بما يحقق الفائدة الأعظم لمصالح هذه الأنظمة. فنظام الحكم الذي تغيب فيه المشاركة والشفافية والمحاسبة هو أكثر المجالات خصوبة لانتشار الفساد وفساد الحكم هو الذي يقود إلى فساد الأفراد. ففي هذا النوع من نظم الحكم تغيب المبادئ والشروط التي يجب أن تتوفر في إدارة الدولة والبيئة السياسية والمجتمع والحياة العامة والفاعلين فيها وهذه الشروط هي: الاستقامة,الموضوعية,المحاسبة,الوضوح والأمانة, الشفافية.[58] وإذا كان مقياس التنمية الاقتصادية وكفاءتها هو النمو الكمي و معيار التنمية الاجتماعية وكفاءتها هو التوزيع العادل للثروة فان بين أهم مقاييس التنمية السياسية وكفاءتها هو المشاركة وشفافية ومؤسسية نظام الحكم والسلطة اللتان تسمحان بالمحاسبة لأجهزة الدولة وأصحاب المناصب التشريعية والتنفيذية. والتنمية الشاملة كما يعرفها البرنامج الإنمائي للأمم المتحدة هي: “عملية زيادة خيارات البشر وزيادة قدراتهم وإمكانياتهم، بتوفير فرص أوسع أمامهم للتمتع بحياة طويلة وصحية، والحصول على المعرفة والتعليم، والوصول إلى الموارد الضرورية للعيش بمستوى حياة كريمة، وضمان التمتع بالحريات السياسية والاقتصادية. وهذه التنمية لا تصبح عملية متواصلة ومستديمة بدون إيجاد الحكم الرشيد أو الحكم الجيد. وترى الأمم المتحدة أن إدارة الحكم كممارسة للسلطة السياسية والاقتصادية والإدارية في تسيير المجتمع على كافة المستويات، يشمل الآليات والعمليات والمؤسسات التي من خلالها يقوم الأفراد والجماعات بالدفاع عن مصالحهم وممارسة حقوقهم والتزاماتهم. والحكم هنا يشمل الدولة التي تهيئ البيئة السياسية والقانونية المناسبة، والقطاع الخاص الذي يوفر التشغيل والدخل، والمجتمع المدني الذي يشكل إطارا للتفاعل السياسي والاجتماعي بين الناس والدولة، ووسيط للمشاركة وإيصال المطالب والتعبير عن المصالح. وترى أن الحكم الجيد يتصف بسمات معينة، حيث يقوم على المشاركة في صنع القرار من خلال مؤسسات تمثل مصالح الناس، وسيادة القانون وتنفيذه بعدالة، والشفافية في عمل مؤسسات الحكم المختلفة بحيث تتوفر المعلومات الكافية لفهم عملها. كما أن من سماته الاستجابة، بحيث تسعى المؤسسات لخدمة جميع الأطراف ومصالحهم، إضافة إلى الإنصاف وإتاحة فرص متساوية للناس جميعا بتحسين حياتهم. وضرورة أن تتصف مؤسسات الحكم بالفاعلية والكفاءة بحيث تكون نتائج أعمالها قادرة على تلبية المطالب والاحتياجات، باستخدام الموارد المتاحة بكفاءة عالية. كما أن الحكم الجيد يقوم على التوازن بين المصالح المتعددة، ويسعى لبناء توافق لتحقيق مصالح مختلف الأطراف، إضافة إلى ضرورة أن تخضع أطراف الحكم وصناع القرار فيها إلى المساءلة الداخلية والخارجية. ومن المهم أيضا أن يكون لدى أطراف الحكم رؤية طويلة الأمد للحكم الرشيد والتنمية المستدامة وشروطها واحتياجاتها والبيئة المحيطة بها”[59]

3  .  2     الحرية  توفر الأجواء للخلق والإبداع:  

ولقد عانت البشرية في مسيرتها الطويلة من الاستبداد الذي يكبت النفوس ويحولها إلى مجرد مخلوقات يائسة مستعبدة وتوصلت إلى إن أنظمة الحرية والديمقراطية والشورى هي الأجواء التي تخلق الإبداع والانجاز. إن الديمقراطية والشورى وسيلة إنسانية متطورة لاحتواء الثقافات المتنوعة لغرض تحويل الصراعات المحتمل نشوؤها، على اثر هذا التنوع والاختلاف إلى صراعات سلمية وفقا لقواعد محددة  وبما تتيحه من تنظيم قانوني يقوم على الإرادة الحرة للشعب وترسيخ قيم وأخلاقيات وتقاليد علمية، تقوم على احترام الرأي الأخر وإتاحة الفرصة للإبداع الفكري ليـأخذ دوره في الحياة العامة، وخلق نظم مؤسساتية فعالة تدعم الابتكار وإنتاج المعرفة، تتجسد ابتداء في المؤسسات التعليمية التي تشجع على التفكير النقدي الحر والتي تحفز الطلاب على نقد المسلمات الاجتماعية أو السياسية وتنمي فيهم الروح الاستقلالية وانتهاء بالمؤسسات البحثية والتطويرية التي تدعم الأنشطة الإبداعية والخلاقة.

إن الاستبداد والطغيان يتناقض مع سيادة القانون وسيؤدي إلى الفوضى وعدم الشعور بالمسؤولية في المجتمع، والى تردي الأخلاق العامة وازدواجيتها، وهو مدعاة لنمو ثقافة القسوة والنفاق والدكتاتورية وادعاء احتكار المعرفة، وتأليه الذات البشرية، وتكون نتيجته الشاذة هي إن يستحوذ القائد الأوحد أو القادة الكبار في الدولة، وهم عادة غير شرعيين لأنهم غير منتخبين أو مزورين للانتخابات، على قابلية الانفراد باتخاذ القرار، ومن ثم تكرس كل القوانين و القرارات في الدولة من اجل خدمة مصالحهم وإدامة وجودهم، من دون السماح للمواطنين بالمشاركة، أو حتى الاطلاع على الكيفية التي يتم بها صناعة القرار، وبمعنى أخر انعدام الشفافية والمساءلة، وهذا ما يفتح الباب أمام تفشى الفساد الإداري والمالي، كالمحسوبية والرشوة والاختلاس واستغلال النفوذ والاعتداء على حقوق المواطنين العامة لمصلحة فئة قليلة من الناس .

وإجمالا:”لا إبداع بدون حرية، و الحر وحده هو الذي يستطيع التعامل مع مختلف الظروف والأحوال من أجل أن يبقى سيد نفسه. لقد انهمك فلاسفة الإنسان والسياسة عبر التاريخ وحتى الآن في البحث عن حرية الإنسان لأنها هي أرضية تقدمه وعطائه وقدرته على المشاركة الحرة في أعمال المجتمع وصناعة الحضارة.[60]

3  .  3   الاستبداد يقود إلى التخلف:

يعتبر عبد الرحمن الكواكبي من الأوائل الذين شخّصوا أسباب التخلف وغياب العدالة وانهيار عوامل الرقي والتقدم, كان ذلك عبر كتابه «طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد» ولقد وضح الكواكبي تأثير الاستبداد على كل مناحي الحياة عبر عدة أبواب في كتابه أهمها  الاستبداد والعلم, والاستبداد والمجد, و الاستبداد المال, والاستبداد والأخلاق,والاستبداد والتربية, والاستبداد والترقي. ثم بحث الكواكبي في الروابط بين الاستبداد والفساد وترابطهما موضحا أن محاربة الفساد والاستبداد تقتضي صياغة وعي مختلف فما بين الفساد والاستبداد ثمة تلاقٍ في المعنى والتقاء في الممارسة، ومن هنا كان المستبد دائماً عدو «الحق» وخصم «الحقيقة» كما يرى الكواكبي وكان الفاسد إدارياً واجتماعياً وهو النقيض لكل شيء ما يذهب بعيداً في الانتماء والارتقاء [61]. وفي مجتمعاتنا اليوم هناك أعداء حقيقيون للمستقبل وللتنمية وكذلك العقل المتحرر من ثقافة الخرافة وضد كل ما من شأنه الأخذ بأسباب التقدم. وطالما ظلت ثنائية الفساد والاستبداد ضاربة أطنابها في أي منطقة فلا يمكن أن تكون هناك حالة نهوض، في ظل عقل مكبّل ومعاق، أو مطارد وجسد مشلول وتنمية تفتقر إلى نظافة اليد وإلى نظافة السلوك.[62]

3  .  4   ركود التنمية كنتيجة للاستبداد :

إن ركود التنمية وانهيارها، ما هو إلا نتيجة طبيعية ومنطقية لممارسات تلك الأنظمة المستبدة وللقمع الشديد ضد المواطنين وطلائعهم المثقفة. إن الشعوب في ظل مثل هذه الأنظمة لن تكون قادرة على مواجهة مشاكلها التنموية. فالنظم الاستبدادية تقتل في شعوبها إرادة التفكير والتطوير والإبداع وتخلق مجتمعا متأزما. وأسير الاستبداد “يعيش خاملا فاسدا ضائع القصد، حائرا لا يدري كيف يميت ساعاته وأوقاته. فهيمنة الاستبداد يحرم الشعوب من الطاقة الحركية التي تدفعها لبناء ذاتها وهي طاقة الحرية المسئولة والقدرة الإبداعية على الابتكار الصحيح والتفكير العلمي الممنهج والتعبير السليم. فالاستبداد والتسلط هو شيء أعمى يسير عكس حركة التاريخ والحضارة والحياة الإنسانية الطبيعية, لأنه يقف على طرف نقيض من حرية الإنسان ومن قدرته على تحقيق الاختيار السليم، بل إنه يشل طاقة التفكير واستخدام العقل والفطرة الصافية عند الإنسان، ويجعله أسيرا بيد الجهل والتخلف, وهنا تقع الكارثة الكبرى عندما يفقد هذا الإنسان حريته لأنه يفقد معها كل شيء جميل في الحياة، إنه يفقد العزة والكرامة والأخلاق والعلم، وبالتالي يكون مصيره الموت المحتم أو العيش على هامش الحياة والوجود[63].

 يقول أرسطو: “إن الغاية النهائية للطاغية كي يحتفظ بعرشه هي تدمير روح المواطنين وجعلهم عاجزين عن فعل أي شيء إيجابي”[64]  و”عملية التنمية بحاجة إلى مشاركة واسعة من الجماهير وقناعة راسخة من خلال عملية إدماج طوعي للانخراط الفاعل والواعي في وتيرة التطور الحضاري والتنموي, بحيث تتم استثارة كوامن الجماهير وطاقاتها الذاتية للإبداع والإنتاج والمنافسة, ومن المؤكد إن الدولة لن تستطيع إن تكون منجزة ما لم تحظ بالشرعية المستقرة من خلال إشراك مواطنيها وتفعيل مسؤولياتهم من خلال نظام سياسي مدني شرعي يحظى برضا الناس ويحمل طموحات المجتمع ويعمل على تلبيتها, فتتحول الدولة من مجرد ارث شخصي ثابت لفئة معينة إلى مركز حيوي لخدمة المجتمع ككل, وبذلك تستطيع أي امة إن تبحر في الإطار الشامل للتنمية”[65].

  وتعتبر قضية انتشار وتفشي الفساد في المجتمعات التي تعاني من قمع الحرية وتسلط المستبدين عليها إحدى ابرز المشكلات التي تواجهها هذه المجتمعات وتحول بينها وبين التنمية الشاملة, والمدخل السياسي هو الطريق الذي يوصل إلى تفشي الفساد في المظاهر الأخرى الاقتصادية والاجتماعية والإدارية في المجتمع, فالفساد عندما يبدأ سياسيا ينتشر بسرعة في كل المستويات ويتحول إلى مؤسسة بكل ما للكلمة من معنى, وأرقام ومؤشرات الفساد في دول العالم تشير بشكل واضح إن الدول التي تحكمها أنظمة دكتاتورية تحصل على أعلى المستويات في مؤشرات الفساد, وكلما كان النظام السياسي يتمتع بالشفافية والرقابة الشعبية والحرية كلما أصبحت مشكلة الفساد محدودة جدا وبالتالي تحدث التنمية المستدامة المتعددة الأبعاد فهي تنمية تشمل الاقتصاد كما تشمل الجوانب الثقافية والاجتماعية وتساهم بخلق قيم المشاركة والعدالة الاجتماعية.

3  .  5    آثار الاستبداد والفساد على التنمية:

وكما أسلفنا تمثل ثنائية الاستبداد والفساد تحدياً خطيراً في وجه التنمية.  فتقوض الحرية والمشاركة وتخلق أزمة التوزيع وتدمر المؤسسات وبالتالي تدمر قيم المجتمع الايجابية كالثقة والتسامح والصدق والقبول بالآخر والتعددية لصالح قيم سلبية بديلة كالنفاق والتعصب والكذب, وتنعكس الآثار على التنمية الاقتصادية لتحبطها, وإجمالا يمكن القول إن هذه الثنائية من الفساد والاستبداد تؤدي إلى سلسلة من الآثار المدمرة على كل الصعد نلخصها بالاتي:

ترسيخ التنمية غير المتوازنة:
في حالة دخول الأموال الفاسدة في الدورة الاقتصادية فإنها تتركز في العاصمة و المدن الكبيرة الأخرى لتواجد الفاسدين في هذه المدن فيحرم الريف من عائداتها بالرغم من فسادها فتترسخ التنمية غير المتوازنة.[66]

 توظيف الأموال الفاسدة في الاستهلاك البذخى:
إن جزءاً من الأموال التي يستحوذ عليها الفاسدون تحول إلى الاستهلاك البذخى نتيجة للقيم التي تسيطر عليهم مثل المغالاة في المتع الحسية والتباري في المظاهر المادية  من عربات وحلى ومساكن فاخرة وأثاث فالمال الذي يأتي سهلاً دون عناء وعمل يذهب في الصرف السهل وهذا يؤثر على أنماط الاستهلاك العامة ولهذا أثره الاجتماعي القيمى على رأس المال الاجتماعي وروح التضامن والتكافل والثقة في المجتمع ويصنع قدوة سيئة للآخرين.

 

هجرة الكفاءات:
وينطلق هؤلاء إلى أصقاع الأرض لان بلدانهم لا تضع الرجل المناسب في المكان المناسب والفساد المستشري يمنع آفاق الاستثمار فتنخفض فرص الاستخدام فيهاجر المهنيون إلى الخارج خاصة وان طبيعة عملهم العلمي المهني لا تسمح لهم بمجاراة ممارسات الفساد.[67]

تدهور التنمية الاقتصادية :
إن الفساد يزيد من تكلفة الاستثمارات وبالتالي يقلل من كفاءة رأس المال ويغيب الشفافية، حيث يتعارض مع وجود بيئة تنافسية حرة والتي تشكل شرطا أساسيا لجذب الاستثمارات المحلية والخارجية على حد سواء مما يدفع المستثمرين للهروب والى هروب رؤوس الأموال المحلية، وهو ما يؤدي إلى ضعف عام في توفير فرص العمل ويوسع ظاهرة البطالة والفقر, كما يحدث  هدر الموارد بسبب تداخل المصالح الشخصية بالمشاريع التنموية العامة، والكلفة المادية الكبيرة للفساد على الخزينة العامة كنتيجة لهدر الإيرادات العامة.

إحلال المصالح الخاصة محل العامة:
إن الفساد والاستبداد يحلان المصالح الخاصة محل المصالح العامة كما يقضى على الثقة والمصداقية في مؤسسات الدولة بسبب عدم المساواة في معاملات المواطنين مع أجهزة الدولة ومراكز اتخاذ القرار فيها. وهو بذلك يقضى على الحكم الراشد والمحاسبة والشفافية وحكم القانون وحقوق الإنسان كما يهدد المجتمع المدني الذي تقوم مبادئه على الشفافية والمحاسبة والاستقلالية وعلى المساواة و تنخفض المقدرة التنافسية التي تسلب القطاع الخاص مقدرته وكفاءته في تخصيص الموارد على أساس آليات السوق فيتم تخصيص الموارد على أساس علاقات الفساد وعلاقات القرابة والصداقة والولاء السياسي والمصالح الفردية. [68]

 

القضاء على الشرعية العلمية والمهنية في السياسة واتخاذ القرار:

في أنظمة الاستبداد  يقضى على الأسلوب العلمي والمهنية في اتخاذ القرار ويغيب دور العلماء والمهنيين في التحضير لاتخاذ القرار على أساس البحث العلمي والطرق العلمية في اتخاذ القرار إذ تخضع القرارات للمصالح الخاصة والنزوات الشخصية للأفراد أو الشرائح الاجتماعية المهيمنة على مواقع اتخاذ القرار فيتدهور النظام الادارى نتيجة للفساد وأثره على النظام السياسي ونظام الحكم .

تدهور التنمية الاجتماعية :

إن الفساد ينخر في رأس المال الاجتماعي, حيث يؤدي الفساد إلى خلخلة القيم الأخلاقية والى الإحباط وانتشار اللامبالاة والسلبية بين أفراد المجتمع، وبروز التعصب والتطرف في الآراء وينشر ويرسخ لقيم الأنانية واحتقار العمل وإتقانه وكفاءته كمصدر أساسي للثروة وكقيمة ومعيار للسلوك فينتشر التوجه إلى الفساد والغش والتدليس والمراوغة وتنتشر الجريمة كرد فعل لانهيار القيم وعدم تكافؤ الفرص.[69] كما يؤدي الفساد إلى انعدام المهنية وفقدان قيمة العمل والتقبل النفسي لفكرة التفريط في معايير أداء الواجب الوظيفي والرقابي وتراجع الاهتمام بالحق العام. والشعور بالظلم لدى الغالبية مما يؤدي إلى الاحتقان الاجتماعي وانتشار الحقد بين شرائح المجتمع وانتشار الفقر وزيادة حجم المجموعات المهمشة والمتضررة وبشكل خاص النساء والأطفال والشباب كما يؤدي إلى خلق جو من النفاق السياسي كنتيجة لشراء الولاءات السياسية,كما تغيب الثقة بالمؤسسات العامة .[70]

فالنسق الاستبدادي نسق متعفن بالكامل ويحمل معه تعفنات خطيرة في أخلاق الناس وهو كنسق متكامل يفرز منظومة قيم تخدمه وتتكامل معه،ومثل هكذا نسق لن يخدمه إلا رجال مفترون مثله ومن لا يكون كذلك سيطيح به النسق ويلفظه فورا أو بعد حين.

المصدر: الشبكة العربية العالمية

 

قائمة المراجع :

أ-  الكتب:

1-   القران الكريم.

2- ابن منظور- لسان العرب.

3- الفيروز آبادي -القاموس المحيط.

4-  برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، إدارة الحكم لخدمة التنمية البشرية المستدامة، وثيقة للسياسات العامة، نيويورك، كانون ثاني، يناير 1997.

5-  برهان غليون, مجتمع النخبة, ط1 1986 م, معهد الإنماء العربي.

6- حسن محمد وجيه، مقدمة في علم التفاوض الاجتماعي والسياسي,عالم المعرفة.

7-  حليم بركات، “المجتمع العربي في القرن العشرين، ط 1,2001 م  بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية.

8- خلدون حسن النقيب “الدولة التسلطية في المشرق العربي المعاصر. دراسة بنائية مقارنة” ط3, 2004, مركز دراسات الوحدة العربية, بيروت، 1991.

9- راسم محمد الجمال، الاتصال والإعلام في الوطن العربي, بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 1991.

10-  طارق علي جماز, التنمية الاقتصادية والبشرية , الأكاديمية العربية بالدنمارك, كلية الإدارة والاقتصاد.

11- عبد الرحمن الكواكبي, طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد,  نسخة الكترونية.

12- محمد الغزالي, الفساد السياسي في المجتمعات العربية والإسلامية,2005 م, نهضة مصر للطباعة والنشر والتوزيع.

13- منصف المرزوقي, عن أي ديمقراطية يتحدثون, ط1,المؤسسة العربية الأوروبية للنشر.

14-   اليونسكو، دليل عمل العقد العالمي للتنمية الثقافية 1988-1997.

ب- مجلات فصلية:

1- حسن حنفي، “قراءة جديدة للكواكبي في: طبائع الاستبداد ومصارع العباد”، وجهات نظر، العدد 37، (فبراير 2002).

2محمد الحسن بريمة ,رؤية إسلامية مقاصدية في التنمية الاجتماعية , فصلية إسلامية المعرفة ,السنة السابعة, العدد 26, خريف 2001,المعهد العالمي للفكر الإسلامي.

3- نبيل علي الصالح, الحرية والديمقراطية: ثنائية التطوير في بناء الدولة, فصلية المنهاج, السنة 15, العدد 59.

ت – مواقع الشبكة العنكبوتية :

1- إبراهيم العبادي, دولة الريع البوليسية وثقافة التواكل,موقع صحيفة صوت الحرية على الرابط: http://www.baghdadtimes.net

2- احمد الدغشي, التمرد على الاستخفاف بداية الخلاص, موقع ينابيع تربوية على الرابط: http://www.yanabeea.net/

3- احمد عائل الفقيهي, الفساد والاستبداد, موقع الحوار المتمدن على الرابط: http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=197199

4- اسعد عبد الرحمن , الاستبداد وحكم التغلب في أنظمة الحكم العربية المعاصرة, على الرابط :  http://www.aljazeera.net/NR/exeres/

5- أسماء حسين محمد أدم, لتعليم في المجتمعات المتخلفة ما بين مطرقة الثقافة الاستبدادية وسندان التقليدية, http://edutrapedia.illaf.net/arabic/show_article.thtml?id=761&print=true

6-  ثناء فؤاد عبد الله, آليات الاستبداد وإعادة إنتاجه في الواقع العربي, http://www.aljazeera.net/NR/exeres/-

7- جامعة عين شمس, قسم الدراسات الفلسفية, معجم الفلسفة, http://adab.niceboard.com/t2348-topic

8- سامر المؤيد,الفساد الإداري: صور شتى , شبكة النبأ على الرابط: http://www.annabaa.org/nbanews/

9- سامر نصر, اثر الفساد على عملية الإصلاح في سورية, موقع الحوار المتمدن على الرابط: http://www.ahewar.org/

10-  سليمان صالح , لماذا يرتبط الفساد بالاستبداد, المركز الفلسطيني للإعلام على الرابط التالي: http://www.palestine-info.info/

11-عبد الحميد أبو سليمان –شكالية الاستبداد والفساد في الفكر والتاريخ السياسي الإسلامي موقع (المعهد العالمي للفكر الإسلامي- http://www.veecos.net/portal/index.php?option=com_content&view=article&id=1

12-  عبد الستار قاسم, الأحرار يصنعون الخبز يا عباس, 20\10\2006, موقع الكاتب على الرابط : http://www.grenc.com/a/Akassem/show_

13-علي عبد الرضا,إنتاج الاستبداد, شبكة النبأ http://www.annabaa.org/nba46/estibdad.htm

14-غازي دحمان, عرض كتاب سلطة الاستبداد والمجتمع المقهور, على الرابط: http://www.gulfson.com/vb/f25/t76775/

15-فؤاد البنا , دور الاستبداد السياسي في تخلف الأمة , http://www.yemen-sound.com/vb/

16-قناة الجزيرة , برنامج بلا حدود , مقابلة مع  هوجيت لابيل رئيسة منظمة الشفافية الدولية , 9/12/2009 على الرابط التالي : http://www.aljazeera.net/NR/exeres

17-محمد الرميحي , التنمية الشاملة و التنمية السياسية ,على الرابط : www.alrumaihi.info/tanmy

18-محمد عبد الرحمن يونس , الأستاذ الجامعي والجامعات العربية المعاصرة آلية الاستبداد والفساد , شبكة النبأ : http://www.annabaa.org/nbanews

19- محمد هلال الخليفي , جذور الاستبداد في الحياة السياسية العربية المعاصرة,  http://www.aljazeera.net/NR/exeres/

20-محمد السوقي عبد العليم,الفساد الإداري أسبابه وآثاره ,على الرابط : http://eldesuky.maktoobblog.com/363/

21-محمد المهدي, سيكولوجية الاستبداد,على الرابط التالي: http://www.elazayem.com/new_page_57.htm

22-مروة كريديه – مثقف السلطة في الأنظمة الاستبدادية بوق أيديولوجي ومُشرّع للفساد- على الرابط :  http://www.diwanalarab.com/

23-ناصرعبيد الناصر,من أين يبدأ الفساد وأين ينتهي, شبكة النبأ,على الرابط:http://www.annabaa.org/

24-هيثم مناع,ساعة الحقيقة, موقع الجزيرة نت على الرابط:http://www.aljazeera.net/NR/exeres/

25-متلازمة الاستبداد والفساد وثنائية الوصل والفصل, بدون كاتب, على الرابط: http://blacksteed.jeeran.com/

 

 

 

[1] – عبد الرحمن الكواكبي , طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد ,  نسخة الكترونية ,  ص 7

[2] – حسن حنفي، “قراءة جديدة للكواكبي في: طبائع الاستبداد ومصارع العباد”، وجهات نظر، العدد 37، (فبراير 2002)، ص 30 .

[3]  –  خلدون حسن النقيب “الدولة التسلطية في المشرق العربي المعاصر.. دراسة بنائية مقارنة” ط 3  ,2004 , بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 1991 ص 23-24.

[4] – المصدر السابق نفسه ص 23 .

[5] – ثناء فؤاد عبد الله, آليات الاستبداد وإعادة إنتاجه في الواقع العربي, http://www.aljazeera.net/NR/exeres/-

[6]- محمد هلال الخليفي , جذور الاستبداد في الحياة السياسية العربية المعاصرة , موقع الجزيرة على الرابط : http://www.aljazeera.net/NR/exeres/

[7] القران الكريم , سورة الفجر, الآيات : 11-12

[8] القران الكريم , سورة طه , الآية :24

[9] محمد هلال الخليفي– جذور الاستبداد في الحياة السياسية العربية المعاصرة-مصدر سبق ذكره .

[10] -. محمد هلال الخليفي– جذور الاستبداد في الحياة السياسية العربية المعاصرة-مصدر سبق ذكره

[11] جامعة عين شمس , قسم الدراسات الفلسفية, معجم الفلسفة , http://adab.niceboard.com/t2348-topic

 [12] هيثم مناع ,ساعة الحقيقة , موقع الجزيرة نت على الرابط : http://www.aljazeera.net/NR/exeres/

[13] – منصف المرزوقي , عن أي ديمقراطية يتحدثون , ط1 ,المؤسسة العربية الأوروبية للنشر , ص62-63 .

– [14]ابن منظور , لسان العرب ,ج3 ، ص 336.

 – [15] الفيروز آبادي, القاموس المحيط ص 444.

[16] سامر المؤيد ,الفساد الإداري : صور شتى , شبكة النبأ على الرابط : http://www.annabaa.org/nbanews/

[17] سامر نصر , اثر الفساد على عملية الإصلاح في سورية , موقع الحوار المتمدن على الرابط : http://www.ahewar.org/

[18] -متلازمة الاستبداد والفساد وثنائية الوصل والفصل , بدون كاتب , على الرابط : http://blacksteed.jeeran.com/

[19]  اليونسكو، دليل عمل العقد العالمي للتنمية الثقافية 1988-1997، ص 8

[20]- محمد الرميحي , التنمية الشاملة و التنمية السياسية ,على الرابط : www.alrumaihi.info/tanmy

[21] – محمد الحسن بريمة ,رؤية إسلامية مقاصدية في التنمية الاجتماعية , فصلية إسلامية المعرفة ,السنة السابعة , العدد 26 , خريف 2001,المعهد العالمي للفكر الإسلامي , ص 64-65

[22] – عبد الحميد أبو سليمان –شكالية الاستبداد والفساد في الفكر والتاريخ السياسي الإسلامي موقع (المعهد العالمي للفكر الإسلامي- http://www.veecos.net/portal/index.php?option=com_content&view=article&id=1

[23] سليمان صالح , لماذا يرتبط الفساد بالاستبداد , المركز الفلسطيني للإعلام على الرابط التالي : http://www.palestine-info.info/

[24] – إبراهيم العبادي ,دولة الريع البوليسية وثقافة التواكل , صحيفة صوت الحرية على الرابط : http://www.baghdadtimes.net

[25] – ثناء فؤاد عبد الله, آليات الاستبداد وإعادة إنتاجه في الواقع العربي,   مصدر سبق ذكره

[26] – حليم بركات، “المجتمع العربي في القرن العشرين، ط 1 ,2001 م  بيروت  : مركز دراسات الوحدة العربية –  ص 35

[27] – حسن محمد وجيه، مقدمة في علم التفاوض الاجتماعي والسياسي,عالم المعرفة ص 267

[28] – قناة الجزيرة , برنامج بلا حدود , مقابلة مع  هوجيت لابيل رئيسة منظمة الشفافية الدولية   9/12/2009 على الرابط التالي : http://www.aljazeera.net/NR/exeres

[29] — ثناء فؤاد عبد الله, آليات الاستبداد وإعادة إنتاجه في الواقع العربي, مصدر سبق ذكره

[30] – حسن محمد وجيه، مقدمة في علم التفاوض الاجتماعي والسياسي ،مصدر سبق ذكره , ص 167 – 180

[31] – عبد الرحمن الكواكبي , طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد  , ص 56

[32] -غازي دحمان , عرض كتاب سلطة الاستبداد والمجتمع المقهور , على الرابط : http://www.gulfson.com/vb/f25/t76775/

[33] -القران الكريم , القصص : 38 .

[34] – برهان غليون , مجتمع النخبة , ط11986 م , معهد الإنماء العربي , ص 288

[35] – محمد المهدي , سيكولوجية الاستبداد , على الرابط التالي : http://www.elazayem.com/new_page_57.htm

[36] – القران الكريم , الزخرف , الآيات 54 – 56 .

[37] – احمد الدغشي , التمرد على الاستخفاف بداية الخلاص , موقع ينابيع تربوية على الرابط : http://www.yanabeea.net/

[38] – محمد المهدي , سيكولوجية الاستبداد , مصدر سبق ذكره

[39] – محمد المهدي , سيكولوجية الاستبداد , مصدر سبق ذكره

[40] – القران الكريم , الزخرف : 54

[41] -القران الكريم , الفجر10-12

[42] – محمد المهدي , سيكولوجية الاستبداد , مصدر سبق ذكره

[43] – ثناء فؤاد عبد الله, آليات الاستبداد وإعادة إنتاجه في الواقع العربي, مصدر سبق ذكره

[44] راسم محمد الجمال، الاتصال والإعلام في الوطن العربي , بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 1991 ، ص 70-71.

[45] مروة كريديه – مثقف السلطة في الأنظمة الاستبدادية بوق أيديولوجي ومُشرّع للفساد- http://www.diwanalarab.com/

[46] – علي عبد الرضا , إنتاج الاستبداد ,  شبكة النبأ  http://www.annabaa.org/nba46/estibdad.htm

[47] – برهان غليون , مجتمع النخبة , مصدر سبق ذكره  , ص 254

 [48]: أسماء حسين محمد أدم , لتعليم في المجتمعات المتخلفة ما بين مطرقة الثقافة الاستبدادية وسندان التقليدية , http://edutrapedia.illaf.net/arabic/show_article.thtml?id=761&print=true

[49] – محمد عبد الرحمن يونس , الأستاذ الجامعي والجامعات العربية المعاصرة آلية الاستبداد والفساد , شبكة النبأ : http://www.annabaa.org/nbanews

[50] – علي عبد الرضا , إنتاج الاستبداد ,مصدر سبق ذكره

[51] – فؤاد البنا , دور الاستبداد السياسي في تخلف الأمة , http://www.yemen-sound.com/vb/

[52] -محمد الغزالي , الفساد السياسي في المجتمعات العربية والإسلامية,2005 م , نهضة مصر للطباعة والنشر والتوزيع  ,ص 121

[53] – القران الكريم , القصص 8.

[54] – القران الكريم , القصص 40

[55] – برهان غليون , مجتمع النخبة ,مصدر سبق ذكره  , ص 292

[56] – علي عبد الرضا , إنتاج الاستبداد ,  مصدر سبق ذكره

[57] – ناصر عبيد الناصر ,من أين يبدأ الفساد وأين ينتهي , شبكة النبأ , على الرابط : http://www.annabaa.org/

[58]  – طارق علي جماز , التنمية الاقتصادية والبشرية , الأكاديمية العربية بالدنمارك , كلية الإدارة والاقتصاد ص 78 .

[59] – برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، إدارة الحكم لخدمة التنمية البشرية المستدامة، وثيقة للسياسات العامة، نيويورك، كانون ثاني، يناير 1997، ، ص  5- 10.

[60] – عبد الستار قاسم , الأحرار يصنعون الخبز يا عباس , 20\10\2006 , موقع الكاتب على الرابط : http://www.grenc.com/a/Akassem/show_

[61] – عبد الرحمن الكواكبي , طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد , نسخة الكترونية ,

[62] – احمد عائل الفقيهي , الفساد والاستبداد , موقع الحوار المتمدن على الرابط : http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=197199

[63] – اسعد عبد الرحمن , الاستبداد وحكم التغلب في أنظمة الحكم العربية المعاصرة, على الرابط :  http://www.aljazeera.net/NR/exeres/  

[64] – المصدر السابق نفسه .

[65] نبيل علي الصالح , الحرية والديمقراطية : ثنائية التطوير في بناء الدولة , فصلية المنهاج , السنة 15 , العدد 59 , ص : 105-107 .

[66] – طارق علي جماز , التنمية الاقتصادية والبشرية , الأكاديمية العربية بالدنمارك , كلية الإدارة والاقتصاد ص 81 .

[67] – المصدر السابق نفسه   ص 82 .

[68] – المصدر السابق نفسه  ص 79 .

[69] – المصدر السابق نفسه  ص 80 .

[70] – محمد السوقي عبد العليم ,الفساد الإداري أسبابه وآثاره ,على الرابط : http://eldesuky.maktoobblog.com/363/

  

من ميزات الدول التي تهيمن فيها السلطة الاستبدادية استشراء الفساد في مختلف مفاصلها، ونظراً لأنّ الفساد ينشأ ويترعرع في أدوات وبنى سلطة الاستبداد الفوقية، وبطانتها والموالين والمقربين منها،

تصبح العلاقة بين الفساد والاستبداد عضوية، ويصبح كل شخص أو هيئة أو فئة غير فاسدة عدواً لسلطة الفساد، التي تبني وتّولد شبكة أخطبوطية لحماية نفسها، وترويع من يتجرأ على انتقادها، ويصبح أي تغيير أو إصلاح بمثابة نافذة تهدد مصالح الفاسدين المحميين بآلة القمع السلطوية، التي تعمل على نشر ثقافة الفساد وتقديس السلطة التي تحميه، يساعدها في ذلك وسائل الإعلام التي تهيمن عليها، وأبواق بعض المثقفين وأصحاب الأقلام المأجورة, التي تصور الوضع الاجتماعي والاقتصادي والسياسي على أنّه في أفضل حال، فلا أزمات اقتصادية، ولا سياسية، أوثقافية. كما تمتاز المجتمعات التي تحكمها السلطات الاستبدادية بالركود والأزمات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، والتفاوت الكبير في توزيع الدخل. ووجود فئة طفيلية فاسدة قليلة تستحوذ على معظم الثروة من أراضٍ وعقارات وأموال، وثروات مع الجاه والنفوذ، وتتحالف مع السلطة السياسية التي تحول البلاد إلى مزارع خاصة بأفراد الحاشية ، بينما تعاني الغالبية من الحرمان والفقر فضلاً عن غياب مشاركتها السياسية, وهكذا مع تعمق الفجوة بين الأغنياء والفقراء، تغيب الحريات ، ويتدني وضع حقوق الإنسان وتنعدم الروح الإبداعية  الخلاقة وتنهار القيم الأصيلة لصالح قيم الانحطاط وتتدهور التنمية وتنكمش .

إن الحرية والتنمية مفهومان متصلان ومترابطان والتاريخ والواقع يثبتان إن التجارب التي يجري فيها الفصل بين الحرية والتنمية تنتهي بالفشل فهذان المفهومان يرسخان بعضهما البعض, إن غياب الحرية والرقابة والمشاركة الشعبية سيؤدي حتما إلى غياب العدالة وحكم القانون وهو الأمر الذي سيقود إلى تعزيز الإدارة السيئة والفساد, ففي ظل الأنظمة المستبدة تسود قيم الشخصانية والارتجال والتفرد والاستئثار من قبل الجماعة المتحكمة والمالكة للقرار السياسي, وتطغى على النظام نزعة المركزية الشديدة وتبهت سلطة القانون ونظم الرقابة والمساءلة وتتحول الفئة المستبِدة إلى هيئة فوق القانون وفوق الدستور ولا تسمح حتى بتوجيه النقد لها, وتلجأ لتثبيت سيطرتها إلى وسائل الاحتواء والترغيب والترهيب وتقاسم المكاسب والإقصاء والتهميش والقمع حسب الحالة التي تواجهها.

ب-  مشكلة البحث:

يعد الاستبداد السياسي وما يشمله من حرمان فئات المجتمع من عملية المشاركة السياسية وتهميش دورها في عملية صناعة القرار أحد أهم الروافد التي تصنع وتغذى الكثير من المشكلات التي يعانيها المجتمع وتحاول هذه الدراسة إلقاء الضوء على العلاقة المتبادلة بين الاستبداد السياسي والفساد  وتأثيرهما على التنمية بمفهومها الشامل.

حيث ستبحث الدراسة تفاعل الاستبداد والفساد اللذين يجعلان من الدولة وأجهزتها مجرد خدم ومنفذين لما يحقق مصالح الطبقة أو الفئة الحاكمة المستبدة الفاسدة .

ت –  أسئلة البحث:

السؤال المركزي الذي يدور محور البحث حوله هو: ما أثر الاستبداد والفساد كثنائية متلازمة في إفشال التنمية ؟

ث –  فرضية البحث:

تفترض الدراسة إن السبب الرئيسي لظهور الفساد في المجتمعات هو غياب الحرية واستبداد النظام السياسي, بحيث يتملك السلطة والنفوذ والمال ووسائل الإنتاج وسلطة القانون والسلطات التنفيذية والتشريعية والقوة الأمنية والعسكرية فهو يحوز جميع مصادر القوة في المجتمع. وفي ظل هذه الأجواء تغيب الشفافية والمحاسبة, ويزدهر الفساد بكل أشكاله وتنشأ عن ذلك ثقافة جديدة تقوم على النفعية والانتهازية والواسطة وعدم تكافؤ الفرص وغياب الإخلاص. وهذه الأجواء التي يخلقها الاستبداد والفساد تتكاملان معا لتطيحا بالتنمية في المجتمع.

  1. 1     المحور الأول  :   المفاهيم

1  . 1    مفهوم الاستبداد :

الاستبداد  لغة هو “غرور المرء برأيه والأنفة عن قبول النصيحة أو الاستقلال في الرأي وفي الحقوق المشتركة”[1]. كذلك نجد تعريفا آخر للاستبداد يسجله حسن حنفي وهو ” الحكم الذي لا توجد بينه وبين الأمة رابطة معينة معلومة مصونة بقانون, ولا عبرة فيه بيمين أو عهد أو دين أو تقوى أو حق وشرف أو عدالة ومقتضيات المصلحة العامة” [2] والاستبداد كمصطلح، استخدمه خلدون النقيب “للتفرقة بين الحاكم الذي يلتزم بالقانون قولا وفعلا، والحاكم الذي يكون قوله وفعله هو القانون” [3]. وقد يكون الحكم الاستبدادي فرديا أو حكم جماعة، ولكنه يتضمن في كلا الحالتين “الاحتكار الفعال لمصادر القوة والسلطة في المجتمع”[4] وتُبين ثناء عبد الله إن الاستبداد ” صفة لحكومة مطلقة العنان, تتصرف كما تشاء, وهو ضد الحرية ويسد أبواب المشاركة في إدارة شؤون الحياة. ويسمح الاستبداد بتوثيق العلاقة بين الدين والسياسة ورجال المال لاستبعاد وإقصاء الخارجين عن دائرتهم” .[5] ويوضح محمد هلال الخليفي مصطلح الاستبداد السياسي قائلا:  “عندما نصف الاستبداد بـ “السياسي” فإننا نعني به الانفراد بإدارة شؤون المجتمع السياسي من قبل فرد أو مجموعة أفراد دون بقية المواطنين. ويكتسب الاستبداد معناه السيئ في النفس ليس من صفة الانفراد وحدها، بل أيضا من كونه اغتصابا واحتكاراً لحق مشترك مع آخرين. فالاستبداد السياسي يفترض ابتداء وجود علاقة بين طرفين متساويين في الحقوق والواجبات العامة، ينفرد أحدهما (بالحقوق المشتركة= إدارة شؤون المجتمع السياسي) دون الآخر, فالسمة الجوهرية في الاستبداد هي “الانفراد دون وجه حق”[6].

1 . 1 . 1    الطغيان والدكتاتورية والشمولية أوجه عديدة للاستبداد    :

لقد عُرِِف الاستفراد بالسلطة والتحكم في رقاب الناس والاستئثار بخيراتهم في تاريخه بأسماء مختلفة ليس الاستبداد  إلا واحدا منها. وربما عُد مفهوم الطغيان من أقدم المفاهيم التي اختلطت بمفهوم الاستبداد، حيث استُخدما للإشارة إلى أنظمة الحكم التي تسرف في استخدام القوة في إدارة السلطة والسيطرة  السياسية التامة بوساطة حاكم فرد. ” الذين طغوا في البلاد فأكثروا فيها الفساد ” [7], ” اذهب إلى فرعون انه طغى ” [8]. وفي العصر الحديث أُستخدم مفهوم الدكتاتورية( كلمة أجنبية تعني الإملائية )  ليدل “على حالة سياسية معينة، تصبح فيها جميع السلطات بيد شخص واحد، يمارسها حسب مشيئته”[9]، ومن المفاهيم الحديثة التي تفيد معنى الاستبداد مفهوم الشمولية، وهو يتفق مع المفاهيم السابقة في سيطرة فرد أو مجموعة أفراد على الحكم، ويختلف عنها في أنه يسعى إلى صهر أفراد المجتمع في بوتقة أيديولوجية واحدة.”[10] والشمولية عموما تعني منهج حياة ثابت ويتم تطبيقه في كافة مناحي الحياة .

1 . 1 . 2   الدولة الاستبدادية :

يعرف معجم الفلسفة الدولة  الاستبدادية بأنها الدولة ” التي يهدر فيها مبدأ المشروعيّة وتشبع نهم طبقة حاكمة متغطرسة باغيّة”[11] ويوضح هيثم مناع مواصفات دولة الاستبداد حيث تتسم “ بتأميم السلطة التنفيذية للفضاء ين العام والخاص والسلطات التشريعية والقضائية والرابعة، واعتبار المال العام مزرعة خاصة لبطانة الحاكم، ورفض فكرة وحقوق المواطنة، وربط الدفاع عن حقوق الناس بالخارج والمؤامرة، والتعامل الأمني في كل القضايا السياسية والمدنية، وفرض سياسات اقتصادية واجتماعية من فوق يتخللها مكارم للحكام من وقت لآخر لا تغني عن فقر ولا تستجيب لحاجات التنمية، تجهيل المجتمع، اختزال مفهوم السيادة في طمأنة القوى الكبرى بأن مصالحها ومطالبها في قمة أجندة قمة السلطة”[12].أما منصف المرزوقي فيبين إن الدولة الاستبدادية تنطلق من مسلمات أساسية أهمها أن ” الإنسان لا عقلاني وان الطاعة والقوة هما الركائز الأساسية للنظام ومصدر الشرعية هو الحاكم المستبد والناس ليسوا سوى رعايا والحقوق منة من الدولة ” ولذلك يرتفع منسوب الظلم والعنف الاجتماعي ويتضخم نفوذ الأمن وينعدم التداول السلمي للسلطة وتصادر الحريات وتكون المؤسسات التمثيلية زائفة وهدفها هو خدمة الطبقة الحاكمة, وتكون فعالية المؤسسات عموما محدودة لان الولاء هو ما يتم اعتماده عند التوظيف وليس الكفاءة .[13]

 1 . 2   مفهوم الفساد :

الفساد في لسان العرب هو في (فسد) ضد صَلُحَ (والفساد) لغة البطلان، فيقال فسد الشيء أي بطُلَ واضمحل، ويأتي التعبير على معانٍ عدة بحسب موقعه. فهو (الجدب أو القحط) كما في قوله تعالى (ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون) (سورة الروم الآية41) أو (الطغيان والتجبر) كما في قوله تعالى (للذين لا يريدون علواً في الأرض ولا فساداً) (سورة القصص الآية83) .[14]

وقال الفيروز آبادي في “القاموس المحيط”: “فَسَد كعَصَرَ، والفساد: أخذ المال ظلماً، والمفسدة ضد المصلحة، وتفاسد القوم يعني تقاطعوا الأرحام [15].

ومن الواضح أن الفساد جاء في اللغة مقابلاً للصلاح، وأنه يفيد الخروج عن الاعتدال، وأن المفسدة ضد المصلحة .أما في الاصطلاح فهناك اتجاهات متعددة لتعريفه إلا أنها تتفق في كون الفساد يتضمن إساءة استعمال السلطة العامة أو الوظيفة العامة للكسب الخاص.

فيعرف على أنه:”استخدام النفوذ العام لتحقيق أرباح أو منافع خاصة. ويعرف أيضا على أنه سوء استخدام الموقع العام (الوظيفة العامة) من قبل مسئول للحصول على مصلحة خاصة لنفسه أو لعائلته أو مجموعته أو حزبه.[16] وتعرّف منظمة الشفافية(منظمة دولية غير حكومية تأسست عام 1993، ترصد الفساد في العالم ) الفساد بأنه “استغلال السلطة من أجل المنفعة الخاصة”.[17]

وتجدر الإشارة إلى تنوع مظاهر الفساد بشكل عام وتفرعه ضمن مجالات شملت مختلف مظاهر النشاط الإنساني، ومن هذه المجالات الفساد السياسي وتتمثل مظاهره بالحكم الشمولي الاستبدادي وفقدان الحرية، وغياب المشاركة، وانتشار المحسوبية  والفساد المالي والفساد الأخلاقي والفساد الإداري.

1 . 2 . 1   الاستبداد هو الفساد الأكبر :

السلطة أشبه بمورد عام تملكه الأمة بالتساوي بحيث لا يجوز لواحد استغلاله دون الآخرين أو حتى الجلوس منهم بمقام من يضطلع بدور تقسيم استغلاله عليهم والحكم بينهم ما لم يفوضوه هم برضاهم تفويضا مقيدا بكيفية ومحددا بمدة, ولا حجة بالقول انه قد مارس ذلك الدور بحكمة وقسم بينهم بالعدل مثلا  ما دام أن هذا الدور من الأساس ليس من حقه وهكذا نحكم بوجود الاستبداد عند وجود الاستئثار بالسلطة.  وفي هذه الحالة فالاستبداد من حيث هو نهب واستئثار بأعظم واكبر موارد الأمة أهمية ومصدر الموارد كلها وهي السلطة فهو بذلك الفساد الأكبر ومنبع كل فساد لأنه نهب واحتكار للسلطة التي هي مورد كل الموارد. ولسنا بحاجة للامساك بحالة تلبس فعلية مادية لنحكم بان ثمة فساد موجود.

 إن الاستبداد هو الفساد الأكبر  ومن ينهب ويحتكر مورد الأمة الأكبر ويستأثر به فذلك يكفيه فسادا حتى لو لم يتعداه لسواه –بافتراض أنه لم يتعد الاستئثار بالسلطة لسواها أصلا – لأن من لا يعف عن نهب السلطة فلن يعف عن موارد أخرى أقل أهمية وسيكون متمكنا من ذلك لغياب الرقباء والشركاء ولأن كل شيء تحت سيطرته.  عدا عن كل ذلك فثمة أمر مهم وهو انه لا يمكن للمستبد أن يحارب الفاسدين ما دام وجوده في السلطة بهذا الشكل وكمستبد هو بحد ذاته حالة فساد كبرى، وفاقد الشيء لا يعطيه, وثمة أمر آخر مهم هو أن الفساد بالنسبة لهكذا شكل من أشكال السلطة هو من مغذيات استمرارها وهو وقود حركتها وبقائها لذا فرعاية الفساد هي جزء من منهج الاستبداد,  فهو لا يمكن أن يبقى ما لم يفسد ويرع الفساد بكافة أشكاله حتى وان تظاهر بمحاربة حالات هنا وهناك لذر الرماد في العيون وكجزء من منهج الفساد ذاته ليس أكثر.[18]

 1 . 3    مفهوم التنمية :

برز مفهوم التنمية بصورة أساسية منذ الحرب العالمية الثانية، حيث استُخدم للدلالة على عملية إحداث مجموعة من التغيرات الجذرية في مجتمع معين, بهدف إكساب ذلك المجتمع القدرة على التطور الذاتي المستمر بمعدل يضمن التحسن المتزايد في نوعية الحياة لكل أفراده، بمعنى زيادة قدرة المجتمع على الاستجابة للحاجات الأساسية والحاجات المتزايدة لأعضائه, بالصورة التي تكفل زيادة درجات إشباع تلك الحاجات, عن طريق الترشيد المستمر لاستغلال الموارد الاقتصادية المتاحة، وحسن توزيع عائد ذلك الاستغلال. ثم تطور مفهوم التنمية لاحقاً ليرتبط بالعديد من الحقول المعرفية. فأصبح هناك التنمية الثقافية التي تسعى لرفع مستوى الثقافة في المجتمع وترقية الإنسان، وكذلك التنمية الاجتماعية التي تهدف إلى تطوير التفاعلات المجتمعية بين أطراف المجتمع: الفرد، الجماعة، المؤسسات الاجتماعية المختلفة، المنظمات الأهلية.[19]

ويشير محمد الرميحي إلى أن التنمية هي : خلق فرص حياة أفضل للأجيال القادمة,ودراسة علمية للإمكانيات المجتمعية، وتوظيفها التوظيف الأفضل للصالح العام. ويضيف قائلا انه يتبنى تعريفا أكثر شمولا وهو: ” إن للبشر، لمجرد كونهم بشر، حقا أصيلا في العيش الكريم، ماديا ومعنويا، جسدا ونفسا وروحا، وبهذا فان عملية التنمية تنشد توسيع خيارات البشر بما يمكنهم من تحقيق الغايات الإنسانية الأسمى، وهي الحرية، العدالة و الكرامة الإنسانية و الرفاه الإنساني. ولا يقتصر مفهوم (الرفاه) على التنعم المادي، بل يشمل الجوانب الإنسانية الكريمة مثل التمتع بالحرية واكتساب المعرفة، وتحقيق الذات، ولا يتأتى ذلك إلا بالمشاركة الفعالة في الاجتماع البشري”.[20] ومن المفاهيم المرتبطة بالتنمية مصطلح التنمية المستدامة وهو يرتكز على الموائمة بين المعيار الاقتصادي المتعلق بفعالية وكفاءة الإنتاج والمعيار الاجتماعي المتعلق بعدالة التوزيع ويؤكد على أهمية الإنسان وقيمته وكرامته وتطوير قدراته, كما يؤكد على أهمية النظام السياسي وتوفيره للحرية والمشاركة.[21]

2 المحور الثاني    ثنائية الاستبداد والفساد :

2 . 1   تلازم الاستبداد والفساد :

إن استقراء واقع الأمم والشعوب يوضح إن الاستبداد والفساد هما وجهان لعملة واحدة, و ما نجده من تأزم الواقع وفساده ما هو إلا انعكاس لصور الاستبداد والقمع ومصادرة للحريات الفكرية والمادية, فالفساد هو نتاج طبيعي للأنظمة للاستبدادية والقول المشهور أن السلطة المطلقة مفسدة مطلقة  قول يختصر الكثير، وهو يربط  بين الفساد وبين الاستبداد باعتباره البيئة الخصبة التي يترعرع وينشأ عنها الفساد بكافة أشكاله. و من المهم أن ندرك أن ” الاستبداد يتسلل  في حكم الأمة باقتناعات صور زائفة مضللة، ومن أهم ما يسهل مهمة قوى الاستبداد لإضفاء المشروعية على ممارسات إرهاب الأمة، والاستبداد بقراراتها وشئونها، هو ضعف وعي الجمهور الأمر الذي يدخل المجتمع في دوامةٍ مهلكةٍ، من ضعف الوعي، إلى استبداد السلطات الطاغية، ونمو المصالح الخاصة الفاسدة المفسدة, ليزيد الفساد من تمكين التسلط والطغيان والاستبداد، من رقاب الأمة ومقدراتها، وفرض الوصاية عليها؛ لتزداد الأمة ضعفاً وخنوعاً في وجدانها، وتجهيلاً في ثقافتها، وضعفاً في وعيها، وهكذا دواليك، ضعف وعيٍ يؤدي إلى استبداد، إلى فساد، إلى مزيد من التجهيل وضعف الوعي والخضوع والخنوع، إلى مزيدٍ من الاستبداد، ومزيدٍ من الفساد “[22]. والذي يجعل الفساد دائماً يرتبط بالاستبداد هو أن ” النظام الاستبدادي يصنع له أنصارا وأعواناً من الفاسدين الذين يعبدون الدنيا بكل ترفها. فيتخلون عن كل معاني الشرف والقيم الأخلاقية، ولا يهمهم سوى الحصول على الأموال التي تمكنهم من أن يمتعوا أنفسهم، وأن يحصلوا على كل أنواع اللذة.وهؤلاء الفاسدون المترفون هم أهم أعوان المستبدين في كل العصور، فهم يعيشون لأنفسهم ويتكبرون على شعوبهم ويسخرون من الشرفاء ويحتقرون الذين يتمسكون بالقيم والأخلاق ويضحون من أجل الوطن”[23].

2 . 2     ملامح ثقافة الاستبداد والفساد :

من اخطر نتائج تحكم الأنظمة الشمولية لفترة طويلة بمناحي الحياة المختلفة، ظهور ثقافة جديدة مشوهة تعطل مفاعيل القوة والجدية في المجتمع. إن أنظمة الاستبداد لا تهدر إمكانيات البلد المادية إسرافا وبدارا وتعيق الوصول إلى الأهداف المفترضة فحسب، بل أنها تطيح بالعقل الفعال وتشله وتحول الناس إلى آلات حديدية مطوعة بلا مشاعر ولا خيال مبدع ولا قدرة على التصور والتخطيط والمبادرة [24].

الفساد يتحول في الدول التي يحكمها الاستبداد إلى مؤسسة لها آلياتها المتنوعة ومصادر قوتها المتعددة، كما إن تغلغل الفساد في أجهزة الدولة ومؤسساتها بحيث تصبح مرتعًا له بدلاً من أن تكون حائط صد ضده. يترتب على كل ذلك أن يتحول الفساد إلى ثقافة هي ثقافة الفساد، وهى تتمثل في منظومة القيم السلبية التي تسوِّغ الفساد وتبرره فالعلاقة المباشرة بين الفساد والاستبداد تتمثل في”أن الفساد عندما يستشري ويترسخ فإنه يعمل على حماية نفسه، وذلك بإبقاء كل الهياكل التي أنتجته على حالها، فلا تغيير في القوانين ولا تعديل في اللوائح ولا تطوير في السياسات، لذلك نجد أن المسئولين الحكوميين غير مبالين بالتغيير وذلك ضمانا لاستمرار المناخ الذي يضمن لهم المزيد من التربح واستغلال النفوذ “. [25] وهى تعنى قبول أفراد المجتمع بصفة عامة لكل حالات الفساد سواء كانت صغيرة أو كبيرة واقتناعهم بوجود الفساد والتعايش مع صوره وأنماطه المختلفة بل وإفساح المجال لها، ويصبح ظاهرة طبيعية يتوقعها المواطن في كافة تعاملاته اليومية و المسئول الفاسد هنا يكون اكبر من القانون فيحاول ترسيخ هذه الثقافة بخلق وعى زائف لدى المواطنين بإقناعهم انه ليس في الإمكان أبدع مما كان وتتحول مؤسسات الدولة الأساسية إلى مؤسسات يلفها الفساد، فالشخصيات المهمة والوزراء وأعضاء المجموعات البرلمانية يتحولون إلى جزء مهم في جرائم عديدة كإهدار المال العام والتعاون لتسهيل المخالفات وعلى الرغم من فساد كبار الموظفين تكون هناك توجهات مطالبة الجماهير بضرورة التضحية وربط الأحزمة من اجل مشروع قومي، فلا يجدون إمامهم إلا التكيف مع أنماط الفساد دون محاولة تغييره والإصابة باليأس والإحباط، وحتى التشريع الذي يتصدى للفساد قد وضع من قبل برلمان يكون أعضاءه الذين قدموا بالتزوير بأشكاله المختلفة جزءا من الفساد ” ولا غرابة في ظل هذه الأجواء التي يخلقها الاستبداد من احتكار السلطة واستخدام الوسائل المختلفة لإدامة نفسه من التجهيل إلى التفريق إلى استخدام الأعوان من مخبرين وامن وجيش وفتح السجون وتعذيب البشر وسحق الإرادة وخنق الحرية وإشاعة الانحلال والفجور والتلهي بتوافه الحياة أن يعيش المواطن مغترباً عن ذاته، مستباحا ومعرضاً لمختلف المخاطر.” فهو على الهامش تشغله لقمة العيش، لا يجد مخرجا سوى الخضوع يجتر هزائمه الخاصة والعامة وهو مغلوب على أمره، عاجز عن التغيير أو تحدي قوى الاستبداد”.[26]

وتفرز ثقافة الاستبداد نمطا يطابق طبيعتها، وهو تحقيق مصالحها الفئوية الخاصة، على حساب المصالح العامة، وهي بذلك تحدث انشقاقاً كبيراً في المجتمع يكرس حالة الفساد ، وتحول ساحة المجتمع إلى ساحة حرب بين مختلف الأفكار والاتجاهات، دون وجود لتعايش وتفاهم يضمن حالة التكافل والتعاون، وهي عقلية يسميها البعض بعقلية (الجُزُر المنعزلة) حيث لا تهتم كثيراً بخلق عمل جماعي ناجح، ولا تعبأ أساساً بالصالح العام، بل كل الاهتمامات موجهة في اتجاه صالحها الفردي.[27] وتعمل الدولة المستبدة على أن تبقي على الفساد نهجا ومذهبا ونمطا معيشيا، لأنه حين يعم الفساد لا يعود بوسع أحد التحدث عنه أو الاعتراض عليه طالما أن دائرته اتسعت فشملت شبكة واسعة من مصلحتها غض النظر أو السكوت عما يدور، إذ يلجأ المفسدون إلى إشاعة نهجهم الخاص على أوسع نطاق ممكن بين ضعاف النفوس، عملا بالقاعدة القائلة أنه إذا أراد الفاسد حماية نفسه فإن عليه أن يفسد سواه أيضا، فما أن يعم الفساد و يتورط فيه الكل حتى تتكون آلية تضامنية تلقائية بين المفسدين يتستر فيها الكل على الكل، فلا ترى، بعدها، من هم عناصر الفساد أو الفساد نفسه.

 وبذلك لا يصبح أمر الفساد محصورا في بضعة أشخاص فاسدين إنما يتحول إلى منهج متكامل يوفر أصحابه البيئة المناسبة لتعميمه وتحويله إلى وضع أليف يصبح معها مجرد النقاش حول الفساد ضرب من العبث، حينها يفقد الفرد قدرته على المقاومة بالتدريج، وتعلو لديه نوازع الأنانية، ويتخلى عن مبادئه وقيمه كما يتخلى عن احترامه للقانون والنظام، ثم ينتهي به الحال إلى التخلي عن إنسانيته واحترامه لذاته وللآخرين، ومع انتشار الفساد والمفسدين، واتساع نطاق الأرباح الخفية الناجمة عنه، فإن العمل الشريف الجاد يفقد قيمته، بل إن القانون نفسه يفقد هيبته واحترامه. هذا، فضلاً عن أن للفساد تكلفته الاجتماعية التي تتمثل في انخفاض معدلات الكفاءة في تخصيص الموارد الاقتصادية، وهو ما يؤدى إلى تخفيض معدلات التنمية الاقتصادية وعدالة التوزيع للدخل القومي .[28]

ومن ملامح ثقافة الاستبداد “إن تطفو المراسم الشكلية ومظاهر الأبهة والسلطان بهدف فرض الهيبة التي تتحول إلى تقديس وخوف. وبالطبع فلا مكان هنا للمساءلة أو المحاسبة أو المطالبة، فقط السماح بالتماس الرضا أو تجنب الظلم أو تحصيل بعض نعم السلطان و يذعن الناس للسلطة بسبب التسلط وبسبب أجهزة العنف التي تملكها السلطة وأساليب القهر والقمع وتهديد مصادر الرزق”[29]. وتبرز هنا مظاهر الرشوة والمحسوبية والتي تشكل خطورة بالغة على سلامة الجسم الاجتماعي، ذلك أنّها تؤجّجُ الشعور بالظلم والقهر، وتُنهك الفئات الفقيرة ومتوسّطي الحال، وتجعلُ حقوق المُواطن كالشغل والسفر والاستشفاء والسكن قابلة للبيع والشراء، وتفتحُ الأبواب أمام الانتهازيين الذين لا همّ لهم سوى الإثراء على حساب غيرهم من المُستحقّين، ويُداسُ على سائر قيم التراحم والتضامن والتعاون، وتُنتهكُ أبسطُ حقوق الإنسان، ويسودُ قانونُ الغاب، وتزدهرُ نزعاتُ الانتهازية والوصولية والابتزاز والطمع والجشع، وتتغذّى الأنانيّةُ المُفرطةُ عند الكثيرين إلى درجة إلغاء الآخر.

وتحتضن حالة الاستبداد السياسي الذي تعيشه الأمم والمجتمعات والجماعات”استبدادا ثقافيا واجتماعيا يختمر في نفوس البشر، ويتحول إلى حالة تطبع أساسي في السلوك، وتعود على التمسك بالأحادية، ورفض الاستماع للرأي الآخر، وقطع الطريق أمام الحوار والتفاهم؛ ففي حالات ترسخ روح الاستبداد والتسلط يصبح الحوار منعدما، وإذا كان فعلى الأغلب يكون عقيما؛ ذلك أن الوضع ليس إلا سيطرة شمولية للرأي الواحد، متمثلاً بالسيطرة المطلقة للأحادية المنفردة,  لقد أوجدت ثقافة التسلط شخصيات تفتقر إلى التوازن النفسي؛ فهي قد تستعلي استعلاءً كبيراً على الآخرين، إلا إذا كانوا من ذوي النفوذ والقوة، وهنا نجد خضوعاً وممارسة لأساليب الدونية ولكن ما تحققه ثقافة الاستبداد هو تحطيم الوجود الفكري للإنسان، عبر قطع طرق التواصل؛ لذلك يصبح الفرد في هذه الأجواء مجرد هامش جامد على أطراف الجغرافيا، لا يفهم ولا يرى ما يحدث على حقيقته؛ فيفقد القدرة على التقييم السليم والتعرف الصحيح؛ ذلك أن أحادية الفكر والانغلاق المتسلط يمارسان عادة بصورة لاشعورية، دون محاولة التعرف العلمي الهادئ على ما يريد أن يقوله الآخر”[30] ويوضح الكواكبي في كتابه ” طبائع الاستبداد ” أثر الاستبداد على الأخلاق وعلى دوره في خلق ثقافة جديدة للمجتمع قائلا:”الاستبداد يتصرف في أكثر الأميال الطبيعية فيضعفها أو يفسدها أو يمحوها, والاستبداد يسلب الراحة الفكرية فتمرض العقول ويختل الشعور, واقل ما يؤثره الاستبداد في أخلاق الناس انه يرغم حتى الأخيار منهم على ألفة النفاق والرياء”[31] ولهذا تشيع في أجواء الاستبداد ثقافة السكوت وتنتشر أمثال ما انزل الله بها من سلطان وكلها تحض على الصمت والسكوت والقبول بالموجود .

2  .  3    الاستبداد يهدد منظومة القيم الايجابية في المجتمع

حيث تتفشي أنماط السلوك غير السوي في المجتمعات المقهورة تبرز منظومة قيمية جديدة  والسبب هو ممارسات العنف والاضطهاد والسلطة الاستبدادية لفترات طويلة وابرز مظاهر هذه المنظومة يكون في أنماط السلوك الاجتماعي حيث تعمل آليات القهر على ترسيخ مفاهيم الإذعان والخنوع في وجدان الإنسان المقهور من أجل شل حركته المضادة، كما تصنع حالة من الشعور بالتهديد المتواصل وعدم الاستقرار تجعل الإنسان المقهور في موقف الدفاع الدائم والحذر الشديد من أي شيء يمت بصلة إلى السلطة.
أيضا تركز السلوك المتوارث للإذعان والخنوع في المجتمع, فالمجتمعات التي تخضع للاستبداد والعنف المفرط أمداً طويلاً تتعزز في ذاتها أنماط من السلوك غير السوي تتنافى وسماتها الأساسية، للحفاظ على ذاتها المستلبة من الهلاك. كذلك تحدث حالة  تماهي للإنسان المقهور بسلطة الاستبداد, حيث يتحول الإنسان المقهور من ضحية إلى معتدي على أمثاله الأضعف والأقل خطورة، وهذا التحول يجعله أداة بطش بيد المتسلط نتيجة معاناته من حالة وهم القيمة والاعتبار الذاتيين، ما يدفعه إلى “الاستزلام” لدى المتسلط ويتماهى بعدوانه.[32]

 2 . 4   منظومة الإستبداد:

 وتتضمن هذه المنظومة صفات المستبِد والمستبَد بهم وطبيعة العلاقة بينهما, والبيئة التي يعيشون فيها.

فصفات المستبِد:

* العلو والكبر:حيث يشعر المستبد بعلوه على من حوله من البشر وملكيته لهم, وبالتالي يطلب منهم الطاعة والانقياد, ولا يسمح لهم بمخالفته أو مناقشته, وهكذا شيئاً فشيئاً تتضخم ذاته خاصة مع خضوع من حوله, ويصل في النهاية إلى الاعتقاد بإلوهيته, وهذا الاستبداد والذي وصل إليه فرعون حين قال:”أنا ربكم الأعلى”, وقال:”يا أيها الملأ ما علمت لكم من إله غيري”[33].  ويوضح برهان غليون أهم سمة للمستبد وهي رفض الآخر” فالعقل الاستبدادي عقل إطلاقي يرفض إن بكون لكل فرد وجهة نظر مخالف”[34]

* الاستخفاف: وفى داخل نفس المستبد استخفاف واحتقار لمن يستبد بهم, ويزيد هذا الشعور بداخله كلما بالغوا هم في طاعته ونفاقه والتزلف إليه لأنه يعلم بداخله كذبهم وخداعهم, ويعلم زيف مشاعرهم, ويشك في ولائهم وإخلاصهم, كما أنه منذ البداية لا يثق في قدراتهم  وجدارتهم, وبالتالي يصل في النهاية إلى الشعور بالاستخفاف بهم[35]. ويؤكّد القرآن الكريم أنّه ما كان لطاغية أو مستبدّ أن يقْدُم على فعله لو لم تكن ثمّة قابلية للاستخفاف لدى الجمهور والرّعاع، ولذلك نجده ينحو باللائمة عليهم لا على الطاغية، ويجعلهم عبرة لكل معتبر، فقال تعالى في معرض الحديث عن طغيان فرعون وموقف قومه منهفاستخفّ قومه فأطاعوه إنهم كانوا قوما فاسقين. فلمّا آسفونا انتقمنا منهم فأغرقناهم أجمعين. فجعلناهم سلفاً ومثلاً للآخرين[36]  أي أنهم – قبل الطاغية- ملومون مستحقون للعقاب، إذ هم المعنيون بتبديل ذلك الوضع، عن طريق التمرّد والرفض والثورة.[37]

*الجبروت والعناد: فالمستبِد جبار عنيد وهى صفات متصلة ببعضها لأن جذورها في النفس واحدة. فمنظومة الاستبداد تبدأ بالتكبر والاستعلاء الذي يصل إلى درجة التأله. والمتكبر لا يحتمل اختلافاً في الرأي, بل لا يسمح من البداية أن يكون هناك رأياً آخر يزاحمه لأن هذا الرأي الآخر يعتبر قدح في تألهه وجبروته فهو يفترض أنه على صواب دائماً وأن ما يراه هو الحق المطلق, وبالتالي فهو يعتبر أن صاحب الرأي الآخر سفيهاً أو مضللاً ومتعدياً على مقامه الأرفع ومن هنا يكون غضبه شديداً يصل إلى درجة قتل المخالف مروراً بتعنيفه أو سجنه أو تعذبيه أو نفيه, والمتكبر دائماً وأبداً عنيد لأنه يفترض أنه يمتلك الحقيقة المطلقة وبالتالي لا يقتنع برأي آخر ولا يريد أصلاً ولا يقبل أن يكون هناك رأى آخر.[38]

أما صفات المستبَد بهم فهي:

* الفسق: حيث انه مع استمرار السلوك الاستبدادي يتحول الناس (المستبَد بهم) إلى كائنات مشوهه وذلك من كثرة الأقنعة التي يلبسونها لإرضاء المستبد فيتفشى فيهم النفاق والخداع والكذب والالتواء والخوف والجبن وتكون النهاية كائنات مشوهه خارجة عن الإطار السليم للإنسان الذي كرمه الله[39], والقرآن الكريم يصفهم بالفسق, والفسق هنا كلمة جامعة لكل المعاني السلبية التي يكتسبها الخاضعون للمستبد” فاستخف قومه فأطاعوه إنهم كانوا قوماً فاسقين”[40].

وحين تجتمع الصفات السلبية للمستبِد مع الصفات السلبية للمستبَد بهم فتكون النتيجة بيئة مليئة بالفساد ” وفرعون ذي الأوتاد الذين طغوا في البلاد فأكثروا فيها الفساد”[41]  فالفساد نتيجة طبيعية ومباشرة للاستبداد مهما كانت مبررات الاستبداد ومهما كانت اللافتات التي يتخفى وراءها لأن الاستبداد تشويه للتركيبة النفسية للمستبِد وتشويه أيضاً للتركيبة النفسية للمستبَد بهم وبالتالي يحدث تشويه للبيئة التي يعيشون فيها, فالاستبداد أحد أهم عوامل التلوث الأخلاقي والبيئي في الحياة.[42]

 2  .  5    أدوات وأجهزة الاستبداد:

2  .  5  .  1     أولا: أجهزة الأمن والحماية:

عند الحديث عن أنظمة الاستبداد فأول ما يخطر ببالنا هي الأجهزة التي يقيمها بمسمياتها المختلفة والتي تكون وظيفتها حماية النظام، وذلك من خلال “ترويع المجتمع”. لقد أصبحت مؤسسة الأمن من أهم دعائم نسق الحكم الفاسد. وهي عماد مؤسسة القهر التي تضم أيضا أجهزة المخابرات المختلفة والمخبرين المبثوثين في كل الأرجاء, كما تضم الأعوان ( المدنيين ) الذين يتم استدعاؤهم لإثارة الفزع في صفوف الجماهير أو ما يمكن تسميتهم ( البلطجية أو الزعران او الشبيحة). “إن صورة دولة المخابرات تجسد حالة مخلوق ضخم يقوم على القوة والعنف والاستبداد، ويستمد أسباب استمراره من الخوف وليس من الشرعية”.[43]

وفي أنظمة الاستبداد تكثر الأجهزة الأمنية، وكلما زادت أعداد رجال الأمن زادت مساحات الخوف، حيث ينسحب الأمان ويعم الاضطراب، ومن ثم تكثر السرقات والفوضى والتعديات، فالسلطة منشغلة دوماً بترتيب المواكب وتنظيم الحراسات، وتكثيف المظاهر لقادتها ومسؤولييها، والتجسس على معارضيها وقمع مخالفيها  وفي حالة العدوان الخارجي تكون هذه الأجهزة أول من يطلق ساقيه للريح هربا.

2  .  5  .  2      ثانيا: أجهزة الإعلام:

وبالطبع فإن الجهاز القمعي يسانده جهاز إعلامي، هو في حقيقته أداة النظام الرئيسية للتعبئة، والشحن العاطفي ضد المعارضين ويقوم بتزييف الوعي وإفساده إن أمكن. والتعمية على المواطنين والكذب المتواصل على طريقة جوبلز( وزير الإعلام النازي ): اكذب ثم اكذب ثم اكذب وكلما كانت الكذبة اكبر كان التصديق لها أكثر. والقضايا التي يتم طرحها تكون بما يتفق وتوجهات الحكم والنخبة والحكومة، والقضايا التي يتم حجبها، وتجاهلها تكون مما لا يحسن فتح ملفاتها. أما ممارسة حرية الرأي والتعبير، فإذا لم تكن في حدود “الأدب أو بعبارة أخرى “الخطوط الحمراء” فإن المصير يتراوح بين الطرد أو الفصل أو الحرمان من الممارسة أو النقل الإداري وصولاً إلى السجن والتعذيب بأنواعه [44].

2  .  5  .  3       ثالثا: مثقفو السلطة المستبدة:

ومثقف السلطة هو احد الأدوات الرئيسية للاستبداد وهو من أعمدة ثقافة الفساد فهذا “النظام” الفاسد يحيط نفسه بطبقة من كتاب البلاط, وهي طبقة عازلة تُنَظِر لبقاء هذا النظام، طبقة مكوّنه من أنصاف وأرباع مثقفين يكتبون المقالات في تمجيد النظام، و تفتح لهم الصحف والشاشات أبوابها دون تحفظ لإلقاء الخطب والتصريحات وممارسة طقوس الطاعة والولاء بشكل يومي .وهم قادرون على تحويل الهزائم إلى انتصارات والإخفاقات والمخازي إلى مؤامرات والشرف والفضيلة إلى تطرف وإرهاب وتزمت, وهم يمتلكون وجوها عديدة ومتنوعة لكل مناسبة. و مثقف الاستبداد همه الأول منح النظام السياسي الشرعية مقابل أن ينعم بالعطاءات المادية والترقيات و المناصب الرفيعة، وهو الذي يمتلك القدرة على تزييف الحقائق، ويخفي أهداف المستبد الذاتية، ويحولها إلى أهداف سامية باسم الشعب والأمة والوطن والدين، مستخدمًا كل المخزون الفكري والمفاهيم الأخلاقية لدى الناس ليلصقها بسلوك المستبِد فيصبح هذا المستبد قائدا ملهما فاضل لا غنى للجماهير عنه. والمثقف لا يكف عن الهتاف، فهو يسترزق من هتافه، ويتحول بالتدريج إلى مستبد صغير، فيتوالد الاستبداد ويعيد إنتاج شروط إنتاج الاستبداد من جديد نفسه، فيصبح استبدادا دينيًّا واستبدادًا ثقافيا واستبداد اجتماعي واقتصادي …. وهؤلاء المثقفون هم المسئولون عن فساد العقل لأنهم حولوا العقل من وظيفته النقدية إلى أداة تبريرية للأنظمة العاجزة ومروجين بارعين للشعارات التي يسوقونها ليل نهار.[45]

ومن أسوأ أنماط مثقفي السلطة من يطلق عليهم ” علماء السلاطين ” فهم يحاولون إعطاء المستبد كل ألوان الشرعية الدينية عبر تحريف مقاصد الدين وأهدافه السامية وتقزيمها وعبر ليِّ النصوص وتطويعها لتكون في خدمة مصالح المستبد وحاشيته.

 2  .  6   وسائل وأساليب الاستبداد للاستمرار:

حكومات الاستبداد تلجا إلى أساليب عديدة لتحافظ على بقائها وترسيخها ودوام سيطرتها واهم هذه الوسائل هي:

2  .  6  .1    التجهيل وتفريغ التعليم من محتواه:

فالجهل هو الأب الشرعي للاستبداد، والعنصر الفاعل في إمداد جسد المستبِد بكل مقومات الحياة والاستمرار. وهناك عملية أخذ وعطاء غير مرئية تجري بين الأمة الجاهلة والحاكم المستبد. فإذا قلنا أن المستبد يأتي من رحم الأمة الجاهلة فإن الأمة الجاهلة على دين ملوكها (حكّامها المستبدين).[46]

أيضا تلجا حكومات الاستبداد إلى تغييب الوعي عبر تشجيع ثقافة الخنوع والتنظير للهزيمة الداخلية والعجز والتواكل, ومنع الثقافة التي تعلم الإنسان سبل الحياة الواقعية، من الحقوق الفردية والوظائف الجماعية وحدود الحاكم، أو التي ترفع من منسوب الوعي لديه ليبقى سائرا في الظلام لا يستطيع الفكاك من عبودية الجهل والتخلف والاستبداد. وتستخدم أساليب عديدة لذلك منها علماء السوء الذين يتلبسون بزي علماء الدين ليحصل بواسطتهم على الشرعية الدينية ، باعتباره ولي الأمر، والخروج عنه فتنة وإفساد في الأرض.

أيضا فان مؤسسات التعليم تحول رسالة العلم ذات أهداف دنيوية مصلحية ذاتية بعيدا عن الهم العام وعن إثارة التفكير النقدي العقلاني بل الحفظ والتلقين والترديد كالببغاء فتتخرج الأجيال وكل ما يعرفونه هو التسبيح بحمد الحاكم المستبد يخشون من كل جديد ويناهضون كل تقدم.”إن هدف الرسالة التعليمية في الدولة الاستبدادية هو” إبعاد العقل عن طرح المشكلات التي يواجهها المجتمع, واستبدالها بمشكلات جانبية تخدم هدف التفكيك للحمة الاجتماعية”[47] و”هناك مقولة تؤكّد أنه إذا فسد القضاء وفسد التعليم في أمّة من الأمم تخّلفت هذه الأمة، وشوّه هذا الفساد معظم علاقات المجتمع الإنساني لأنها تقوم على الظلم والاستبداد والجهل، وعُدّت هذه الأمّة في عداد الدول المتخلّفة حضاريا ومعرفيا. ولهذا تحرص منظومة الاستبداد على أن تكون الجامعات والتي يفترض أنها منارات العلم والمعرفة والتطور ميدانا للاستبداد والفساد عبر سياسة التعيين التي تقصي المخالف وتقرب التابع برغم ضعفه وانعدام قدراته  وبذلك تتشكلّ في أعماق الأستاذ الجامعي القادر المهمش  شعور بالغبن والظلم  وانعدام الدور ولأنه لا يستطيع أن يقابل هذا الاستبداد بحوار علمي أخلاقي، تكون فيه علاقة الند للند هي السائدة، فإنه يكبت رغبته العارمة بتقويض هذا الاستبداد، وينزوي على نفسه، ويتقاعس في عمله، و تتعطل طاقاته الإبداعية، وملكاته وقدراته الكثيرة على العطاء العلمي والمعرف والبحثي المنظّم”.[48] أيضا فان العملية التعليمية في الدولة المستبدة قائمة علي محور السيد/ التابع. فالسيد هنا هو المعلم الذي يعرف كل شيء عن أي شيء ولا يعطى التابعين (الطلاب) أي مجال للمناقشة والعصف الذهني والتفكير الإبداعي. لذلك فان واجب الطالب هو فقط حفظ وخزن المعلومة ثم استفراغها في آخر العام الدراسي علي ورقة الامتحانات. هذا الوضع يخلق اضطراباً في منهجية التفكير يتمثل في سوء التنظيم الذهني للواقع. تقترب الذهنية المتخلفة من الواقع وتتعامل معه دون خطة مسبقة ذات مراحل منطقية واضحة سلفاً. بل عبر الفوضى والعشوائية والتخبط والمحاولة شبه العمياء ويصبح هذا هو النمط الشائع في التصدي للحياة بقضاياها اليومية و يكون هدف التعليم في هذه الحالة هو إعادة إنتاج الواقع الذي يكرس الهيمنة المستبدة.[49]

2  .  6  .2     تغييب المراقبة والمحاسبة

في الدولة الاستبدادية كل شيء يجري على غير عادته، فالصفقات تعقد خلف الكواليس، والاتفاقات خارج حدود المراقبة، وليس هناك من يراقب أو يحاسب الانتهاكات والتجاوزات، حتى الدستور المكتوب لا يمكن أن يكون رادعاً للتعديات على القانون والمصادرة للحقوق والممتلكات حيث تغدو الدساتير ألعوبة بيد الحاكم يعدلها كيفما شاء  ووسيلة ضغط على خصومه فقط وبهذا يكون الدستور والقانون والقضاء عوامل دعم وإسناد للمستبد في إحكام قبضته على معارضيه.[50]

وفي أنظمة الاستبداد تفقد المؤسسات معناها فالسلطة التشريعية تصبح مجرد ديكور، وتصبح السلطة التنفيذية منفذة لمصائب الشعب وصانعة لمعاناته، وتصير السلطة القضائية قاضية على آمال الشعب في العدالة الاجتماعية والكفاءة السياسية، أما السلطة الرابعة فهي أشبه ما تكون بشعراء البلاط.[51]”  وفى ظل الاستبداد تضطرب موازين العدالة ٬ وتختل أعمال القضاء خصوصا عندما يتصل الأمر بشخص الحاكم أو أسرته أو أتباعه أو أسلوبه في الحكم.”[52]

2  .  6  .3      تكثير  الأعوان والمنتفعين وإفساد الأمة وإلهاءها بالمغريات:

عماد قوة المستبد جوقة الأعوان من المتزلفين والمتملقين والمطبلين  الذين يستند عليهم الطاغي في ترويج بضاعته وأفعاله الفاسدة، وبدونهم لا يتمكن من تثبيت وجوده. والى هذا المعنى أشارت الآية الكريمة (إن فرعون وهامان وجنودهما كانوا خاطئين)[53] حيث وصفت فرعون وأعوانه بوصف واحد، فجاء مصيرهم واحدا أيضاً (فأخذناه وجنوده فنبذناهم في اليم)[54].

بالإضافة إلى ذلك أن بقاء الاستبداد وامتداده في طول التاريخ إنما هو بالمعين على الاستبداد والراضي به. والحكومات الاستبدادية تعمل على ترسيخ  نمط من التفكير النفعي وتعزيز الأنانية الفردية و التفكير السلبي في ذهنية واعتقاد الناس في محاولة لجرهم نحو مزالق الانحراف والتعدي على حقوق الآخرين طمعاً في المال أو الجاه، فيكونون بذلك قد وقّعوا على صكوك عبوديتهم للمستبد ليصبحوا أداة طيعة بيده يضرب بهم من يريد ويحاسب بهم من يشاء, حيث يتحولون بطبيعة الحال إلى نواة صلبة تدعم الانحراف والاستبداد وتدافع عنه بكل قوة. كما أن الاستبداد يبتكر الأساليب والمغريات المختلفة التي تلهي الأمة وتفسدها وتستعبدها للشهوات من كل نوع  وتجعلها بعيدة عن الهم العام وعن سرقة حقوقها.

 2  .  6  .4     التفريق بين أطياف المجتمع:  

 فالعامل الذي يحفظ حقوق أية أمة ويلبسها ثوب العزة والكرامة يكمن في قوة رابطتها، وتوحد كلمتها، فإذا حدث تخلخل في هذا الشمل أو تمزق للرابطة والكلمة فليتوقع الجميع أن المستبِد قادم لا محالة وباق في منصبه حتى توحدهم. ولعل وسيلة (فرق تسد) من أبسط الوسائل التي استعملت قديماً ولا زالت في سبيل السيطرة على أزمة ومقاليد الأمور وخصوصا عندما تتشكل الأمة من اثنيات وطوائف متعددة. فالأنظمة المستبدة تلجا إلى إثارة الفتن والأحقاد العرقية والطائفية والمناطقية والقبلية لتكون بالتالي أقوى من جميع خصومها المتفرقين وكما يوضح برهان غليون انه” لكي تستمر الدكتاتورية وتتمكن الفئة المتسلطة من الاستمرار في نهبها, لابد من إن تكون هناك إمكانية  لتقسيم الشعب وتمزيقه وتوجيه كل فئة نحو الأخرى  أي لا بد من تحطيم وعيهم الجمعي حيث إن غيابه سيعني انتفاء الخطر على الاستبداد”[55]

2  .  6  .5      الحصار والتهميش والقمع للأحرار:

كل من لا يوالي الحاكم المستبد على استبداده وفساده ولا يشاركه في ارتكاب المظالم, محكوم عليه أن يقبع في معتقل الكلمة والرأي, فإن تكلم وجد نصيبه من ممارسات الاستبداد ملاحقة وحصارا أو سجنا وتعذيبا أو نفيا وتشريدا, وكل من لا يتحول إلى بيدق من بيادق السلطة قمعا وقهرا أو فسادا ومحسوبية أو إعلاما موجها وفكرا منحرفا وأدبا تائها وفنا ضائعا، بعيدا عن قضايا الناس وحياة الناس ومشكلاتهم وآمالهم وآلامهم محكوم عليه أن يعيش وراء قضبان معتقل الفقر والبؤس ليفتح عينيه صباحا على كوابيس البحث عن لقمة الطعام لأهله ويغلق عينيه مساء على كوابيس الخشية مما قد يأتي به غد, وكل من يتجرأ على تجاوز حدود الكتابة أو الكلام في المشاكل اليومية الصغيرة والمسائل الجانبية التافهة فان عليه إن يبقى قابعا في الزوايا المهملة.[56]

وتكون محصلة هذه الأساليب المزيد من الجهل والتخلف والتراجع في كل الميادين الحضارية والإنسانية والاجتماعية وتحويل المجتمع إلى طوائف وفرق متناحرة. وتحويل الوطن إلى معتقل استبدادي كبير، وفي هذا المعتقل  تنتشر الاعتقالات العشوائية، والمحاكمات الصورية، والانحرافات باسم القانون، والمظالم باسم القضاء، والتخلف عبر الفساد، ويتاح المجال لانتهاكات لا تنقطع للحقوق والحريات والكرامة الإنسانية، على أوسع نطاق شامل لمعظم أفراد الأمة وفئاتها, وفي ظل هذه الوسائل والأساليب التي تبدع الدولة الاستبدادية في خلقها  لنا إن نتساءل: أي مستقبل للتنمية في هذه الأجواء وكيف سيتفجر الإبداع في براثن العبودية وكيف سيتحقق الانجاز وكل الشعب صامت صمت القبور يخشى من كل شيء ويشك في كل ما حوله والجميع يردد المثل القائل:( امش الحيط الحيط وقول يارب السترة ) أو ( الجدران لها آذان ).

  1. 3    المحور الثالث:  تأثير الاستبداد والفساد على التنمية

وهنا نقول إن الإبداع والتقدم والانطلاق نحو المستقبل لا يمكن أن يتحقق في ظل نظام دكتاتوري أو استبدادي يقوم على فكرة السلطة الشمولية، حيث تبنى المؤسسات لأجل خدمة الفكر السلطوي الذي يتبناه، والذي يستهدف حماية الأوضاع الراهنة، والمدعوم بقوى منتفعة ترى في التطور انهيارا لمصالحها، ويجهد أنصار هذا النظام ووعاظه في تنمية ثقافة شعبية عامة ترى في أمر اضطهاد الفكر الحر أمرا مقبولا ومبررا، مما يترتب عليه قتل روح الإبداع وخنق الأفكار المتنورة وإشاعة النفاق السياسي، ويبنى ذلك وفق نظام قانوني يبدو صارما ومشددا ومدعوما بخطاب سياسي يخاطب الغرائز لا العقول.

وفي الدولة الاستبدادية حيث لا يبغي الحاكم المستبد إلا مصلحته الشخصية أو مصلحة الفئة الضيقة الحاكمة ومن ثم يكون الحاكم في الدولة الاستبدادية مطلق التصرف وغير مقيد بأي قيد، لا من حيث الوسيلة ولا من حيث الغاية، أي انه يعمل وفقا لما تتفتق عنه قريحته أو مزاجه أو جنونه أحيانا، وتندمج في ظل هذه الدولة كافة السلطات لتكون كلها بيد الحاكم المستبد بحيث يكون هو الحاكم والمشرع في آن واحد كما انه يتولى تعيين أعضاء السلطة القضائية التي لاتتمتع بأية استقلالية, وتنشا أجهزة أمنية لا حصر لها مهمتها الأولى والأخيرة التجسس على المواطنين وقمعهم وكبت حرياتهم.

وسنناقش في هذا المحور شروط تحقيق التنمية ودور الحرية في توفير أجواء الإبداع, وكيف يقود الاستبداد إلى التخلف, وأن ركود التنمية هي نتيجة للاستبداد والفساد,  وسنرى أيضا كيف تتم عملية خنق التنمية في الدول الاستبدادية وكيف يؤثر الاستبداد والفساد على التنمية.

 

3  .  1   شروط تحقيق عملية التنمية:

والشروط اللازمة لتحقيق عملية التنمية الاقتصادية والاجتماعية بنجاح هي: الشفافية والمساءلة والحكم الرشيد، بالإضافة إلى شروط أخرى مثل: فعالية الحكومة وتمتعها بالكفاءة والخبرة الإدارية اللازمة، وأهمية هذه الشروط هي تحصين المجتمع من آفة الفساد، وما يقترن به من مظاهر الفوضى والتسيب واللامبالاة، وانعدام الحس بالمسؤولية. فإذا كانت القواعد الناظمة للحياة العامة قواعد موضوعية وعلنية، وإذا كانت القرارات الحكومية رشيدة من حيث خياراتها ومركزاتها ومبرراتها ودوافعها، وإذا كان المسئولون كل في مجال عمله على مستوى السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية يخضعون للرقابة الوقائية واللاحقة ,فإن عجلة التنمية ستندفع للأمام وستنكمش حالات الفساد وهدر الموارد.

 وهذا الأمر يقتضي إقامة نظام سياسي يقوم على مبدأ التعددية السياسية المستند إلى الانتخابات العامة العلنية والنزيهة، وأن يرتكز هذا النظام على الفصل بين السلطات الثلاث، وان يتضمن احترام ممارسة المواطنين لحقوقهم المدنية والسياسية، وعلى رأسها حرية التعبير، وبذلك يتم تصويب السياسات التي تتسبب في هدر الموارد, و حصر ثروات المسئولين ومعرفة مصدرها من قبل الأجهزة الرقابية التي يُفترض أن تتحقق من صحتها أثناء وبعد تولي المسؤولية العامة. و إعطاء صلاحيات واسعة لجهاز رقابي واحد، يتمتع بالاستقلال في مراقبة السلطات الثلاث، وأن يُعِد هذا الجهاز تقارير دورية تكون في متناول المواطنين وأعضاء المجالس التشريعية والقيادات الحزبية ومؤسسات المجتمع المدني كافة. والتوعية السياسية بإشاعة مناخ ثقافي ناقد يحترم الرأي والرأي الآخر، يمكن له أن يحد من الانخراط في الممارسات الفاسدة، ولا بد من توفير الحرية لوسائل الإعلام، وإعلاء القيم المجتمعية من نزاهة وإيثار وتضحية ونكران للذات، والتمسك بالخصال الحميدة المتأصلة في المجتمع من أمانة وحس بالمسؤولية الفردية والجماعية. وضرب المثل الأعلى والقدوة الحسنة من قبل القادة من مسئولي الأحزاب ومؤسسات المجتمع المدني.[57]

وهذه الأجواء أو الشروط الضرورية لعملية التنمية هي النقيض تماما لأجواء الدولة الاستبدادية ومن هنا يمكننا القول إن أجواء الاستبداد لا يمكنها إيجاد تنمية,لان الأنظمة السياسية المستبدة تعمل على استغلال الثروات وبناء اقتصاد يخدم مصالحها الذاتية وبما يقوي من ديمومة سلطتها, ويكون التخطيط التنموي موجها بشكل يخدم نواحي معينة بعيدة عن انتشال شعوبها من الفقر والتخلف والبطالة, ولا تعود بالفائدة الإنمائية على شعوبها، فتطوير مجال الاقتصاد  الوطني في استثمار الثروات لا يخدم الشعوب إلا بما يحقق الفائدة الأعظم لمصالح هذه الأنظمة. فنظام الحكم الذي تغيب فيه المشاركة والشفافية والمحاسبة هو أكثر المجالات خصوبة لانتشار الفساد وفساد الحكم هو الذي يقود إلى فساد الأفراد. ففي هذا النوع من نظم الحكم تغيب المبادئ والشروط التي يجب أن تتوفر في إدارة الدولة والبيئة السياسية والمجتمع والحياة العامة والفاعلين فيها وهذه الشروط هي: الاستقامة,الموضوعية,المحاسبة,الوضوح والأمانة, الشفافية.[58] وإذا كان مقياس التنمية الاقتصادية وكفاءتها هو النمو الكمي و معيار التنمية الاجتماعية وكفاءتها هو التوزيع العادل للثروة فان بين أهم مقاييس التنمية السياسية وكفاءتها هو المشاركة وشفافية ومؤسسية نظام الحكم والسلطة اللتان تسمحان بالمحاسبة لأجهزة الدولة وأصحاب المناصب التشريعية والتنفيذية. والتنمية الشاملة كما يعرفها البرنامج الإنمائي للأمم المتحدة هي: “عملية زيادة خيارات البشر وزيادة قدراتهم وإمكانياتهم، بتوفير فرص أوسع أمامهم للتمتع بحياة طويلة وصحية، والحصول على المعرفة والتعليم، والوصول إلى الموارد الضرورية للعيش بمستوى حياة كريمة، وضمان التمتع بالحريات السياسية والاقتصادية. وهذه التنمية لا تصبح عملية متواصلة ومستديمة بدون إيجاد الحكم الرشيد أو الحكم الجيد. وترى الأمم المتحدة أن إدارة الحكم كممارسة للسلطة السياسية والاقتصادية والإدارية في تسيير المجتمع على كافة المستويات، يشمل الآليات والعمليات والمؤسسات التي من خلالها يقوم الأفراد والجماعات بالدفاع عن مصالحهم وممارسة حقوقهم والتزاماتهم. والحكم هنا يشمل الدولة التي تهيئ البيئة السياسية والقانونية المناسبة، والقطاع الخاص الذي يوفر التشغيل والدخل، والمجتمع المدني الذي يشكل إطارا للتفاعل السياسي والاجتماعي بين الناس والدولة، ووسيط للمشاركة وإيصال المطالب والتعبير عن المصالح. وترى أن الحكم الجيد يتصف بسمات معينة، حيث يقوم على المشاركة في صنع القرار من خلال مؤسسات تمثل مصالح الناس، وسيادة القانون وتنفيذه بعدالة، والشفافية في عمل مؤسسات الحكم المختلفة بحيث تتوفر المعلومات الكافية لفهم عملها. كما أن من سماته الاستجابة، بحيث تسعى المؤسسات لخدمة جميع الأطراف ومصالحهم، إضافة إلى الإنصاف وإتاحة فرص متساوية للناس جميعا بتحسين حياتهم. وضرورة أن تتصف مؤسسات الحكم بالفاعلية والكفاءة بحيث تكون نتائج أعمالها قادرة على تلبية المطالب والاحتياجات، باستخدام الموارد المتاحة بكفاءة عالية. كما أن الحكم الجيد يقوم على التوازن بين المصالح المتعددة، ويسعى لبناء توافق لتحقيق مصالح مختلف الأطراف، إضافة إلى ضرورة أن تخضع أطراف الحكم وصناع القرار فيها إلى المساءلة الداخلية والخارجية. ومن المهم أيضا أن يكون لدى أطراف الحكم رؤية طويلة الأمد للحكم الرشيد والتنمية المستدامة وشروطها واحتياجاتها والبيئة المحيطة بها”[59]

3  .  2     الحرية  توفر الأجواء للخلق والإبداع:  

ولقد عانت البشرية في مسيرتها الطويلة من الاستبداد الذي يكبت النفوس ويحولها إلى مجرد مخلوقات يائسة مستعبدة وتوصلت إلى إن أنظمة الحرية والديمقراطية والشورى هي الأجواء التي تخلق الإبداع والانجاز. إن الديمقراطية والشورى وسيلة إنسانية متطورة لاحتواء الثقافات المتنوعة لغرض تحويل الصراعات المحتمل نشوؤها، على اثر هذا التنوع والاختلاف إلى صراعات سلمية وفقا لقواعد محددة  وبما تتيحه من تنظيم قانوني يقوم على الإرادة الحرة للشعب وترسيخ قيم وأخلاقيات وتقاليد علمية، تقوم على احترام الرأي الأخر وإتاحة الفرصة للإبداع الفكري ليـأخذ دوره في الحياة العامة، وخلق نظم مؤسساتية فعالة تدعم الابتكار وإنتاج المعرفة، تتجسد ابتداء في المؤسسات التعليمية التي تشجع على التفكير النقدي الحر والتي تحفز الطلاب على نقد المسلمات الاجتماعية أو السياسية وتنمي فيهم الروح الاستقلالية وانتهاء بالمؤسسات البحثية والتطويرية التي تدعم الأنشطة الإبداعية والخلاقة.

إن الاستبداد والطغيان يتناقض مع سيادة القانون وسيؤدي إلى الفوضى وعدم الشعور بالمسؤولية في المجتمع، والى تردي الأخلاق العامة وازدواجيتها، وهو مدعاة لنمو ثقافة القسوة والنفاق والدكتاتورية وادعاء احتكار المعرفة، وتأليه الذات البشرية، وتكون نتيجته الشاذة هي إن يستحوذ القائد الأوحد أو القادة الكبار في الدولة، وهم عادة غير شرعيين لأنهم غير منتخبين أو مزورين للانتخابات، على قابلية الانفراد باتخاذ القرار، ومن ثم تكرس كل القوانين و القرارات في الدولة من اجل خدمة مصالحهم وإدامة وجودهم، من دون السماح للمواطنين بالمشاركة، أو حتى الاطلاع على الكيفية التي يتم بها صناعة القرار، وبمعنى أخر انعدام الشفافية والمساءلة، وهذا ما يفتح الباب أمام تفشى الفساد الإداري والمالي، كالمحسوبية والرشوة والاختلاس واستغلال النفوذ والاعتداء على حقوق المواطنين العامة لمصلحة فئة قليلة من الناس .

وإجمالا:”لا إبداع بدون حرية، و الحر وحده هو الذي يستطيع التعامل مع مختلف الظروف والأحوال من أجل أن يبقى سيد نفسه. لقد انهمك فلاسفة الإنسان والسياسة عبر التاريخ وحتى الآن في البحث عن حرية الإنسان لأنها هي أرضية تقدمه وعطائه وقدرته على المشاركة الحرة في أعمال المجتمع وصناعة الحضارة.[60]

3  .  3   الاستبداد يقود إلى التخلف:

يعتبر عبد الرحمن الكواكبي من الأوائل الذين شخّصوا أسباب التخلف وغياب العدالة وانهيار عوامل الرقي والتقدم, كان ذلك عبر كتابه «طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد» ولقد وضح الكواكبي تأثير الاستبداد على كل مناحي الحياة عبر عدة أبواب في كتابه أهمها  الاستبداد والعلم, والاستبداد والمجد, و الاستبداد المال, والاستبداد والأخلاق,والاستبداد والتربية, والاستبداد والترقي. ثم بحث الكواكبي في الروابط بين الاستبداد والفساد وترابطهما موضحا أن محاربة الفساد والاستبداد تقتضي صياغة وعي مختلف فما بين الفساد والاستبداد ثمة تلاقٍ في المعنى والتقاء في الممارسة، ومن هنا كان المستبد دائماً عدو «الحق» وخصم «الحقيقة» كما يرى الكواكبي وكان الفاسد إدارياً واجتماعياً وهو النقيض لكل شيء ما يذهب بعيداً في الانتماء والارتقاء [61]. وفي مجتمعاتنا اليوم هناك أعداء حقيقيون للمستقبل وللتنمية وكذلك العقل المتحرر من ثقافة الخرافة وضد كل ما من شأنه الأخذ بأسباب التقدم. وطالما ظلت ثنائية الفساد والاستبداد ضاربة أطنابها في أي منطقة فلا يمكن أن تكون هناك حالة نهوض، في ظل عقل مكبّل ومعاق، أو مطارد وجسد مشلول وتنمية تفتقر إلى نظافة اليد وإلى نظافة السلوك.[62]

3  .  4   ركود التنمية كنتيجة للاستبداد :

إن ركود التنمية وانهيارها، ما هو إلا نتيجة طبيعية ومنطقية لممارسات تلك الأنظمة المستبدة وللقمع الشديد ضد المواطنين وطلائعهم المثقفة. إن الشعوب في ظل مثل هذه الأنظمة لن تكون قادرة على مواجهة مشاكلها التنموية. فالنظم الاستبدادية تقتل في شعوبها إرادة التفكير والتطوير والإبداع وتخلق مجتمعا متأزما. وأسير الاستبداد “يعيش خاملا فاسدا ضائع القصد، حائرا لا يدري كيف يميت ساعاته وأوقاته. فهيمنة الاستبداد يحرم الشعوب من الطاقة الحركية التي تدفعها لبناء ذاتها وهي طاقة الحرية المسئولة والقدرة الإبداعية على الابتكار الصحيح والتفكير العلمي الممنهج والتعبير السليم. فالاستبداد والتسلط هو شيء أعمى يسير عكس حركة التاريخ والحضارة والحياة الإنسانية الطبيعية, لأنه يقف على طرف نقيض من حرية الإنسان ومن قدرته على تحقيق الاختيار السليم، بل إنه يشل طاقة التفكير واستخدام العقل والفطرة الصافية عند الإنسان، ويجعله أسيرا بيد الجهل والتخلف, وهنا تقع الكارثة الكبرى عندما يفقد هذا الإنسان حريته لأنه يفقد معها كل شيء جميل في الحياة، إنه يفقد العزة والكرامة والأخلاق والعلم، وبالتالي يكون مصيره الموت المحتم أو العيش على هامش الحياة والوجود[63].

 يقول أرسطو: “إن الغاية النهائية للطاغية كي يحتفظ بعرشه هي تدمير روح المواطنين وجعلهم عاجزين عن فعل أي شيء إيجابي”[64]  و”عملية التنمية بحاجة إلى مشاركة واسعة من الجماهير وقناعة راسخة من خلال عملية إدماج طوعي للانخراط الفاعل والواعي في وتيرة التطور الحضاري والتنموي, بحيث تتم استثارة كوامن الجماهير وطاقاتها الذاتية للإبداع والإنتاج والمنافسة, ومن المؤكد إن الدولة لن تستطيع إن تكون منجزة ما لم تحظ بالشرعية المستقرة من خلال إشراك مواطنيها وتفعيل مسؤولياتهم من خلال نظام سياسي مدني شرعي يحظى برضا الناس ويحمل طموحات المجتمع ويعمل على تلبيتها, فتتحول الدولة من مجرد ارث شخصي ثابت لفئة معينة إلى مركز حيوي لخدمة المجتمع ككل, وبذلك تستطيع أي امة إن تبحر في الإطار الشامل للتنمية”[65].

  وتعتبر قضية انتشار وتفشي الفساد في المجتمعات التي تعاني من قمع الحرية وتسلط المستبدين عليها إحدى ابرز المشكلات التي تواجهها هذه المجتمعات وتحول بينها وبين التنمية الشاملة, والمدخل السياسي هو الطريق الذي يوصل إلى تفشي الفساد في المظاهر الأخرى الاقتصادية والاجتماعية والإدارية في المجتمع, فالفساد عندما يبدأ سياسيا ينتشر بسرعة في كل المستويات ويتحول إلى مؤسسة بكل ما للكلمة من معنى, وأرقام ومؤشرات الفساد في دول العالم تشير بشكل واضح إن الدول التي تحكمها أنظمة دكتاتورية تحصل على أعلى المستويات في مؤشرات الفساد, وكلما كان النظام السياسي يتمتع بالشفافية والرقابة الشعبية والحرية كلما أصبحت مشكلة الفساد محدودة جدا وبالتالي تحدث التنمية المستدامة المتعددة الأبعاد فهي تنمية تشمل الاقتصاد كما تشمل الجوانب الثقافية والاجتماعية وتساهم بخلق قيم المشاركة والعدالة الاجتماعية.

3  .  5    آثار الاستبداد والفساد على التنمية:

وكما أسلفنا تمثل ثنائية الاستبداد والفساد تحدياً خطيراً في وجه التنمية.  فتقوض الحرية والمشاركة وتخلق أزمة التوزيع وتدمر المؤسسات وبالتالي تدمر قيم المجتمع الايجابية كالثقة والتسامح والصدق والقبول بالآخر والتعددية لصالح قيم سلبية بديلة كالنفاق والتعصب والكذب, وتنعكس الآثار على التنمية الاقتصادية لتحبطها, وإجمالا يمكن القول إن هذه الثنائية من الفساد والاستبداد تؤدي إلى سلسلة من الآثار المدمرة على كل الصعد نلخصها بالاتي:

ترسيخ التنمية غير المتوازنة:
في حالة دخول الأموال الفاسدة في الدورة الاقتصادية فإنها تتركز في العاصمة و المدن الكبيرة الأخرى لتواجد الفاسدين في هذه المدن فيحرم الريف من عائداتها بالرغم من فسادها فتترسخ التنمية غير المتوازنة.[66]

 توظيف الأموال الفاسدة في الاستهلاك البذخى:
إن جزءاً من الأموال التي يستحوذ عليها الفاسدون تحول إلى الاستهلاك البذخى نتيجة للقيم التي تسيطر عليهم مثل المغالاة في المتع الحسية والتباري في المظاهر المادية  من عربات وحلى ومساكن فاخرة وأثاث فالمال الذي يأتي سهلاً دون عناء وعمل يذهب في الصرف السهل وهذا يؤثر على أنماط الاستهلاك العامة ولهذا أثره الاجتماعي القيمى على رأس المال الاجتماعي وروح التضامن والتكافل والثقة في المجتمع ويصنع قدوة سيئة للآخرين.

 

هجرة الكفاءات:
وينطلق هؤلاء إلى أصقاع الأرض لان بلدانهم لا تضع الرجل المناسب في المكان المناسب والفساد المستشري يمنع آفاق الاستثمار فتنخفض فرص الاستخدام فيهاجر المهنيون إلى الخارج خاصة وان طبيعة عملهم العلمي المهني لا تسمح لهم بمجاراة ممارسات الفساد.[67]

تدهور التنمية الاقتصادية :
إن الفساد يزيد من تكلفة الاستثمارات وبالتالي يقلل من كفاءة رأس المال ويغيب الشفافية، حيث يتعارض مع وجود بيئة تنافسية حرة والتي تشكل شرطا أساسيا لجذب الاستثمارات المحلية والخارجية على حد سواء مما يدفع المستثمرين للهروب والى هروب رؤوس الأموال المحلية، وهو ما يؤدي إلى ضعف عام في توفير فرص العمل ويوسع ظاهرة البطالة والفقر, كما يحدث  هدر الموارد بسبب تداخل المصالح الشخصية بالمشاريع التنموية العامة، والكلفة المادية الكبيرة للفساد على الخزينة العامة كنتيجة لهدر الإيرادات العامة.

إحلال المصالح الخاصة محل العامة:
إن الفساد والاستبداد يحلان المصالح الخاصة محل المصالح العامة كما يقضى على الثقة والمصداقية في مؤسسات الدولة بسبب عدم المساواة في معاملات المواطنين مع أجهزة الدولة ومراكز اتخاذ القرار فيها. وهو بذلك يقضى على الحكم الراشد والمحاسبة والشفافية وحكم القانون وحقوق الإنسان كما يهدد المجتمع المدني الذي تقوم مبادئه على الشفافية والمحاسبة والاستقلالية وعلى المساواة و تنخفض المقدرة التنافسية التي تسلب القطاع الخاص مقدرته وكفاءته في تخصيص الموارد على أساس آليات السوق فيتم تخصيص الموارد على أساس علاقات الفساد وعلاقات القرابة والصداقة والولاء السياسي والمصالح الفردية. [68]

 

القضاء على الشرعية العلمية والمهنية في السياسة واتخاذ القرار:

في أنظمة الاستبداد  يقضى على الأسلوب العلمي والمهنية في اتخاذ القرار ويغيب دور العلماء والمهنيين في التحضير لاتخاذ القرار على أساس البحث العلمي والطرق العلمية في اتخاذ القرار إذ تخضع القرارات للمصالح الخاصة والنزوات الشخصية للأفراد أو الشرائح الاجتماعية المهيمنة على مواقع اتخاذ القرار فيتدهور النظام الادارى نتيجة للفساد وأثره على النظام السياسي ونظام الحكم .

تدهور التنمية الاجتماعية :

إن الفساد ينخر في رأس المال الاجتماعي, حيث يؤدي الفساد إلى خلخلة القيم الأخلاقية والى الإحباط وانتشار اللامبالاة والسلبية بين أفراد المجتمع، وبروز التعصب والتطرف في الآراء وينشر ويرسخ لقيم الأنانية واحتقار العمل وإتقانه وكفاءته كمصدر أساسي للثروة وكقيمة ومعيار للسلوك فينتشر التوجه إلى الفساد والغش والتدليس والمراوغة وتنتشر الجريمة كرد فعل لانهيار القيم وعدم تكافؤ الفرص.[69] كما يؤدي الفساد إلى انعدام المهنية وفقدان قيمة العمل والتقبل النفسي لفكرة التفريط في معايير أداء الواجب الوظيفي والرقابي وتراجع الاهتمام بالحق العام. والشعور بالظلم لدى الغالبية مما يؤدي إلى الاحتقان الاجتماعي وانتشار الحقد بين شرائح المجتمع وانتشار الفقر وزيادة حجم المجموعات المهمشة والمتضررة وبشكل خاص النساء والأطفال والشباب كما يؤدي إلى خلق جو من النفاق السياسي كنتيجة لشراء الولاءات السياسية,كما تغيب الثقة بالمؤسسات العامة .[70]

فالنسق الاستبدادي نسق متعفن بالكامل ويحمل معه تعفنات خطيرة في أخلاق الناس وهو كنسق متكامل يفرز منظومة قيم تخدمه وتتكامل معه،ومثل هكذا نسق لن يخدمه إلا رجال مفترون مثله ومن لا يكون كذلك سيطيح به النسق ويلفظه فورا أو بعد حين.

الشبكة العربية العالمية

 

قائمة المراجع :

أ-  الكتب:

1-   القران الكريم.

2- ابن منظور- لسان العرب.

3- الفيروز آبادي -القاموس المحيط.

4-  برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، إدارة الحكم لخدمة التنمية البشرية المستدامة، وثيقة للسياسات العامة، نيويورك، كانون ثاني، يناير 1997.

5-  برهان غليون, مجتمع النخبة, ط1 1986 م, معهد الإنماء العربي.

6- حسن محمد وجيه، مقدمة في علم التفاوض الاجتماعي والسياسي,عالم المعرفة.

7-  حليم بركات، “المجتمع العربي في القرن العشرين، ط 1,2001 م  بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية.

8- خلدون حسن النقيب “الدولة التسلطية في المشرق العربي المعاصر. دراسة بنائية مقارنة” ط3, 2004, مركز دراسات الوحدة العربية, بيروت، 1991.

9- راسم محمد الجمال، الاتصال والإعلام في الوطن العربي, بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 1991.

10-  طارق علي جماز, التنمية الاقتصادية والبشرية , الأكاديمية العربية بالدنمارك, كلية الإدارة والاقتصاد.

11- عبد الرحمن الكواكبي, طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد,  نسخة الكترونية.

12- محمد الغزالي, الفساد السياسي في المجتمعات العربية والإسلامية,2005 م, نهضة مصر للطباعة والنشر والتوزيع.

13- منصف المرزوقي, عن أي ديمقراطية يتحدثون, ط1,المؤسسة العربية الأوروبية للنشر.

14-   اليونسكو، دليل عمل العقد العالمي للتنمية الثقافية 1988-1997.

ب- مجلات فصلية:

1- حسن حنفي، “قراءة جديدة للكواكبي في: طبائع الاستبداد ومصارع العباد”، وجهات نظر، العدد 37، (فبراير 2002).

2محمد الحسن بريمة ,رؤية إسلامية مقاصدية في التنمية الاجتماعية , فصلية إسلامية المعرفة ,السنة السابعة, العدد 26, خريف 2001,المعهد العالمي للفكر الإسلامي.

3- نبيل علي الصالح, الحرية والديمقراطية: ثنائية التطوير في بناء الدولة, فصلية المنهاج, السنة 15, العدد 59.

ت – مواقع الشبكة العنكبوتية :

1- إبراهيم العبادي, دولة الريع البوليسية وثقافة التواكل,موقع صحيفة صوت الحرية على الرابط: http://www.baghdadtimes.net

2- احمد الدغشي, التمرد على الاستخفاف بداية الخلاص, موقع ينابيع تربوية على الرابط: http://www.yanabeea.net/

3- احمد عائل الفقيهي, الفساد والاستبداد, موقع الحوار المتمدن على الرابط: http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=197199

4- اسعد عبد الرحمن , الاستبداد وحكم التغلب في أنظمة الحكم العربية المعاصرة, على الرابط :  http://www.aljazeera.net/NR/exeres/

5- أسماء حسين محمد أدم, لتعليم في المجتمعات المتخلفة ما بين مطرقة الثقافة الاستبدادية وسندان التقليدية, http://edutrapedia.illaf.net/arabic/show_article.thtml?id=761&print=true

6-  ثناء فؤاد عبد الله, آليات الاستبداد وإعادة إنتاجه في الواقع العربي, http://www.aljazeera.net/NR/exeres/-

7- جامعة عين شمس, قسم الدراسات الفلسفية, معجم الفلسفة, http://adab.niceboard.com/t2348-topic

8- سامر المؤيد,الفساد الإداري: صور شتى , شبكة النبأ على الرابط: http://www.annabaa.org/nbanews/

9- سامر نصر, اثر الفساد على عملية الإصلاح في سورية, موقع الحوار المتمدن على الرابط: http://www.ahewar.org/

10-  سليمان صالح , لماذا يرتبط الفساد بالاستبداد, المركز الفلسطيني للإعلام على الرابط التالي: http://www.palestine-info.info/

11-عبد الحميد أبو سليمان –شكالية الاستبداد والفساد في الفكر والتاريخ السياسي الإسلامي موقع (المعهد العالمي للفكر الإسلامي- http://www.veecos.net/portal/index.php?option=com_content&view=article&id=1

12-  عبد الستار قاسم, الأحرار يصنعون الخبز يا عباس, 20\10\2006, موقع الكاتب على الرابط : http://www.grenc.com/a/Akassem/show_

13-علي عبد الرضا,إنتاج الاستبداد, شبكة النبأ http://www.annabaa.org/nba46/estibdad.htm

14-غازي دحمان, عرض كتاب سلطة الاستبداد والمجتمع المقهور, على الرابط: http://www.gulfson.com/vb/f25/t76775/

15-فؤاد البنا , دور الاستبداد السياسي في تخلف الأمة , http://www.yemen-sound.com/vb/

16-قناة الجزيرة , برنامج بلا حدود , مقابلة مع  هوجيت لابيل رئيسة منظمة الشفافية الدولية , 9/12/2009 على الرابط التالي : http://www.aljazeera.net/NR/exeres

17-محمد الرميحي , التنمية الشاملة و التنمية السياسية ,على الرابط : www.alrumaihi.info/tanmy

18-محمد عبد الرحمن يونس , الأستاذ الجامعي والجامعات العربية المعاصرة آلية الاستبداد والفساد , شبكة النبأ : http://www.annabaa.org/nbanews

19- محمد هلال الخليفي , جذور الاستبداد في الحياة السياسية العربية المعاصرة,  http://www.aljazeera.net/NR/exeres/

20-محمد السوقي عبد العليم,الفساد الإداري أسبابه وآثاره ,على الرابط : http://eldesuky.maktoobblog.com/363/

21-محمد المهدي, سيكولوجية الاستبداد,على الرابط التالي: http://www.elazayem.com/new_page_57.htm

22-مروة كريديه – مثقف السلطة في الأنظمة الاستبدادية بوق أيديولوجي ومُشرّع للفساد- على الرابط :  http://www.diwanalarab.com/

23-ناصرعبيد الناصر,من أين يبدأ الفساد وأين ينتهي, شبكة النبأ,على الرابط:http://www.annabaa.org/

24-هيثم مناع,ساعة الحقيقة, موقع الجزيرة نت على الرابط:http://www.aljazeera.net/NR/exeres/

25-متلازمة الاستبداد والفساد وثنائية الوصل والفصل, بدون كاتب, على الرابط: http://blacksteed.jeeran.com/

 

 

 

[1] – عبد الرحمن الكواكبي , طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد ,  نسخة الكترونية ,  ص 7

[2] – حسن حنفي، “قراءة جديدة للكواكبي في: طبائع الاستبداد ومصارع العباد”، وجهات نظر، العدد 37، (فبراير 2002)، ص 30 .

[3]  –  خلدون حسن النقيب “الدولة التسلطية في المشرق العربي المعاصر.. دراسة بنائية مقارنة” ط 3  ,2004 , بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 1991 ص 23-24.

[4] – المصدر السابق نفسه ص 23 .

[5] – ثناء فؤاد عبد الله, آليات الاستبداد وإعادة إنتاجه في الواقع العربي, http://www.aljazeera.net/NR/exeres/-

[6]- محمد هلال الخليفي , جذور الاستبداد في الحياة السياسية العربية المعاصرة , موقع الجزيرة على الرابط : http://www.aljazeera.net/NR/exeres/

[7] القران الكريم , سورة الفجر, الآيات : 11-12

[8] القران الكريم , سورة طه , الآية :24

[9] محمد هلال الخليفي– جذور الاستبداد في الحياة السياسية العربية المعاصرة-مصدر سبق ذكره .

[10] -. محمد هلال الخليفي– جذور الاستبداد في الحياة السياسية العربية المعاصرة-مصدر سبق ذكره

[11] جامعة عين شمس , قسم الدراسات الفلسفية, معجم الفلسفة , http://adab.niceboard.com/t2348-topic

 [12] هيثم مناع ,ساعة الحقيقة , موقع الجزيرة نت على الرابط : http://www.aljazeera.net/NR/exeres/

[13] – منصف المرزوقي , عن أي ديمقراطية يتحدثون , ط1 ,المؤسسة العربية الأوروبية للنشر , ص62-63 .

– [14]ابن منظور , لسان العرب ,ج3 ، ص 336.

 – [15] الفيروز آبادي, القاموس المحيط ص 444.

[16] سامر المؤيد ,الفساد الإداري : صور شتى , شبكة النبأ على الرابط : http://www.annabaa.org/nbanews/

[17] سامر نصر , اثر الفساد على عملية الإصلاح في سورية , موقع الحوار المتمدن على الرابط : http://www.ahewar.org/

[18] -متلازمة الاستبداد والفساد وثنائية الوصل والفصل , بدون كاتب , على الرابط : http://blacksteed.jeeran.com/

[19]  اليونسكو، دليل عمل العقد العالمي للتنمية الثقافية 1988-1997، ص 8

[20]- محمد الرميحي , التنمية الشاملة و التنمية السياسية ,على الرابط : www.alrumaihi.info/tanmy

[21] – محمد الحسن بريمة ,رؤية إسلامية مقاصدية في التنمية الاجتماعية , فصلية إسلامية المعرفة ,السنة السابعة , العدد 26 , خريف 2001,المعهد العالمي للفكر الإسلامي , ص 64-65

[22] – عبد الحميد أبو سليمان –شكالية الاستبداد والفساد في الفكر والتاريخ السياسي الإسلامي موقع (المعهد العالمي للفكر الإسلامي- http://www.veecos.net/portal/index.php?option=com_content&view=article&id=1

[23] سليمان صالح , لماذا يرتبط الفساد بالاستبداد , المركز الفلسطيني للإعلام على الرابط التالي : http://www.palestine-info.info/

[24] – إبراهيم العبادي ,دولة الريع البوليسية وثقافة التواكل , صحيفة صوت الحرية على الرابط : http://www.baghdadtimes.net

[25] – ثناء فؤاد عبد الله, آليات الاستبداد وإعادة إنتاجه في الواقع العربي,   مصدر سبق ذكره

[26] – حليم بركات، “المجتمع العربي في القرن العشرين، ط 1 ,2001 م  بيروت  : مركز دراسات الوحدة العربية –  ص 35

[27] – حسن محمد وجيه، مقدمة في علم التفاوض الاجتماعي والسياسي,عالم المعرفة ص 267

[28] – قناة الجزيرة , برنامج بلا حدود , مقابلة مع  هوجيت لابيل رئيسة منظمة الشفافية الدولية   9/12/2009 على الرابط التالي : http://www.aljazeera.net/NR/exeres

[29] — ثناء فؤاد عبد الله, آليات الاستبداد وإعادة إنتاجه في الواقع العربي, مصدر سبق ذكره

[30] – حسن محمد وجيه، مقدمة في علم التفاوض الاجتماعي والسياسي ،مصدر سبق ذكره , ص 167 – 180

[31] – عبد الرحمن الكواكبي , طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد  , ص 56

[32] -غازي دحمان , عرض كتاب سلطة الاستبداد والمجتمع المقهور , على الرابط : http://www.gulfson.com/vb/f25/t76775/

[33] -القران الكريم , القصص : 38 .

[34] – برهان غليون , مجتمع النخبة , ط11986 م , معهد الإنماء العربي , ص 288

[35] – محمد المهدي , سيكولوجية الاستبداد , على الرابط التالي : http://www.elazayem.com/new_page_57.htm

[36] – القران الكريم , الزخرف , الآيات 54 – 56 .

[37] – احمد الدغشي , التمرد على الاستخفاف بداية الخلاص , موقع ينابيع تربوية على الرابط : http://www.yanabeea.net/

[38] – محمد المهدي , سيكولوجية الاستبداد , مصدر سبق ذكره

[39] – محمد المهدي , سيكولوجية الاستبداد , مصدر سبق ذكره

[40] – القران الكريم , الزخرف : 54

[41] -القران الكريم , الفجر10-12

[42] – محمد المهدي , سيكولوجية الاستبداد , مصدر سبق ذكره

[43] – ثناء فؤاد عبد الله, آليات الاستبداد وإعادة إنتاجه في الواقع العربي, مصدر سبق ذكره

[44] راسم محمد الجمال، الاتصال والإعلام في الوطن العربي , بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 1991 ، ص 70-71.

[45] مروة كريديه – مثقف السلطة في الأنظمة الاستبدادية بوق أيديولوجي ومُشرّع للفساد- http://www.diwanalarab.com/

[46] – علي عبد الرضا , إنتاج الاستبداد ,  شبكة النبأ  http://www.annabaa.org/nba46/estibdad.htm

[47] – برهان غليون , مجتمع النخبة , مصدر سبق ذكره  , ص 254

 [48]: أسماء حسين محمد أدم , لتعليم في المجتمعات المتخلفة ما بين مطرقة الثقافة الاستبدادية وسندان التقليدية , http://edutrapedia.illaf.net/arabic/show_article.thtml?id=761&print=true

[49] – محمد عبد الرحمن يونس , الأستاذ الجامعي والجامعات العربية المعاصرة آلية الاستبداد والفساد , شبكة النبأ : http://www.annabaa.org/nbanews

[50] – علي عبد الرضا , إنتاج الاستبداد ,مصدر سبق ذكره

[51] – فؤاد البنا , دور الاستبداد السياسي في تخلف الأمة , http://www.yemen-sound.com/vb/

[52] -محمد الغزالي , الفساد السياسي في المجتمعات العربية والإسلامية,2005 م , نهضة مصر للطباعة والنشر والتوزيع  ,ص 121

[53] – القران الكريم , القصص 8.

[54] – القران الكريم , القصص 40

[55] – برهان غليون , مجتمع النخبة ,مصدر سبق ذكره  , ص 292

[56] – علي عبد الرضا , إنتاج الاستبداد ,  مصدر سبق ذكره

[57] – ناصر عبيد الناصر ,من أين يبدأ الفساد وأين ينتهي , شبكة النبأ , على الرابط : http://www.annabaa.org/

[58]  – طارق علي جماز , التنمية الاقتصادية والبشرية , الأكاديمية العربية بالدنمارك , كلية الإدارة والاقتصاد ص 78 .

[59] – برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، إدارة الحكم لخدمة التنمية البشرية المستدامة، وثيقة للسياسات العامة، نيويورك، كانون ثاني، يناير 1997، ، ص  5- 10.

[60] – عبد الستار قاسم , الأحرار يصنعون الخبز يا عباس , 20\10\2006 , موقع الكاتب على الرابط : http://www.grenc.com/a/Akassem/show_

[61] – عبد الرحمن الكواكبي , طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد , نسخة الكترونية ,

[62] – احمد عائل الفقيهي , الفساد والاستبداد , موقع الحوار المتمدن على الرابط : http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=197199

[63] – اسعد عبد الرحمن , الاستبداد وحكم التغلب في أنظمة الحكم العربية المعاصرة, على الرابط :  http://www.aljazeera.net/NR/exeres/  

[64] – المصدر السابق نفسه .

[65] نبيل علي الصالح , الحرية والديمقراطية : ثنائية التطوير في بناء الدولة , فصلية المنهاج , السنة 15 , العدد 59 , ص : 105-107 .

[66] – طارق علي جماز , التنمية الاقتصادية والبشرية , الأكاديمية العربية بالدنمارك , كلية الإدارة والاقتصاد ص 81 .

[67] – المصدر السابق نفسه   ص 82 .

[68] – المصدر السابق نفسه  ص 79 .

[69] – المصدر السابق نفسه  ص 80 .

[70] – محمد السوقي عبد العليم ,الفساد الإداري أسبابه وآثاره ,على الرابط : http://eldesuky.maktoobblog.com/363/

  

 


من ميزات الدول التي تهيمن فيها السلطة الاستبدادية استشراء الفساد في مختلف مفاصلها، ونظراً لأنّ الفساد ينشأ ويترعرع في أدوات وبنى سلطة الاستبداد الفوقية، وبطانتها والموالين والمقربين منها،

تصبح العلاقة بين الفساد والاستبداد عضوية، ويصبح كل شخص أو هيئة أو فئة غير فاسدة عدواً لسلطة الفساد، التي تبني وتّولد شبكة أخطبوطية لحماية نفسها، وترويع من يتجرأ على انتقادها، ويصبح أي تغيير أو إصلاح بمثابة نافذة تهدد مصالح الفاسدين المحميين بآلة القمع السلطوية، التي تعمل على نشر ثقافة الفساد وتقديس السلطة التي تحميه، يساعدها في ذلك وسائل الإعلام التي تهيمن عليها، وأبواق بعض المثقفين وأصحاب الأقلام المأجورة, التي تصور الوضع الاجتماعي والاقتصادي والسياسي على أنّه في أفضل حال، فلا أزمات اقتصادية، ولا سياسية، أوثقافية. كما تمتاز المجتمعات التي تحكمها السلطات الاستبدادية بالركود والأزمات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، والتفاوت الكبير في توزيع الدخل. ووجود فئة طفيلية فاسدة قليلة تستحوذ على معظم الثروة من أراضٍ وعقارات وأموال، وثروات مع الجاه والنفوذ، وتتحالف مع السلطة السياسية التي تحول البلاد إلى مزارع خاصة بأفراد الحاشية ، بينما تعاني الغالبية من الحرمان والفقر فضلاً عن غياب مشاركتها السياسية, وهكذا مع تعمق الفجوة بين الأغنياء والفقراء، تغيب الحريات ، ويتدني وضع حقوق الإنسان وتنعدم الروح الإبداعية  الخلاقة وتنهار القيم الأصيلة لصالح قيم الانحطاط وتتدهور التنمية وتنكمش .

إن الحرية والتنمية مفهومان متصلان ومترابطان والتاريخ والواقع يثبتان إن التجارب التي يجري فيها الفصل بين الحرية والتنمية تنتهي بالفشل فهذان المفهومان يرسخان بعضهما البعض, إن غياب الحرية والرقابة والمشاركة الشعبية سيؤدي حتما إلى غياب العدالة وحكم القانون وهو الأمر الذي سيقود إلى تعزيز الإدارة السيئة والفساد, ففي ظل الأنظمة المستبدة تسود قيم الشخصانية والارتجال والتفرد والاستئثار من قبل الجماعة المتحكمة والمالكة للقرار السياسي, وتطغى على النظام نزعة المركزية الشديدة وتبهت سلطة القانون ونظم الرقابة والمساءلة وتتحول الفئة المستبِدة إلى هيئة فوق القانون وفوق الدستور ولا تسمح حتى بتوجيه النقد لها, وتلجأ لتثبيت سيطرتها إلى وسائل الاحتواء والترغيب والترهيب وتقاسم المكاسب والإقصاء والتهميش والقمع حسب الحالة التي تواجهها.

ب-  مشكلة البحث:

يعد الاستبداد السياسي وما يشمله من حرمان فئات المجتمع من عملية المشاركة السياسية وتهميش دورها في عملية صناعة القرار أحد أهم الروافد التي تصنع وتغذى الكثير من المشكلات التي يعانيها المجتمع وتحاول هذه الدراسة إلقاء الضوء على العلاقة المتبادلة بين الاستبداد السياسي والفساد  وتأثيرهما على التنمية بمفهومها الشامل.

حيث ستبحث الدراسة تفاعل الاستبداد والفساد اللذين يجعلان من الدولة وأجهزتها مجرد خدم ومنفذين لما يحقق مصالح الطبقة أو الفئة الحاكمة المستبدة الفاسدة .

ت –  أسئلة البحث:

السؤال المركزي الذي يدور محور البحث حوله هو: ما أثر الاستبداد والفساد كثنائية متلازمة في إفشال التنمية ؟

ث –  فرضية البحث:

تفترض الدراسة إن السبب الرئيسي لظهور الفساد في المجتمعات هو غياب الحرية واستبداد النظام السياسي, بحيث يتملك السلطة والنفوذ والمال ووسائل الإنتاج وسلطة القانون والسلطات التنفيذية والتشريعية والقوة الأمنية والعسكرية فهو يحوز جميع مصادر القوة في المجتمع. وفي ظل هذه الأجواء تغيب الشفافية والمحاسبة, ويزدهر الفساد بكل أشكاله وتنشأ عن ذلك ثقافة جديدة تقوم على النفعية والانتهازية والواسطة وعدم تكافؤ الفرص وغياب الإخلاص. وهذه الأجواء التي يخلقها الاستبداد والفساد تتكاملان معا لتطيحا بالتنمية في المجتمع.

  1. 1     المحور الأول  :   المفاهيم

1  . 1    مفهوم الاستبداد :

الاستبداد  لغة هو “غرور المرء برأيه والأنفة عن قبول النصيحة أو الاستقلال في الرأي وفي الحقوق المشتركة”[1]. كذلك نجد تعريفا آخر للاستبداد يسجله حسن حنفي وهو ” الحكم الذي لا توجد بينه وبين الأمة رابطة معينة معلومة مصونة بقانون, ولا عبرة فيه بيمين أو عهد أو دين أو تقوى أو حق وشرف أو عدالة ومقتضيات المصلحة العامة” [2] والاستبداد كمصطلح، استخدمه خلدون النقيب “للتفرقة بين الحاكم الذي يلتزم بالقانون قولا وفعلا، والحاكم الذي يكون قوله وفعله هو القانون” [3]. وقد يكون الحكم الاستبدادي فرديا أو حكم جماعة، ولكنه يتضمن في كلا الحالتين “الاحتكار الفعال لمصادر القوة والسلطة في المجتمع”[4] وتُبين ثناء عبد الله إن الاستبداد ” صفة لحكومة مطلقة العنان, تتصرف كما تشاء, وهو ضد الحرية ويسد أبواب المشاركة في إدارة شؤون الحياة. ويسمح الاستبداد بتوثيق العلاقة بين الدين والسياسة ورجال المال لاستبعاد وإقصاء الخارجين عن دائرتهم” .[5] ويوضح محمد هلال الخليفي مصطلح الاستبداد السياسي قائلا:  “عندما نصف الاستبداد بـ “السياسي” فإننا نعني به الانفراد بإدارة شؤون المجتمع السياسي من قبل فرد أو مجموعة أفراد دون بقية المواطنين. ويكتسب الاستبداد معناه السيئ في النفس ليس من صفة الانفراد وحدها، بل أيضا من كونه اغتصابا واحتكاراً لحق مشترك مع آخرين. فالاستبداد السياسي يفترض ابتداء وجود علاقة بين طرفين متساويين في الحقوق والواجبات العامة، ينفرد أحدهما (بالحقوق المشتركة= إدارة شؤون المجتمع السياسي) دون الآخر, فالسمة الجوهرية في الاستبداد هي “الانفراد دون وجه حق”[6].

1 . 1 . 1    الطغيان والدكتاتورية والشمولية أوجه عديدة للاستبداد    :

لقد عُرِِف الاستفراد بالسلطة والتحكم في رقاب الناس والاستئثار بخيراتهم في تاريخه بأسماء مختلفة ليس الاستبداد  إلا واحدا منها. وربما عُد مفهوم الطغيان من أقدم المفاهيم التي اختلطت بمفهوم الاستبداد، حيث استُخدما للإشارة إلى أنظمة الحكم التي تسرف في استخدام القوة في إدارة السلطة والسيطرة  السياسية التامة بوساطة حاكم فرد. ” الذين طغوا في البلاد فأكثروا فيها الفساد ” [7], ” اذهب إلى فرعون انه طغى ” [8]. وفي العصر الحديث أُستخدم مفهوم الدكتاتورية( كلمة أجنبية تعني الإملائية )  ليدل “على حالة سياسية معينة، تصبح فيها جميع السلطات بيد شخص واحد، يمارسها حسب مشيئته”[9]، ومن المفاهيم الحديثة التي تفيد معنى الاستبداد مفهوم الشمولية، وهو يتفق مع المفاهيم السابقة في سيطرة فرد أو مجموعة أفراد على الحكم، ويختلف عنها في أنه يسعى إلى صهر أفراد المجتمع في بوتقة أيديولوجية واحدة.”[10] والشمولية عموما تعني منهج حياة ثابت ويتم تطبيقه في كافة مناحي الحياة .

1 . 1 . 2   الدولة الاستبدادية :

يعرف معجم الفلسفة الدولة  الاستبدادية بأنها الدولة ” التي يهدر فيها مبدأ المشروعيّة وتشبع نهم طبقة حاكمة متغطرسة باغيّة”[11] ويوضح هيثم مناع مواصفات دولة الاستبداد حيث تتسم “ بتأميم السلطة التنفيذية للفضاء ين العام والخاص والسلطات التشريعية والقضائية والرابعة، واعتبار المال العام مزرعة خاصة لبطانة الحاكم، ورفض فكرة وحقوق المواطنة، وربط الدفاع عن حقوق الناس بالخارج والمؤامرة، والتعامل الأمني في كل القضايا السياسية والمدنية، وفرض سياسات اقتصادية واجتماعية من فوق يتخللها مكارم للحكام من وقت لآخر لا تغني عن فقر ولا تستجيب لحاجات التنمية، تجهيل المجتمع، اختزال مفهوم السيادة في طمأنة القوى الكبرى بأن مصالحها ومطالبها في قمة أجندة قمة السلطة”[12].أما منصف المرزوقي فيبين إن الدولة الاستبدادية تنطلق من مسلمات أساسية أهمها أن ” الإنسان لا عقلاني وان الطاعة والقوة هما الركائز الأساسية للنظام ومصدر الشرعية هو الحاكم المستبد والناس ليسوا سوى رعايا والحقوق منة من الدولة ” ولذلك يرتفع منسوب الظلم والعنف الاجتماعي ويتضخم نفوذ الأمن وينعدم التداول السلمي للسلطة وتصادر الحريات وتكون المؤسسات التمثيلية زائفة وهدفها هو خدمة الطبقة الحاكمة, وتكون فعالية المؤسسات عموما محدودة لان الولاء هو ما يتم اعتماده عند التوظيف وليس الكفاءة .[13]

 1 . 2   مفهوم الفساد :

الفساد في لسان العرب هو في (فسد) ضد صَلُحَ (والفساد) لغة البطلان، فيقال فسد الشيء أي بطُلَ واضمحل، ويأتي التعبير على معانٍ عدة بحسب موقعه. فهو (الجدب أو القحط) كما في قوله تعالى (ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون) (سورة الروم الآية41) أو (الطغيان والتجبر) كما في قوله تعالى (للذين لا يريدون علواً في الأرض ولا فساداً) (سورة القصص الآية83) .[14]

وقال الفيروز آبادي في “القاموس المحيط”: “فَسَد كعَصَرَ، والفساد: أخذ المال ظلماً، والمفسدة ضد المصلحة، وتفاسد القوم يعني تقاطعوا الأرحام [15].

ومن الواضح أن الفساد جاء في اللغة مقابلاً للصلاح، وأنه يفيد الخروج عن الاعتدال، وأن المفسدة ضد المصلحة .أما في الاصطلاح فهناك اتجاهات متعددة لتعريفه إلا أنها تتفق في كون الفساد يتضمن إساءة استعمال السلطة العامة أو الوظيفة العامة للكسب الخاص.

فيعرف على أنه:”استخدام النفوذ العام لتحقيق أرباح أو منافع خاصة. ويعرف أيضا على أنه سوء استخدام الموقع العام (الوظيفة العامة) من قبل مسئول للحصول على مصلحة خاصة لنفسه أو لعائلته أو مجموعته أو حزبه.[16] وتعرّف منظمة الشفافية(منظمة دولية غير حكومية تأسست عام 1993، ترصد الفساد في العالم ) الفساد بأنه “استغلال السلطة من أجل المنفعة الخاصة”.[17]

وتجدر الإشارة إلى تنوع مظاهر الفساد بشكل عام وتفرعه ضمن مجالات شملت مختلف مظاهر النشاط الإنساني، ومن هذه المجالات الفساد السياسي وتتمثل مظاهره بالحكم الشمولي الاستبدادي وفقدان الحرية، وغياب المشاركة، وانتشار المحسوبية  والفساد المالي والفساد الأخلاقي والفساد الإداري.

1 . 2 . 1   الاستبداد هو الفساد الأكبر :

السلطة أشبه بمورد عام تملكه الأمة بالتساوي بحيث لا يجوز لواحد استغلاله دون الآخرين أو حتى الجلوس منهم بمقام من يضطلع بدور تقسيم استغلاله عليهم والحكم بينهم ما لم يفوضوه هم برضاهم تفويضا مقيدا بكيفية ومحددا بمدة, ولا حجة بالقول انه قد مارس ذلك الدور بحكمة وقسم بينهم بالعدل مثلا  ما دام أن هذا الدور من الأساس ليس من حقه وهكذا نحكم بوجود الاستبداد عند وجود الاستئثار بالسلطة.  وفي هذه الحالة فالاستبداد من حيث هو نهب واستئثار بأعظم واكبر موارد الأمة أهمية ومصدر الموارد كلها وهي السلطة فهو بذلك الفساد الأكبر ومنبع كل فساد لأنه نهب واحتكار للسلطة التي هي مورد كل الموارد. ولسنا بحاجة للامساك بحالة تلبس فعلية مادية لنحكم بان ثمة فساد موجود.

 إن الاستبداد هو الفساد الأكبر  ومن ينهب ويحتكر مورد الأمة الأكبر ويستأثر به فذلك يكفيه فسادا حتى لو لم يتعداه لسواه –بافتراض أنه لم يتعد الاستئثار بالسلطة لسواها أصلا – لأن من لا يعف عن نهب السلطة فلن يعف عن موارد أخرى أقل أهمية وسيكون متمكنا من ذلك لغياب الرقباء والشركاء ولأن كل شيء تحت سيطرته.  عدا عن كل ذلك فثمة أمر مهم وهو انه لا يمكن للمستبد أن يحارب الفاسدين ما دام وجوده في السلطة بهذا الشكل وكمستبد هو بحد ذاته حالة فساد كبرى، وفاقد الشيء لا يعطيه, وثمة أمر آخر مهم هو أن الفساد بالنسبة لهكذا شكل من أشكال السلطة هو من مغذيات استمرارها وهو وقود حركتها وبقائها لذا فرعاية الفساد هي جزء من منهج الاستبداد,  فهو لا يمكن أن يبقى ما لم يفسد ويرع الفساد بكافة أشكاله حتى وان تظاهر بمحاربة حالات هنا وهناك لذر الرماد في العيون وكجزء من منهج الفساد ذاته ليس أكثر.[18]

 1 . 3    مفهوم التنمية :

برز مفهوم التنمية بصورة أساسية منذ الحرب العالمية الثانية، حيث استُخدم للدلالة على عملية إحداث مجموعة من التغيرات الجذرية في مجتمع معين, بهدف إكساب ذلك المجتمع القدرة على التطور الذاتي المستمر بمعدل يضمن التحسن المتزايد في نوعية الحياة لكل أفراده، بمعنى زيادة قدرة المجتمع على الاستجابة للحاجات الأساسية والحاجات المتزايدة لأعضائه, بالصورة التي تكفل زيادة درجات إشباع تلك الحاجات, عن طريق الترشيد المستمر لاستغلال الموارد الاقتصادية المتاحة، وحسن توزيع عائد ذلك الاستغلال. ثم تطور مفهوم التنمية لاحقاً ليرتبط بالعديد من الحقول المعرفية. فأصبح هناك التنمية الثقافية التي تسعى لرفع مستوى الثقافة في المجتمع وترقية الإنسان، وكذلك التنمية الاجتماعية التي تهدف إلى تطوير التفاعلات المجتمعية بين أطراف المجتمع: الفرد، الجماعة، المؤسسات الاجتماعية المختلفة، المنظمات الأهلية.[19]

ويشير محمد الرميحي إلى أن التنمية هي : خلق فرص حياة أفضل للأجيال القادمة,ودراسة علمية للإمكانيات المجتمعية، وتوظيفها التوظيف الأفضل للصالح العام. ويضيف قائلا انه يتبنى تعريفا أكثر شمولا وهو: ” إن للبشر، لمجرد كونهم بشر، حقا أصيلا في العيش الكريم، ماديا ومعنويا، جسدا ونفسا وروحا، وبهذا فان عملية التنمية تنشد توسيع خيارات البشر بما يمكنهم من تحقيق الغايات الإنسانية الأسمى، وهي الحرية، العدالة و الكرامة الإنسانية و الرفاه الإنساني. ولا يقتصر مفهوم (الرفاه) على التنعم المادي، بل يشمل الجوانب الإنسانية الكريمة مثل التمتع بالحرية واكتساب المعرفة، وتحقيق الذات، ولا يتأتى ذلك إلا بالمشاركة الفعالة في الاجتماع البشري”.[20] ومن المفاهيم المرتبطة بالتنمية مصطلح التنمية المستدامة وهو يرتكز على الموائمة بين المعيار الاقتصادي المتعلق بفعالية وكفاءة الإنتاج والمعيار الاجتماعي المتعلق بعدالة التوزيع ويؤكد على أهمية الإنسان وقيمته وكرامته وتطوير قدراته, كما يؤكد على أهمية النظام السياسي وتوفيره للحرية والمشاركة.[21]

2 المحور الثاني    ثنائية الاستبداد والفساد :

2 . 1   تلازم الاستبداد والفساد :

إن استقراء واقع الأمم والشعوب يوضح إن الاستبداد والفساد هما وجهان لعملة واحدة, و ما نجده من تأزم الواقع وفساده ما هو إلا انعكاس لصور الاستبداد والقمع ومصادرة للحريات الفكرية والمادية, فالفساد هو نتاج طبيعي للأنظمة للاستبدادية والقول المشهور أن السلطة المطلقة مفسدة مطلقة  قول يختصر الكثير، وهو يربط  بين الفساد وبين الاستبداد باعتباره البيئة الخصبة التي يترعرع وينشأ عنها الفساد بكافة أشكاله. و من المهم أن ندرك أن ” الاستبداد يتسلل  في حكم الأمة باقتناعات صور زائفة مضللة، ومن أهم ما يسهل مهمة قوى الاستبداد لإضفاء المشروعية على ممارسات إرهاب الأمة، والاستبداد بقراراتها وشئونها، هو ضعف وعي الجمهور الأمر الذي يدخل المجتمع في دوامةٍ مهلكةٍ، من ضعف الوعي، إلى استبداد السلطات الطاغية، ونمو المصالح الخاصة الفاسدة المفسدة, ليزيد الفساد من تمكين التسلط والطغيان والاستبداد، من رقاب الأمة ومقدراتها، وفرض الوصاية عليها؛ لتزداد الأمة ضعفاً وخنوعاً في وجدانها، وتجهيلاً في ثقافتها، وضعفاً في وعيها، وهكذا دواليك، ضعف وعيٍ يؤدي إلى استبداد، إلى فساد، إلى مزيد من التجهيل وضعف الوعي والخضوع والخنوع، إلى مزيدٍ من الاستبداد، ومزيدٍ من الفساد “[22]. والذي يجعل الفساد دائماً يرتبط بالاستبداد هو أن ” النظام الاستبدادي يصنع له أنصارا وأعواناً من الفاسدين الذين يعبدون الدنيا بكل ترفها. فيتخلون عن كل معاني الشرف والقيم الأخلاقية، ولا يهمهم سوى الحصول على الأموال التي تمكنهم من أن يمتعوا أنفسهم، وأن يحصلوا على كل أنواع اللذة.وهؤلاء الفاسدون المترفون هم أهم أعوان المستبدين في كل العصور، فهم يعيشون لأنفسهم ويتكبرون على شعوبهم ويسخرون من الشرفاء ويحتقرون الذين يتمسكون بالقيم والأخلاق ويضحون من أجل الوطن”[23].

2 . 2     ملامح ثقافة الاستبداد والفساد :

من اخطر نتائج تحكم الأنظمة الشمولية لفترة طويلة بمناحي الحياة المختلفة، ظهور ثقافة جديدة مشوهة تعطل مفاعيل القوة والجدية في المجتمع. إن أنظمة الاستبداد لا تهدر إمكانيات البلد المادية إسرافا وبدارا وتعيق الوصول إلى الأهداف المفترضة فحسب، بل أنها تطيح بالعقل الفعال وتشله وتحول الناس إلى آلات حديدية مطوعة بلا مشاعر ولا خيال مبدع ولا قدرة على التصور والتخطيط والمبادرة [24].

الفساد يتحول في الدول التي يحكمها الاستبداد إلى مؤسسة لها آلياتها المتنوعة ومصادر قوتها المتعددة، كما إن تغلغل الفساد في أجهزة الدولة ومؤسساتها بحيث تصبح مرتعًا له بدلاً من أن تكون حائط صد ضده. يترتب على كل ذلك أن يتحول الفساد إلى ثقافة هي ثقافة الفساد، وهى تتمثل في منظومة القيم السلبية التي تسوِّغ الفساد وتبرره فالعلاقة المباشرة بين الفساد والاستبداد تتمثل في”أن الفساد عندما يستشري ويترسخ فإنه يعمل على حماية نفسه، وذلك بإبقاء كل الهياكل التي أنتجته على حالها، فلا تغيير في القوانين ولا تعديل في اللوائح ولا تطوير في السياسات، لذلك نجد أن المسئولين الحكوميين غير مبالين بالتغيير وذلك ضمانا لاستمرار المناخ الذي يضمن لهم المزيد من التربح واستغلال النفوذ “. [25] وهى تعنى قبول أفراد المجتمع بصفة عامة لكل حالات الفساد سواء كانت صغيرة أو كبيرة واقتناعهم بوجود الفساد والتعايش مع صوره وأنماطه المختلفة بل وإفساح المجال لها، ويصبح ظاهرة طبيعية يتوقعها المواطن في كافة تعاملاته اليومية و المسئول الفاسد هنا يكون اكبر من القانون فيحاول ترسيخ هذه الثقافة بخلق وعى زائف لدى المواطنين بإقناعهم انه ليس في الإمكان أبدع مما كان وتتحول مؤسسات الدولة الأساسية إلى مؤسسات يلفها الفساد، فالشخصيات المهمة والوزراء وأعضاء المجموعات البرلمانية يتحولون إلى جزء مهم في جرائم عديدة كإهدار المال العام والتعاون لتسهيل المخالفات وعلى الرغم من فساد كبار الموظفين تكون هناك توجهات مطالبة الجماهير بضرورة التضحية وربط الأحزمة من اجل مشروع قومي، فلا يجدون إمامهم إلا التكيف مع أنماط الفساد دون محاولة تغييره والإصابة باليأس والإحباط، وحتى التشريع الذي يتصدى للفساد قد وضع من قبل برلمان يكون أعضاءه الذين قدموا بالتزوير بأشكاله المختلفة جزءا من الفساد ” ولا غرابة في ظل هذه الأجواء التي يخلقها الاستبداد من احتكار السلطة واستخدام الوسائل المختلفة لإدامة نفسه من التجهيل إلى التفريق إلى استخدام الأعوان من مخبرين وامن وجيش وفتح السجون وتعذيب البشر وسحق الإرادة وخنق الحرية وإشاعة الانحلال والفجور والتلهي بتوافه الحياة أن يعيش المواطن مغترباً عن ذاته، مستباحا ومعرضاً لمختلف المخاطر.” فهو على الهامش تشغله لقمة العيش، لا يجد مخرجا سوى الخضوع يجتر هزائمه الخاصة والعامة وهو مغلوب على أمره، عاجز عن التغيير أو تحدي قوى الاستبداد”.[26]

وتفرز ثقافة الاستبداد نمطا يطابق طبيعتها، وهو تحقيق مصالحها الفئوية الخاصة، على حساب المصالح العامة، وهي بذلك تحدث انشقاقاً كبيراً في المجتمع يكرس حالة الفساد ، وتحول ساحة المجتمع إلى ساحة حرب بين مختلف الأفكار والاتجاهات، دون وجود لتعايش وتفاهم يضمن حالة التكافل والتعاون، وهي عقلية يسميها البعض بعقلية (الجُزُر المنعزلة) حيث لا تهتم كثيراً بخلق عمل جماعي ناجح، ولا تعبأ أساساً بالصالح العام، بل كل الاهتمامات موجهة في اتجاه صالحها الفردي.[27] وتعمل الدولة المستبدة على أن تبقي على الفساد نهجا ومذهبا ونمطا معيشيا، لأنه حين يعم الفساد لا يعود بوسع أحد التحدث عنه أو الاعتراض عليه طالما أن دائرته اتسعت فشملت شبكة واسعة من مصلحتها غض النظر أو السكوت عما يدور، إذ يلجأ المفسدون إلى إشاعة نهجهم الخاص على أوسع نطاق ممكن بين ضعاف النفوس، عملا بالقاعدة القائلة أنه إذا أراد الفاسد حماية نفسه فإن عليه أن يفسد سواه أيضا، فما أن يعم الفساد و يتورط فيه الكل حتى تتكون آلية تضامنية تلقائية بين المفسدين يتستر فيها الكل على الكل، فلا ترى، بعدها، من هم عناصر الفساد أو الفساد نفسه.

 وبذلك لا يصبح أمر الفساد محصورا في بضعة أشخاص فاسدين إنما يتحول إلى منهج متكامل يوفر أصحابه البيئة المناسبة لتعميمه وتحويله إلى وضع أليف يصبح معها مجرد النقاش حول الفساد ضرب من العبث، حينها يفقد الفرد قدرته على المقاومة بالتدريج، وتعلو لديه نوازع الأنانية، ويتخلى عن مبادئه وقيمه كما يتخلى عن احترامه للقانون والنظام، ثم ينتهي به الحال إلى التخلي عن إنسانيته واحترامه لذاته وللآخرين، ومع انتشار الفساد والمفسدين، واتساع نطاق الأرباح الخفية الناجمة عنه، فإن العمل الشريف الجاد يفقد قيمته، بل إن القانون نفسه يفقد هيبته واحترامه. هذا، فضلاً عن أن للفساد تكلفته الاجتماعية التي تتمثل في انخفاض معدلات الكفاءة في تخصيص الموارد الاقتصادية، وهو ما يؤدى إلى تخفيض معدلات التنمية الاقتصادية وعدالة التوزيع للدخل القومي .[28]

ومن ملامح ثقافة الاستبداد “إن تطفو المراسم الشكلية ومظاهر الأبهة والسلطان بهدف فرض الهيبة التي تتحول إلى تقديس وخوف. وبالطبع فلا مكان هنا للمساءلة أو المحاسبة أو المطالبة، فقط السماح بالتماس الرضا أو تجنب الظلم أو تحصيل بعض نعم السلطان و يذعن الناس للسلطة بسبب التسلط وبسبب أجهزة العنف التي تملكها السلطة وأساليب القهر والقمع وتهديد مصادر الرزق”[29]. وتبرز هنا مظاهر الرشوة والمحسوبية والتي تشكل خطورة بالغة على سلامة الجسم الاجتماعي، ذلك أنّها تؤجّجُ الشعور بالظلم والقهر، وتُنهك الفئات الفقيرة ومتوسّطي الحال، وتجعلُ حقوق المُواطن كالشغل والسفر والاستشفاء والسكن قابلة للبيع والشراء، وتفتحُ الأبواب أمام الانتهازيين الذين لا همّ لهم سوى الإثراء على حساب غيرهم من المُستحقّين، ويُداسُ على سائر قيم التراحم والتضامن والتعاون، وتُنتهكُ أبسطُ حقوق الإنسان، ويسودُ قانونُ الغاب، وتزدهرُ نزعاتُ الانتهازية والوصولية والابتزاز والطمع والجشع، وتتغذّى الأنانيّةُ المُفرطةُ عند الكثيرين إلى درجة إلغاء الآخر.

وتحتضن حالة الاستبداد السياسي الذي تعيشه الأمم والمجتمعات والجماعات”استبدادا ثقافيا واجتماعيا يختمر في نفوس البشر، ويتحول إلى حالة تطبع أساسي في السلوك، وتعود على التمسك بالأحادية، ورفض الاستماع للرأي الآخر، وقطع الطريق أمام الحوار والتفاهم؛ ففي حالات ترسخ روح الاستبداد والتسلط يصبح الحوار منعدما، وإذا كان فعلى الأغلب يكون عقيما؛ ذلك أن الوضع ليس إلا سيطرة شمولية للرأي الواحد، متمثلاً بالسيطرة المطلقة للأحادية المنفردة,  لقد أوجدت ثقافة التسلط شخصيات تفتقر إلى التوازن النفسي؛ فهي قد تستعلي استعلاءً كبيراً على الآخرين، إلا إذا كانوا من ذوي النفوذ والقوة، وهنا نجد خضوعاً وممارسة لأساليب الدونية ولكن ما تحققه ثقافة الاستبداد هو تحطيم الوجود الفكري للإنسان، عبر قطع طرق التواصل؛ لذلك يصبح الفرد في هذه الأجواء مجرد هامش جامد على أطراف الجغرافيا، لا يفهم ولا يرى ما يحدث على حقيقته؛ فيفقد القدرة على التقييم السليم والتعرف الصحيح؛ ذلك أن أحادية الفكر والانغلاق المتسلط يمارسان عادة بصورة لاشعورية، دون محاولة التعرف العلمي الهادئ على ما يريد أن يقوله الآخر”[30] ويوضح الكواكبي في كتابه ” طبائع الاستبداد ” أثر الاستبداد على الأخلاق وعلى دوره في خلق ثقافة جديدة للمجتمع قائلا:”الاستبداد يتصرف في أكثر الأميال الطبيعية فيضعفها أو يفسدها أو يمحوها, والاستبداد يسلب الراحة الفكرية فتمرض العقول ويختل الشعور, واقل ما يؤثره الاستبداد في أخلاق الناس انه يرغم حتى الأخيار منهم على ألفة النفاق والرياء”[31] ولهذا تشيع في أجواء الاستبداد ثقافة السكوت وتنتشر أمثال ما انزل الله بها من سلطان وكلها تحض على الصمت والسكوت والقبول بالموجود .

2  .  3    الاستبداد يهدد منظومة القيم الايجابية في المجتمع

حيث تتفشي أنماط السلوك غير السوي في المجتمعات المقهورة تبرز منظومة قيمية جديدة  والسبب هو ممارسات العنف والاضطهاد والسلطة الاستبدادية لفترات طويلة وابرز مظاهر هذه المنظومة يكون في أنماط السلوك الاجتماعي حيث تعمل آليات القهر على ترسيخ مفاهيم الإذعان والخنوع في وجدان الإنسان المقهور من أجل شل حركته المضادة، كما تصنع حالة من الشعور بالتهديد المتواصل وعدم الاستقرار تجعل الإنسان المقهور في موقف الدفاع الدائم والحذر الشديد من أي شيء يمت بصلة إلى السلطة.
أيضا تركز السلوك المتوارث للإذعان والخنوع في المجتمع, فالمجتمعات التي تخضع للاستبداد والعنف المفرط أمداً طويلاً تتعزز في ذاتها أنماط من السلوك غير السوي تتنافى وسماتها الأساسية، للحفاظ على ذاتها المستلبة من الهلاك. كذلك تحدث حالة  تماهي للإنسان المقهور بسلطة الاستبداد, حيث يتحول الإنسان المقهور من ضحية إلى معتدي على أمثاله الأضعف والأقل خطورة، وهذا التحول يجعله أداة بطش بيد المتسلط نتيجة معاناته من حالة وهم القيمة والاعتبار الذاتيين، ما يدفعه إلى “الاستزلام” لدى المتسلط ويتماهى بعدوانه.[32]

 2 . 4   منظومة الإستبداد:

 وتتضمن هذه المنظومة صفات المستبِد والمستبَد بهم وطبيعة العلاقة بينهما, والبيئة التي يعيشون فيها.

فصفات المستبِد:

* العلو والكبر:حيث يشعر المستبد بعلوه على من حوله من البشر وملكيته لهم, وبالتالي يطلب منهم الطاعة والانقياد, ولا يسمح لهم بمخالفته أو مناقشته, وهكذا شيئاً فشيئاً تتضخم ذاته خاصة مع خضوع من حوله, ويصل في النهاية إلى الاعتقاد بإلوهيته, وهذا الاستبداد والذي وصل إليه فرعون حين قال:”أنا ربكم الأعلى”, وقال:”يا أيها الملأ ما علمت لكم من إله غيري”[33].  ويوضح برهان غليون أهم سمة للمستبد وهي رفض الآخر” فالعقل الاستبدادي عقل إطلاقي يرفض إن بكون لكل فرد وجهة نظر مخالف”[34]

* الاستخفاف: وفى داخل نفس المستبد استخفاف واحتقار لمن يستبد بهم, ويزيد هذا الشعور بداخله كلما بالغوا هم في طاعته ونفاقه والتزلف إليه لأنه يعلم بداخله كذبهم وخداعهم, ويعلم زيف مشاعرهم, ويشك في ولائهم وإخلاصهم, كما أنه منذ البداية لا يثق في قدراتهم  وجدارتهم, وبالتالي يصل في النهاية إلى الشعور بالاستخفاف بهم[35]. ويؤكّد القرآن الكريم أنّه ما كان لطاغية أو مستبدّ أن يقْدُم على فعله لو لم تكن ثمّة قابلية للاستخفاف لدى الجمهور والرّعاع، ولذلك نجده ينحو باللائمة عليهم لا على الطاغية، ويجعلهم عبرة لكل معتبر، فقال تعالى في معرض الحديث عن طغيان فرعون وموقف قومه منهفاستخفّ قومه فأطاعوه إنهم كانوا قوما فاسقين. فلمّا آسفونا انتقمنا منهم فأغرقناهم أجمعين. فجعلناهم سلفاً ومثلاً للآخرين[36]  أي أنهم – قبل الطاغية- ملومون مستحقون للعقاب، إذ هم المعنيون بتبديل ذلك الوضع، عن طريق التمرّد والرفض والثورة.[37]

*الجبروت والعناد: فالمستبِد جبار عنيد وهى صفات متصلة ببعضها لأن جذورها في النفس واحدة. فمنظومة الاستبداد تبدأ بالتكبر والاستعلاء الذي يصل إلى درجة التأله. والمتكبر لا يحتمل اختلافاً في الرأي, بل لا يسمح من البداية أن يكون هناك رأياً آخر يزاحمه لأن هذا الرأي الآخر يعتبر قدح في تألهه وجبروته فهو يفترض أنه على صواب دائماً وأن ما يراه هو الحق المطلق, وبالتالي فهو يعتبر أن صاحب الرأي الآخر سفيهاً أو مضللاً ومتعدياً على مقامه الأرفع ومن هنا يكون غضبه شديداً يصل إلى درجة قتل المخالف مروراً بتعنيفه أو سجنه أو تعذبيه أو نفيه, والمتكبر دائماً وأبداً عنيد لأنه يفترض أنه يمتلك الحقيقة المطلقة وبالتالي لا يقتنع برأي آخر ولا يريد أصلاً ولا يقبل أن يكون هناك رأى آخر.[38]

أما صفات المستبَد بهم فهي:

* الفسق: حيث انه مع استمرار السلوك الاستبدادي يتحول الناس (المستبَد بهم) إلى كائنات مشوهه وذلك من كثرة الأقنعة التي يلبسونها لإرضاء المستبد فيتفشى فيهم النفاق والخداع والكذب والالتواء والخوف والجبن وتكون النهاية كائنات مشوهه خارجة عن الإطار السليم للإنسان الذي كرمه الله[39], والقرآن الكريم يصفهم بالفسق, والفسق هنا كلمة جامعة لكل المعاني السلبية التي يكتسبها الخاضعون للمستبد” فاستخف قومه فأطاعوه إنهم كانوا قوماً فاسقين”[40].

وحين تجتمع الصفات السلبية للمستبِد مع الصفات السلبية للمستبَد بهم فتكون النتيجة بيئة مليئة بالفساد ” وفرعون ذي الأوتاد الذين طغوا في البلاد فأكثروا فيها الفساد”[41]  فالفساد نتيجة طبيعية ومباشرة للاستبداد مهما كانت مبررات الاستبداد ومهما كانت اللافتات التي يتخفى وراءها لأن الاستبداد تشويه للتركيبة النفسية للمستبِد وتشويه أيضاً للتركيبة النفسية للمستبَد بهم وبالتالي يحدث تشويه للبيئة التي يعيشون فيها, فالاستبداد أحد أهم عوامل التلوث الأخلاقي والبيئي في الحياة.[42]

 2  .  5    أدوات وأجهزة الاستبداد:

2  .  5  .  1     أولا: أجهزة الأمن والحماية:

عند الحديث عن أنظمة الاستبداد فأول ما يخطر ببالنا هي الأجهزة التي يقيمها بمسمياتها المختلفة والتي تكون وظيفتها حماية النظام، وذلك من خلال “ترويع المجتمع”. لقد أصبحت مؤسسة الأمن من أهم دعائم نسق الحكم الفاسد. وهي عماد مؤسسة القهر التي تضم أيضا أجهزة المخابرات المختلفة والمخبرين المبثوثين في كل الأرجاء, كما تضم الأعوان ( المدنيين ) الذين يتم استدعاؤهم لإثارة الفزع في صفوف الجماهير أو ما يمكن تسميتهم ( البلطجية أو الزعران او الشبيحة). “إن صورة دولة المخابرات تجسد حالة مخلوق ضخم يقوم على القوة والعنف والاستبداد، ويستمد أسباب استمراره من الخوف وليس من الشرعية”.[43]

وفي أنظمة الاستبداد تكثر الأجهزة الأمنية، وكلما زادت أعداد رجال الأمن زادت مساحات الخوف، حيث ينسحب الأمان ويعم الاضطراب، ومن ثم تكثر السرقات والفوضى والتعديات، فالسلطة منشغلة دوماً بترتيب المواكب وتنظيم الحراسات، وتكثيف المظاهر لقادتها ومسؤولييها، والتجسس على معارضيها وقمع مخالفيها  وفي حالة العدوان الخارجي تكون هذه الأجهزة أول من يطلق ساقيه للريح هربا.

2  .  5  .  2      ثانيا: أجهزة الإعلام:

وبالطبع فإن الجهاز القمعي يسانده جهاز إعلامي، هو في حقيقته أداة النظام الرئيسية للتعبئة، والشحن العاطفي ضد المعارضين ويقوم بتزييف الوعي وإفساده إن أمكن. والتعمية على المواطنين والكذب المتواصل على طريقة جوبلز( وزير الإعلام النازي ): اكذب ثم اكذب ثم اكذب وكلما كانت الكذبة اكبر كان التصديق لها أكثر. والقضايا التي يتم طرحها تكون بما يتفق وتوجهات الحكم والنخبة والحكومة، والقضايا التي يتم حجبها، وتجاهلها تكون مما لا يحسن فتح ملفاتها. أما ممارسة حرية الرأي والتعبير، فإذا لم تكن في حدود “الأدب أو بعبارة أخرى “الخطوط الحمراء” فإن المصير يتراوح بين الطرد أو الفصل أو الحرمان من الممارسة أو النقل الإداري وصولاً إلى السجن والتعذيب بأنواعه [44].

2  .  5  .  3       ثالثا: مثقفو السلطة المستبدة:

ومثقف السلطة هو احد الأدوات الرئيسية للاستبداد وهو من أعمدة ثقافة الفساد فهذا “النظام” الفاسد يحيط نفسه بطبقة من كتاب البلاط, وهي طبقة عازلة تُنَظِر لبقاء هذا النظام، طبقة مكوّنه من أنصاف وأرباع مثقفين يكتبون المقالات في تمجيد النظام، و تفتح لهم الصحف والشاشات أبوابها دون تحفظ لإلقاء الخطب والتصريحات وممارسة طقوس الطاعة والولاء بشكل يومي .وهم قادرون على تحويل الهزائم إلى انتصارات والإخفاقات والمخازي إلى مؤامرات والشرف والفضيلة إلى تطرف وإرهاب وتزمت, وهم يمتلكون وجوها عديدة ومتنوعة لكل مناسبة. و مثقف الاستبداد همه الأول منح النظام السياسي الشرعية مقابل أن ينعم بالعطاءات المادية والترقيات و المناصب الرفيعة، وهو الذي يمتلك القدرة على تزييف الحقائق، ويخفي أهداف المستبد الذاتية، ويحولها إلى أهداف سامية باسم الشعب والأمة والوطن والدين، مستخدمًا كل المخزون الفكري والمفاهيم الأخلاقية لدى الناس ليلصقها بسلوك المستبِد فيصبح هذا المستبد قائدا ملهما فاضل لا غنى للجماهير عنه. والمثقف لا يكف عن الهتاف، فهو يسترزق من هتافه، ويتحول بالتدريج إلى مستبد صغير، فيتوالد الاستبداد ويعيد إنتاج شروط إنتاج الاستبداد من جديد نفسه، فيصبح استبدادا دينيًّا واستبدادًا ثقافيا واستبداد اجتماعي واقتصادي …. وهؤلاء المثقفون هم المسئولون عن فساد العقل لأنهم حولوا العقل من وظيفته النقدية إلى أداة تبريرية للأنظمة العاجزة ومروجين بارعين للشعارات التي يسوقونها ليل نهار.[45]

ومن أسوأ أنماط مثقفي السلطة من يطلق عليهم ” علماء السلاطين ” فهم يحاولون إعطاء المستبد كل ألوان الشرعية الدينية عبر تحريف مقاصد الدين وأهدافه السامية وتقزيمها وعبر ليِّ النصوص وتطويعها لتكون في خدمة مصالح المستبد وحاشيته.

 2  .  6   وسائل وأساليب الاستبداد للاستمرار:

حكومات الاستبداد تلجا إلى أساليب عديدة لتحافظ على بقائها وترسيخها ودوام سيطرتها واهم هذه الوسائل هي:

2  .  6  .1    التجهيل وتفريغ التعليم من محتواه:

فالجهل هو الأب الشرعي للاستبداد، والعنصر الفاعل في إمداد جسد المستبِد بكل مقومات الحياة والاستمرار. وهناك عملية أخذ وعطاء غير مرئية تجري بين الأمة الجاهلة والحاكم المستبد. فإذا قلنا أن المستبد يأتي من رحم الأمة الجاهلة فإن الأمة الجاهلة على دين ملوكها (حكّامها المستبدين).[46]

أيضا تلجا حكومات الاستبداد إلى تغييب الوعي عبر تشجيع ثقافة الخنوع والتنظير للهزيمة الداخلية والعجز والتواكل, ومنع الثقافة التي تعلم الإنسان سبل الحياة الواقعية، من الحقوق الفردية والوظائف الجماعية وحدود الحاكم، أو التي ترفع من منسوب الوعي لديه ليبقى سائرا في الظلام لا يستطيع الفكاك من عبودية الجهل والتخلف والاستبداد. وتستخدم أساليب عديدة لذلك منها علماء السوء الذين يتلبسون بزي علماء الدين ليحصل بواسطتهم على الشرعية الدينية ، باعتباره ولي الأمر، والخروج عنه فتنة وإفساد في الأرض.

أيضا فان مؤسسات التعليم تحول رسالة العلم ذات أهداف دنيوية مصلحية ذاتية بعيدا عن الهم العام وعن إثارة التفكير النقدي العقلاني بل الحفظ والتلقين والترديد كالببغاء فتتخرج الأجيال وكل ما يعرفونه هو التسبيح بحمد الحاكم المستبد يخشون من كل جديد ويناهضون كل تقدم.”إن هدف الرسالة التعليمية في الدولة الاستبدادية هو” إبعاد العقل عن طرح المشكلات التي يواجهها المجتمع, واستبدالها بمشكلات جانبية تخدم هدف التفكيك للحمة الاجتماعية”[47] و”هناك مقولة تؤكّد أنه إذا فسد القضاء وفسد التعليم في أمّة من الأمم تخّلفت هذه الأمة، وشوّه هذا الفساد معظم علاقات المجتمع الإنساني لأنها تقوم على الظلم والاستبداد والجهل، وعُدّت هذه الأمّة في عداد الدول المتخلّفة حضاريا ومعرفيا. ولهذا تحرص منظومة الاستبداد على أن تكون الجامعات والتي يفترض أنها منارات العلم والمعرفة والتطور ميدانا للاستبداد والفساد عبر سياسة التعيين التي تقصي المخالف وتقرب التابع برغم ضعفه وانعدام قدراته  وبذلك تتشكلّ في أعماق الأستاذ الجامعي القادر المهمش  شعور بالغبن والظلم  وانعدام الدور ولأنه لا يستطيع أن يقابل هذا الاستبداد بحوار علمي أخلاقي، تكون فيه علاقة الند للند هي السائدة، فإنه يكبت رغبته العارمة بتقويض هذا الاستبداد، وينزوي على نفسه، ويتقاعس في عمله، و تتعطل طاقاته الإبداعية، وملكاته وقدراته الكثيرة على العطاء العلمي والمعرف والبحثي المنظّم”.[48] أيضا فان العملية التعليمية في الدولة المستبدة قائمة علي محور السيد/ التابع. فالسيد هنا هو المعلم الذي يعرف كل شيء عن أي شيء ولا يعطى التابعين (الطلاب) أي مجال للمناقشة والعصف الذهني والتفكير الإبداعي. لذلك فان واجب الطالب هو فقط حفظ وخزن المعلومة ثم استفراغها في آخر العام الدراسي علي ورقة الامتحانات. هذا الوضع يخلق اضطراباً في منهجية التفكير يتمثل في سوء التنظيم الذهني للواقع. تقترب الذهنية المتخلفة من الواقع وتتعامل معه دون خطة مسبقة ذات مراحل منطقية واضحة سلفاً. بل عبر الفوضى والعشوائية والتخبط والمحاولة شبه العمياء ويصبح هذا هو النمط الشائع في التصدي للحياة بقضاياها اليومية و يكون هدف التعليم في هذه الحالة هو إعادة إنتاج الواقع الذي يكرس الهيمنة المستبدة.[49]

2  .  6  .2     تغييب المراقبة والمحاسبة

في الدولة الاستبدادية كل شيء يجري على غير عادته، فالصفقات تعقد خلف الكواليس، والاتفاقات خارج حدود المراقبة، وليس هناك من يراقب أو يحاسب الانتهاكات والتجاوزات، حتى الدستور المكتوب لا يمكن أن يكون رادعاً للتعديات على القانون والمصادرة للحقوق والممتلكات حيث تغدو الدساتير ألعوبة بيد الحاكم يعدلها كيفما شاء  ووسيلة ضغط على خصومه فقط وبهذا يكون الدستور والقانون والقضاء عوامل دعم وإسناد للمستبد في إحكام قبضته على معارضيه.[50]

وفي أنظمة الاستبداد تفقد المؤسسات معناها فالسلطة التشريعية تصبح مجرد ديكور، وتصبح السلطة التنفيذية منفذة لمصائب الشعب وصانعة لمعاناته، وتصير السلطة القضائية قاضية على آمال الشعب في العدالة الاجتماعية والكفاءة السياسية، أما السلطة الرابعة فهي أشبه ما تكون بشعراء البلاط.[51]”  وفى ظل الاستبداد تضطرب موازين العدالة ٬ وتختل أعمال القضاء خصوصا عندما يتصل الأمر بشخص الحاكم أو أسرته أو أتباعه أو أسلوبه في الحكم.”[52]

2  .  6  .3      تكثير  الأعوان والمنتفعين وإفساد الأمة وإلهاءها بالمغريات:

عماد قوة المستبد جوقة الأعوان من المتزلفين والمتملقين والمطبلين  الذين يستند عليهم الطاغي في ترويج بضاعته وأفعاله الفاسدة، وبدونهم لا يتمكن من تثبيت وجوده. والى هذا المعنى أشارت الآية الكريمة (إن فرعون وهامان وجنودهما كانوا خاطئين)[53] حيث وصفت فرعون وأعوانه بوصف واحد، فجاء مصيرهم واحدا أيضاً (فأخذناه وجنوده فنبذناهم في اليم)[54].

بالإضافة إلى ذلك أن بقاء الاستبداد وامتداده في طول التاريخ إنما هو بالمعين على الاستبداد والراضي به. والحكومات الاستبدادية تعمل على ترسيخ  نمط من التفكير النفعي وتعزيز الأنانية الفردية و التفكير السلبي في ذهنية واعتقاد الناس في محاولة لجرهم نحو مزالق الانحراف والتعدي على حقوق الآخرين طمعاً في المال أو الجاه، فيكونون بذلك قد وقّعوا على صكوك عبوديتهم للمستبد ليصبحوا أداة طيعة بيده يضرب بهم من يريد ويحاسب بهم من يشاء, حيث يتحولون بطبيعة الحال إلى نواة صلبة تدعم الانحراف والاستبداد وتدافع عنه بكل قوة. كما أن الاستبداد يبتكر الأساليب والمغريات المختلفة التي تلهي الأمة وتفسدها وتستعبدها للشهوات من كل نوع  وتجعلها بعيدة عن الهم العام وعن سرقة حقوقها.

 2  .  6  .4     التفريق بين أطياف المجتمع:  

 فالعامل الذي يحفظ حقوق أية أمة ويلبسها ثوب العزة والكرامة يكمن في قوة رابطتها، وتوحد كلمتها، فإذا حدث تخلخل في هذا الشمل أو تمزق للرابطة والكلمة فليتوقع الجميع أن المستبِد قادم لا محالة وباق في منصبه حتى توحدهم. ولعل وسيلة (فرق تسد) من أبسط الوسائل التي استعملت قديماً ولا زالت في سبيل السيطرة على أزمة ومقاليد الأمور وخصوصا عندما تتشكل الأمة من اثنيات وطوائف متعددة. فالأنظمة المستبدة تلجا إلى إثارة الفتن والأحقاد العرقية والطائفية والمناطقية والقبلية لتكون بالتالي أقوى من جميع خصومها المتفرقين وكما يوضح برهان غليون انه” لكي تستمر الدكتاتورية وتتمكن الفئة المتسلطة من الاستمرار في نهبها, لابد من إن تكون هناك إمكانية  لتقسيم الشعب وتمزيقه وتوجيه كل فئة نحو الأخرى  أي لا بد من تحطيم وعيهم الجمعي حيث إن غيابه سيعني انتفاء الخطر على الاستبداد”[55]

2  .  6  .5      الحصار والتهميش والقمع للأحرار:

كل من لا يوالي الحاكم المستبد على استبداده وفساده ولا يشاركه في ارتكاب المظالم, محكوم عليه أن يقبع في معتقل الكلمة والرأي, فإن تكلم وجد نصيبه من ممارسات الاستبداد ملاحقة وحصارا أو سجنا وتعذيبا أو نفيا وتشريدا, وكل من لا يتحول إلى بيدق من بيادق السلطة قمعا وقهرا أو فسادا ومحسوبية أو إعلاما موجها وفكرا منحرفا وأدبا تائها وفنا ضائعا، بعيدا عن قضايا الناس وحياة الناس ومشكلاتهم وآمالهم وآلامهم محكوم عليه أن يعيش وراء قضبان معتقل الفقر والبؤس ليفتح عينيه صباحا على كوابيس البحث عن لقمة الطعام لأهله ويغلق عينيه مساء على كوابيس الخشية مما قد يأتي به غد, وكل من يتجرأ على تجاوز حدود الكتابة أو الكلام في المشاكل اليومية الصغيرة والمسائل الجانبية التافهة فان عليه إن يبقى قابعا في الزوايا المهملة.[56]

وتكون محصلة هذه الأساليب المزيد من الجهل والتخلف والتراجع في كل الميادين الحضارية والإنسانية والاجتماعية وتحويل المجتمع إلى طوائف وفرق متناحرة. وتحويل الوطن إلى معتقل استبدادي كبير، وفي هذا المعتقل  تنتشر الاعتقالات العشوائية، والمحاكمات الصورية، والانحرافات باسم القانون، والمظالم باسم القضاء، والتخلف عبر الفساد، ويتاح المجال لانتهاكات لا تنقطع للحقوق والحريات والكرامة الإنسانية، على أوسع نطاق شامل لمعظم أفراد الأمة وفئاتها, وفي ظل هذه الوسائل والأساليب التي تبدع الدولة الاستبدادية في خلقها  لنا إن نتساءل: أي مستقبل للتنمية في هذه الأجواء وكيف سيتفجر الإبداع في براثن العبودية وكيف سيتحقق الانجاز وكل الشعب صامت صمت القبور يخشى من كل شيء ويشك في كل ما حوله والجميع يردد المثل القائل:( امش الحيط الحيط وقول يارب السترة ) أو ( الجدران لها آذان ).

  1. 3    المحور الثالث:  تأثير الاستبداد والفساد على التنمية

وهنا نقول إن الإبداع والتقدم والانطلاق نحو المستقبل لا يمكن أن يتحقق في ظل نظام دكتاتوري أو استبدادي يقوم على فكرة السلطة الشمولية، حيث تبنى المؤسسات لأجل خدمة الفكر السلطوي الذي يتبناه، والذي يستهدف حماية الأوضاع الراهنة، والمدعوم بقوى منتفعة ترى في التطور انهيارا لمصالحها، ويجهد أنصار هذا النظام ووعاظه في تنمية ثقافة شعبية عامة ترى في أمر اضطهاد الفكر الحر أمرا مقبولا ومبررا، مما يترتب عليه قتل روح الإبداع وخنق الأفكار المتنورة وإشاعة النفاق السياسي، ويبنى ذلك وفق نظام قانوني يبدو صارما ومشددا ومدعوما بخطاب سياسي يخاطب الغرائز لا العقول.

وفي الدولة الاستبدادية حيث لا يبغي الحاكم المستبد إلا مصلحته الشخصية أو مصلحة الفئة الضيقة الحاكمة ومن ثم يكون الحاكم في الدولة الاستبدادية مطلق التصرف وغير مقيد بأي قيد، لا من حيث الوسيلة ولا من حيث الغاية، أي انه يعمل وفقا لما تتفتق عنه قريحته أو مزاجه أو جنونه أحيانا، وتندمج في ظل هذه الدولة كافة السلطات لتكون كلها بيد الحاكم المستبد بحيث يكون هو الحاكم والمشرع في آن واحد كما انه يتولى تعيين أعضاء السلطة القضائية التي لاتتمتع بأية استقلالية, وتنشا أجهزة أمنية لا حصر لها مهمتها الأولى والأخيرة التجسس على المواطنين وقمعهم وكبت حرياتهم.

وسنناقش في هذا المحور شروط تحقيق التنمية ودور الحرية في توفير أجواء الإبداع, وكيف يقود الاستبداد إلى التخلف, وأن ركود التنمية هي نتيجة للاستبداد والفساد,  وسنرى أيضا كيف تتم عملية خنق التنمية في الدول الاستبدادية وكيف يؤثر الاستبداد والفساد على التنمية.

 

3  .  1   شروط تحقيق عملية التنمية:

والشروط اللازمة لتحقيق عملية التنمية الاقتصادية والاجتماعية بنجاح هي: الشفافية والمساءلة والحكم الرشيد، بالإضافة إلى شروط أخرى مثل: فعالية الحكومة وتمتعها بالكفاءة والخبرة الإدارية اللازمة، وأهمية هذه الشروط هي تحصين المجتمع من آفة الفساد، وما يقترن به من مظاهر الفوضى والتسيب واللامبالاة، وانعدام الحس بالمسؤولية. فإذا كانت القواعد الناظمة للحياة العامة قواعد موضوعية وعلنية، وإذا كانت القرارات الحكومية رشيدة من حيث خياراتها ومركزاتها ومبرراتها ودوافعها، وإذا كان المسئولون كل في مجال عمله على مستوى السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية يخضعون للرقابة الوقائية واللاحقة ,فإن عجلة التنمية ستندفع للأمام وستنكمش حالات الفساد وهدر الموارد.

 وهذا الأمر يقتضي إقامة نظام سياسي يقوم على مبدأ التعددية السياسية المستند إلى الانتخابات العامة العلنية والنزيهة، وأن يرتكز هذا النظام على الفصل بين السلطات الثلاث، وان يتضمن احترام ممارسة المواطنين لحقوقهم المدنية والسياسية، وعلى رأسها حرية التعبير، وبذلك يتم تصويب السياسات التي تتسبب في هدر الموارد, و حصر ثروات المسئولين ومعرفة مصدرها من قبل الأجهزة الرقابية التي يُفترض أن تتحقق من صحتها أثناء وبعد تولي المسؤولية العامة. و إعطاء صلاحيات واسعة لجهاز رقابي واحد، يتمتع بالاستقلال في مراقبة السلطات الثلاث، وأن يُعِد هذا الجهاز تقارير دورية تكون في متناول المواطنين وأعضاء المجالس التشريعية والقيادات الحزبية ومؤسسات المجتمع المدني كافة. والتوعية السياسية بإشاعة مناخ ثقافي ناقد يحترم الرأي والرأي الآخر، يمكن له أن يحد من الانخراط في الممارسات الفاسدة، ولا بد من توفير الحرية لوسائل الإعلام، وإعلاء القيم المجتمعية من نزاهة وإيثار وتضحية ونكران للذات، والتمسك بالخصال الحميدة المتأصلة في المجتمع من أمانة وحس بالمسؤولية الفردية والجماعية. وضرب المثل الأعلى والقدوة الحسنة من قبل القادة من مسئولي الأحزاب ومؤسسات المجتمع المدني.[57]

وهذه الأجواء أو الشروط الضرورية لعملية التنمية هي النقيض تماما لأجواء الدولة الاستبدادية ومن هنا يمكننا القول إن أجواء الاستبداد لا يمكنها إيجاد تنمية,لان الأنظمة السياسية المستبدة تعمل على استغلال الثروات وبناء اقتصاد يخدم مصالحها الذاتية وبما يقوي من ديمومة سلطتها, ويكون التخطيط التنموي موجها بشكل يخدم نواحي معينة بعيدة عن انتشال شعوبها من الفقر والتخلف والبطالة, ولا تعود بالفائدة الإنمائية على شعوبها، فتطوير مجال الاقتصاد  الوطني في استثمار الثروات لا يخدم الشعوب إلا بما يحقق الفائدة الأعظم لمصالح هذه الأنظمة. فنظام الحكم الذي تغيب فيه المشاركة والشفافية والمحاسبة هو أكثر المجالات خصوبة لانتشار الفساد وفساد الحكم هو الذي يقود إلى فساد الأفراد. ففي هذا النوع من نظم الحكم تغيب المبادئ والشروط التي يجب أن تتوفر في إدارة الدولة والبيئة السياسية والمجتمع والحياة العامة والفاعلين فيها وهذه الشروط هي: الاستقامة,الموضوعية,المحاسبة,الوضوح والأمانة, الشفافية.[58] وإذا كان مقياس التنمية الاقتصادية وكفاءتها هو النمو الكمي و معيار التنمية الاجتماعية وكفاءتها هو التوزيع العادل للثروة فان بين أهم مقاييس التنمية السياسية وكفاءتها هو المشاركة وشفافية ومؤسسية نظام الحكم والسلطة اللتان تسمحان بالمحاسبة لأجهزة الدولة وأصحاب المناصب التشريعية والتنفيذية. والتنمية الشاملة كما يعرفها البرنامج الإنمائي للأمم المتحدة هي: “عملية زيادة خيارات البشر وزيادة قدراتهم وإمكانياتهم، بتوفير فرص أوسع أمامهم للتمتع بحياة طويلة وصحية، والحصول على المعرفة والتعليم، والوصول إلى الموارد الضرورية للعيش بمستوى حياة كريمة، وضمان التمتع بالحريات السياسية والاقتصادية. وهذه التنمية لا تصبح عملية متواصلة ومستديمة بدون إيجاد الحكم الرشيد أو الحكم الجيد. وترى الأمم المتحدة أن إدارة الحكم كممارسة للسلطة السياسية والاقتصادية والإدارية في تسيير المجتمع على كافة المستويات، يشمل الآليات والعمليات والمؤسسات التي من خلالها يقوم الأفراد والجماعات بالدفاع عن مصالحهم وممارسة حقوقهم والتزاماتهم. والحكم هنا يشمل الدولة التي تهيئ البيئة السياسية والقانونية المناسبة، والقطاع الخاص الذي يوفر التشغيل والدخل، والمجتمع المدني الذي يشكل إطارا للتفاعل السياسي والاجتماعي بين الناس والدولة، ووسيط للمشاركة وإيصال المطالب والتعبير عن المصالح. وترى أن الحكم الجيد يتصف بسمات معينة، حيث يقوم على المشاركة في صنع القرار من خلال مؤسسات تمثل مصالح الناس، وسيادة القانون وتنفيذه بعدالة، والشفافية في عمل مؤسسات الحكم المختلفة بحيث تتوفر المعلومات الكافية لفهم عملها. كما أن من سماته الاستجابة، بحيث تسعى المؤسسات لخدمة جميع الأطراف ومصالحهم، إضافة إلى الإنصاف وإتاحة فرص متساوية للناس جميعا بتحسين حياتهم. وضرورة أن تتصف مؤسسات الحكم بالفاعلية والكفاءة بحيث تكون نتائج أعمالها قادرة على تلبية المطالب والاحتياجات، باستخدام الموارد المتاحة بكفاءة عالية. كما أن الحكم الجيد يقوم على التوازن بين المصالح المتعددة، ويسعى لبناء توافق لتحقيق مصالح مختلف الأطراف، إضافة إلى ضرورة أن تخضع أطراف الحكم وصناع القرار فيها إلى المساءلة الداخلية والخارجية. ومن المهم أيضا أن يكون لدى أطراف الحكم رؤية طويلة الأمد للحكم الرشيد والتنمية المستدامة وشروطها واحتياجاتها والبيئة المحيطة بها”[59]

3  .  2     الحرية  توفر الأجواء للخلق والإبداع:  

ولقد عانت البشرية في مسيرتها الطويلة من الاستبداد الذي يكبت النفوس ويحولها إلى مجرد مخلوقات يائسة مستعبدة وتوصلت إلى إن أنظمة الحرية والديمقراطية والشورى هي الأجواء التي تخلق الإبداع والانجاز. إن الديمقراطية والشورى وسيلة إنسانية متطورة لاحتواء الثقافات المتنوعة لغرض تحويل الصراعات المحتمل نشوؤها، على اثر هذا التنوع والاختلاف إلى صراعات سلمية وفقا لقواعد محددة  وبما تتيحه من تنظيم قانوني يقوم على الإرادة الحرة للشعب وترسيخ قيم وأخلاقيات وتقاليد علمية، تقوم على احترام الرأي الأخر وإتاحة الفرصة للإبداع الفكري ليـأخذ دوره في الحياة العامة، وخلق نظم مؤسساتية فعالة تدعم الابتكار وإنتاج المعرفة، تتجسد ابتداء في المؤسسات التعليمية التي تشجع على التفكير النقدي الحر والتي تحفز الطلاب على نقد المسلمات الاجتماعية أو السياسية وتنمي فيهم الروح الاستقلالية وانتهاء بالمؤسسات البحثية والتطويرية التي تدعم الأنشطة الإبداعية والخلاقة.

إن الاستبداد والطغيان يتناقض مع سيادة القانون وسيؤدي إلى الفوضى وعدم الشعور بالمسؤولية في المجتمع، والى تردي الأخلاق العامة وازدواجيتها، وهو مدعاة لنمو ثقافة القسوة والنفاق والدكتاتورية وادعاء احتكار المعرفة، وتأليه الذات البشرية، وتكون نتيجته الشاذة هي إن يستحوذ القائد الأوحد أو القادة الكبار في الدولة، وهم عادة غير شرعيين لأنهم غير منتخبين أو مزورين للانتخابات، على قابلية الانفراد باتخاذ القرار، ومن ثم تكرس كل القوانين و القرارات في الدولة من اجل خدمة مصالحهم وإدامة وجودهم، من دون السماح للمواطنين بالمشاركة، أو حتى الاطلاع على الكيفية التي يتم بها صناعة القرار، وبمعنى أخر انعدام الشفافية والمساءلة، وهذا ما يفتح الباب أمام تفشى الفساد الإداري والمالي، كالمحسوبية والرشوة والاختلاس واستغلال النفوذ والاعتداء على حقوق المواطنين العامة لمصلحة فئة قليلة من الناس .

وإجمالا:”لا إبداع بدون حرية، و الحر وحده هو الذي يستطيع التعامل مع مختلف الظروف والأحوال من أجل أن يبقى سيد نفسه. لقد انهمك فلاسفة الإنسان والسياسة عبر التاريخ وحتى الآن في البحث عن حرية الإنسان لأنها هي أرضية تقدمه وعطائه وقدرته على المشاركة الحرة في أعمال المجتمع وصناعة الحضارة.[60]

3  .  3   الاستبداد يقود إلى التخلف:

يعتبر عبد الرحمن الكواكبي من الأوائل الذين شخّصوا أسباب التخلف وغياب العدالة وانهيار عوامل الرقي والتقدم, كان ذلك عبر كتابه «طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد» ولقد وضح الكواكبي تأثير الاستبداد على كل مناحي الحياة عبر عدة أبواب في كتابه أهمها  الاستبداد والعلم, والاستبداد والمجد, و الاستبداد المال, والاستبداد والأخلاق,والاستبداد والتربية, والاستبداد والترقي. ثم بحث الكواكبي في الروابط بين الاستبداد والفساد وترابطهما موضحا أن محاربة الفساد والاستبداد تقتضي صياغة وعي مختلف فما بين الفساد والاستبداد ثمة تلاقٍ في المعنى والتقاء في الممارسة، ومن هنا كان المستبد دائماً عدو «الحق» وخصم «الحقيقة» كما يرى الكواكبي وكان الفاسد إدارياً واجتماعياً وهو النقيض لكل شيء ما يذهب بعيداً في الانتماء والارتقاء [61]. وفي مجتمعاتنا اليوم هناك أعداء حقيقيون للمستقبل وللتنمية وكذلك العقل المتحرر من ثقافة الخرافة وضد كل ما من شأنه الأخذ بأسباب التقدم. وطالما ظلت ثنائية الفساد والاستبداد ضاربة أطنابها في أي منطقة فلا يمكن أن تكون هناك حالة نهوض، في ظل عقل مكبّل ومعاق، أو مطارد وجسد مشلول وتنمية تفتقر إلى نظافة اليد وإلى نظافة السلوك.[62]

3  .  4   ركود التنمية كنتيجة للاستبداد :

إن ركود التنمية وانهيارها، ما هو إلا نتيجة طبيعية ومنطقية لممارسات تلك الأنظمة المستبدة وللقمع الشديد ضد المواطنين وطلائعهم المثقفة. إن الشعوب في ظل مثل هذه الأنظمة لن تكون قادرة على مواجهة مشاكلها التنموية. فالنظم الاستبدادية تقتل في شعوبها إرادة التفكير والتطوير والإبداع وتخلق مجتمعا متأزما. وأسير الاستبداد “يعيش خاملا فاسدا ضائع القصد، حائرا لا يدري كيف يميت ساعاته وأوقاته. فهيمنة الاستبداد يحرم الشعوب من الطاقة الحركية التي تدفعها لبناء ذاتها وهي طاقة الحرية المسئولة والقدرة الإبداعية على الابتكار الصحيح والتفكير العلمي الممنهج والتعبير السليم. فالاستبداد والتسلط هو شيء أعمى يسير عكس حركة التاريخ والحضارة والحياة الإنسانية الطبيعية, لأنه يقف على طرف نقيض من حرية الإنسان ومن قدرته على تحقيق الاختيار السليم، بل إنه يشل طاقة التفكير واستخدام العقل والفطرة الصافية عند الإنسان، ويجعله أسيرا بيد الجهل والتخلف, وهنا تقع الكارثة الكبرى عندما يفقد هذا الإنسان حريته لأنه يفقد معها كل شيء جميل في الحياة، إنه يفقد العزة والكرامة والأخلاق والعلم، وبالتالي يكون مصيره الموت المحتم أو العيش على هامش الحياة والوجود[63].

 يقول أرسطو: “إن الغاية النهائية للطاغية كي يحتفظ بعرشه هي تدمير روح المواطنين وجعلهم عاجزين عن فعل أي شيء إيجابي”[64]  و”عملية التنمية بحاجة إلى مشاركة واسعة من الجماهير وقناعة راسخة من خلال عملية إدماج طوعي للانخراط الفاعل والواعي في وتيرة التطور الحضاري والتنموي, بحيث تتم استثارة كوامن الجماهير وطاقاتها الذاتية للإبداع والإنتاج والمنافسة, ومن المؤكد إن الدولة لن تستطيع إن تكون منجزة ما لم تحظ بالشرعية المستقرة من خلال إشراك مواطنيها وتفعيل مسؤولياتهم من خلال نظام سياسي مدني شرعي يحظى برضا الناس ويحمل طموحات المجتمع ويعمل على تلبيتها, فتتحول الدولة من مجرد ارث شخصي ثابت لفئة معينة إلى مركز حيوي لخدمة المجتمع ككل, وبذلك تستطيع أي امة إن تبحر في الإطار الشامل للتنمية”[65].

  وتعتبر قضية انتشار وتفشي الفساد في المجتمعات التي تعاني من قمع الحرية وتسلط المستبدين عليها إحدى ابرز المشكلات التي تواجهها هذه المجتمعات وتحول بينها وبين التنمية الشاملة, والمدخل السياسي هو الطريق الذي يوصل إلى تفشي الفساد في المظاهر الأخرى الاقتصادية والاجتماعية والإدارية في المجتمع, فالفساد عندما يبدأ سياسيا ينتشر بسرعة في كل المستويات ويتحول إلى مؤسسة بكل ما للكلمة من معنى, وأرقام ومؤشرات الفساد في دول العالم تشير بشكل واضح إن الدول التي تحكمها أنظمة دكتاتورية تحصل على أعلى المستويات في مؤشرات الفساد, وكلما كان النظام السياسي يتمتع بالشفافية والرقابة الشعبية والحرية كلما أصبحت مشكلة الفساد محدودة جدا وبالتالي تحدث التنمية المستدامة المتعددة الأبعاد فهي تنمية تشمل الاقتصاد كما تشمل الجوانب الثقافية والاجتماعية وتساهم بخلق قيم المشاركة والعدالة الاجتماعية.

3  .  5    آثار الاستبداد والفساد على التنمية:

وكما أسلفنا تمثل ثنائية الاستبداد والفساد تحدياً خطيراً في وجه التنمية.  فتقوض الحرية والمشاركة وتخلق أزمة التوزيع وتدمر المؤسسات وبالتالي تدمر قيم المجتمع الايجابية كالثقة والتسامح والصدق والقبول بالآخر والتعددية لصالح قيم سلبية بديلة كالنفاق والتعصب والكذب, وتنعكس الآثار على التنمية الاقتصادية لتحبطها, وإجمالا يمكن القول إن هذه الثنائية من الفساد والاستبداد تؤدي إلى سلسلة من الآثار المدمرة على كل الصعد نلخصها بالاتي:

ترسيخ التنمية غير المتوازنة:
في حالة دخول الأموال الفاسدة في الدورة الاقتصادية فإنها تتركز في العاصمة و المدن الكبيرة الأخرى لتواجد الفاسدين في هذه المدن فيحرم الريف من عائداتها بالرغم من فسادها فتترسخ التنمية غير المتوازنة.[66]

 توظيف الأموال الفاسدة في الاستهلاك البذخى:
إن جزءاً من الأموال التي يستحوذ عليها الفاسدون تحول إلى الاستهلاك البذخى نتيجة للقيم التي تسيطر عليهم مثل المغالاة في المتع الحسية والتباري في المظاهر المادية  من عربات وحلى ومساكن فاخرة وأثاث فالمال الذي يأتي سهلاً دون عناء وعمل يذهب في الصرف السهل وهذا يؤثر على أنماط الاستهلاك العامة ولهذا أثره الاجتماعي القيمى على رأس المال الاجتماعي وروح التضامن والتكافل والثقة في المجتمع ويصنع قدوة سيئة للآخرين.

 

هجرة الكفاءات:
وينطلق هؤلاء إلى أصقاع الأرض لان بلدانهم لا تضع الرجل المناسب في المكان المناسب والفساد المستشري يمنع آفاق الاستثمار فتنخفض فرص الاستخدام فيهاجر المهنيون إلى الخارج خاصة وان طبيعة عملهم العلمي المهني لا تسمح لهم بمجاراة ممارسات الفساد.[67]

تدهور التنمية الاقتصادية :
إن الفساد يزيد من تكلفة الاستثمارات وبالتالي يقلل من كفاءة رأس المال ويغيب الشفافية، حيث يتعارض مع وجود بيئة تنافسية حرة والتي تشكل شرطا أساسيا لجذب الاستثمارات المحلية والخارجية على حد سواء مما يدفع المستثمرين للهروب والى هروب رؤوس الأموال المحلية، وهو ما يؤدي إلى ضعف عام في توفير فرص العمل ويوسع ظاهرة البطالة والفقر, كما يحدث  هدر الموارد بسبب تداخل المصالح الشخصية بالمشاريع التنموية العامة، والكلفة المادية الكبيرة للفساد على الخزينة العامة كنتيجة لهدر الإيرادات العامة.

إحلال المصالح الخاصة محل العامة:
إن الفساد والاستبداد يحلان المصالح الخاصة محل المصالح العامة كما يقضى على الثقة والمصداقية في مؤسسات الدولة بسبب عدم المساواة في معاملات المواطنين مع أجهزة الدولة ومراكز اتخاذ القرار فيها. وهو بذلك يقضى على الحكم الراشد والمحاسبة والشفافية وحكم القانون وحقوق الإنسان كما يهدد المجتمع المدني الذي تقوم مبادئه على الشفافية والمحاسبة والاستقلالية وعلى المساواة و تنخفض المقدرة التنافسية التي تسلب القطاع الخاص مقدرته وكفاءته في تخصيص الموارد على أساس آليات السوق فيتم تخصيص الموارد على أساس علاقات الفساد وعلاقات القرابة والصداقة والولاء السياسي والمصالح الفردية. [68]

 

القضاء على الشرعية العلمية والمهنية في السياسة واتخاذ القرار:

في أنظمة الاستبداد  يقضى على الأسلوب العلمي والمهنية في اتخاذ القرار ويغيب دور العلماء والمهنيين في التحضير لاتخاذ القرار على أساس البحث العلمي والطرق العلمية في اتخاذ القرار إذ تخضع القرارات للمصالح الخاصة والنزوات الشخصية للأفراد أو الشرائح الاجتماعية المهيمنة على مواقع اتخاذ القرار فيتدهور النظام الادارى نتيجة للفساد وأثره على النظام السياسي ونظام الحكم .

تدهور التنمية الاجتماعية :

إن الفساد ينخر في رأس المال الاجتماعي, حيث يؤدي الفساد إلى خلخلة القيم الأخلاقية والى الإحباط وانتشار اللامبالاة والسلبية بين أفراد المجتمع، وبروز التعصب والتطرف في الآراء وينشر ويرسخ لقيم الأنانية واحتقار العمل وإتقانه وكفاءته كمصدر أساسي للثروة وكقيمة ومعيار للسلوك فينتشر التوجه إلى الفساد والغش والتدليس والمراوغة وتنتشر الجريمة كرد فعل لانهيار القيم وعدم تكافؤ الفرص.[69] كما يؤدي الفساد إلى انعدام المهنية وفقدان قيمة العمل والتقبل النفسي لفكرة التفريط في معايير أداء الواجب الوظيفي والرقابي وتراجع الاهتمام بالحق العام. والشعور بالظلم لدى الغالبية مما يؤدي إلى الاحتقان الاجتماعي وانتشار الحقد بين شرائح المجتمع وانتشار الفقر وزيادة حجم المجموعات المهمشة والمتضررة وبشكل خاص النساء والأطفال والشباب كما يؤدي إلى خلق جو من النفاق السياسي كنتيجة لشراء الولاءات السياسية,كما تغيب الثقة بالمؤسسات العامة .[70]

فالنسق الاستبدادي نسق متعفن بالكامل ويحمل معه تعفنات خطيرة في أخلاق الناس وهو كنسق متكامل يفرز منظومة قيم تخدمه وتتكامل معه،ومثل هكذا نسق لن يخدمه إلا رجال مفترون مثله ومن لا يكون كذلك سيطيح به النسق ويلفظه فورا أو بعد حين.

الشبكة العربية العالمية

 

قائمة المراجع :

أ-  الكتب:

1-   القران الكريم.

2- ابن منظور- لسان العرب.

3- الفيروز آبادي -القاموس المحيط.

4-  برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، إدارة الحكم لخدمة التنمية البشرية المستدامة، وثيقة للسياسات العامة، نيويورك، كانون ثاني، يناير 1997.

5-  برهان غليون, مجتمع النخبة, ط1 1986 م, معهد الإنماء العربي.

6- حسن محمد وجيه، مقدمة في علم التفاوض الاجتماعي والسياسي,عالم المعرفة.

7-  حليم بركات، “المجتمع العربي في القرن العشرين، ط 1,2001 م  بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية.

8- خلدون حسن النقيب “الدولة التسلطية في المشرق العربي المعاصر. دراسة بنائية مقارنة” ط3, 2004, مركز دراسات الوحدة العربية, بيروت، 1991.

9- راسم محمد الجمال، الاتصال والإعلام في الوطن العربي, بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 1991.

10-  طارق علي جماز, التنمية الاقتصادية والبشرية , الأكاديمية العربية بالدنمارك, كلية الإدارة والاقتصاد.

11- عبد الرحمن الكواكبي, طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد,  نسخة الكترونية.

12- محمد الغزالي, الفساد السياسي في المجتمعات العربية والإسلامية,2005 م, نهضة مصر للطباعة والنشر والتوزيع.

13- منصف المرزوقي, عن أي ديمقراطية يتحدثون, ط1,المؤسسة العربية الأوروبية للنشر.

14-   اليونسكو، دليل عمل العقد العالمي للتنمية الثقافية 1988-1997.

ب- مجلات فصلية:

1- حسن حنفي، “قراءة جديدة للكواكبي في: طبائع الاستبداد ومصارع العباد”، وجهات نظر، العدد 37، (فبراير 2002).

2محمد الحسن بريمة ,رؤية إسلامية مقاصدية في التنمية الاجتماعية , فصلية إسلامية المعرفة ,السنة السابعة, العدد 26, خريف 2001,المعهد العالمي للفكر الإسلامي.

3- نبيل علي الصالح, الحرية والديمقراطية: ثنائية التطوير في بناء الدولة, فصلية المنهاج, السنة 15, العدد 59.

ت – مواقع الشبكة العنكبوتية :

1- إبراهيم العبادي, دولة الريع البوليسية وثقافة التواكل,موقع صحيفة صوت الحرية على الرابط: http://www.baghdadtimes.net

2- احمد الدغشي, التمرد على الاستخفاف بداية الخلاص, موقع ينابيع تربوية على الرابط: http://www.yanabeea.net/

3- احمد عائل الفقيهي, الفساد والاستبداد, موقع الحوار المتمدن على الرابط: http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=197199

4- اسعد عبد الرحمن , الاستبداد وحكم التغلب في أنظمة الحكم العربية المعاصرة, على الرابط :  http://www.aljazeera.net/NR/exeres/

5- أسماء حسين محمد أدم, لتعليم في المجتمعات المتخلفة ما بين مطرقة الثقافة الاستبدادية وسندان التقليدية, http://edutrapedia.illaf.net/arabic/show_article.thtml?id=761&print=true

6-  ثناء فؤاد عبد الله, آليات الاستبداد وإعادة إنتاجه في الواقع العربي, http://www.aljazeera.net/NR/exeres/-

7- جامعة عين شمس, قسم الدراسات الفلسفية, معجم الفلسفة, http://adab.niceboard.com/t2348-topic

8- سامر المؤيد,الفساد الإداري: صور شتى , شبكة النبأ على الرابط: http://www.annabaa.org/nbanews/

9- سامر نصر, اثر الفساد على عملية الإصلاح في سورية, موقع الحوار المتمدن على الرابط: http://www.ahewar.org/

10-  سليمان صالح , لماذا يرتبط الفساد بالاستبداد, المركز الفلسطيني للإعلام على الرابط التالي: http://www.palestine-info.info/

11-عبد الحميد أبو سليمان –شكالية الاستبداد والفساد في الفكر والتاريخ السياسي الإسلامي موقع (المعهد العالمي للفكر الإسلامي- http://www.veecos.net/portal/index.php?option=com_content&view=article&id=1

12-  عبد الستار قاسم, الأحرار يصنعون الخبز يا عباس, 20\10\2006, موقع الكاتب على الرابط : http://www.grenc.com/a/Akassem/show_

13-علي عبد الرضا,إنتاج الاستبداد, شبكة النبأ http://www.annabaa.org/nba46/estibdad.htm

14-غازي دحمان, عرض كتاب سلطة الاستبداد والمجتمع المقهور, على الرابط: http://www.gulfson.com/vb/f25/t76775/

15-فؤاد البنا , دور الاستبداد السياسي في تخلف الأمة , http://www.yemen-sound.com/vb/

16-قناة الجزيرة , برنامج بلا حدود , مقابلة مع  هوجيت لابيل رئيسة منظمة الشفافية الدولية , 9/12/2009 على الرابط التالي : http://www.aljazeera.net/NR/exeres

17-محمد الرميحي , التنمية الشاملة و التنمية السياسية ,على الرابط : www.alrumaihi.info/tanmy

18-محمد عبد الرحمن يونس , الأستاذ الجامعي والجامعات العربية المعاصرة آلية الاستبداد والفساد , شبكة النبأ : http://www.annabaa.org/nbanews

19- محمد هلال الخليفي , جذور الاستبداد في الحياة السياسية العربية المعاصرة,  http://www.aljazeera.net/NR/exeres/

20-محمد السوقي عبد العليم,الفساد الإداري أسبابه وآثاره ,على الرابط : http://eldesuky.maktoobblog.com/363/

21-محمد المهدي, سيكولوجية الاستبداد,على الرابط التالي: http://www.elazayem.com/new_page_57.htm

22-مروة كريديه – مثقف السلطة في الأنظمة الاستبدادية بوق أيديولوجي ومُشرّع للفساد- على الرابط :  http://www.diwanalarab.com/

23-ناصرعبيد الناصر,من أين يبدأ الفساد وأين ينتهي, شبكة النبأ,على الرابط:http://www.annabaa.org/

24-هيثم مناع,ساعة الحقيقة, موقع الجزيرة نت على الرابط:http://www.aljazeera.net/NR/exeres/

25-متلازمة الاستبداد والفساد وثنائية الوصل والفصل, بدون كاتب, على الرابط: http://blacksteed.jeeran.com/

 

 

 

[1] – عبد الرحمن الكواكبي , طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد ,  نسخة الكترونية ,  ص 7

[2] – حسن حنفي، “قراءة جديدة للكواكبي في: طبائع الاستبداد ومصارع العباد”، وجهات نظر، العدد 37، (فبراير 2002)، ص 30 .

[3]  –  خلدون حسن النقيب “الدولة التسلطية في المشرق العربي المعاصر.. دراسة بنائية مقارنة” ط 3  ,2004 , بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 1991 ص 23-24.

[4] – المصدر السابق نفسه ص 23 .

[5] – ثناء فؤاد عبد الله, آليات الاستبداد وإعادة إنتاجه في الواقع العربي, http://www.aljazeera.net/NR/exeres/-

[6]- محمد هلال الخليفي , جذور الاستبداد في الحياة السياسية العربية المعاصرة , موقع الجزيرة على الرابط : http://www.aljazeera.net/NR/exeres/

[7] القران الكريم , سورة الفجر, الآيات : 11-12

[8] القران الكريم , سورة طه , الآية :24

[9] محمد هلال الخليفي– جذور الاستبداد في الحياة السياسية العربية المعاصرة-مصدر سبق ذكره .

[10] -. محمد هلال الخليفي– جذور الاستبداد في الحياة السياسية العربية المعاصرة-مصدر سبق ذكره

[11] جامعة عين شمس , قسم الدراسات الفلسفية, معجم الفلسفة , http://adab.niceboard.com/t2348-topic

 [12] هيثم مناع ,ساعة الحقيقة , موقع الجزيرة نت على الرابط : http://www.aljazeera.net/NR/exeres/

[13] – منصف المرزوقي , عن أي ديمقراطية يتحدثون , ط1 ,المؤسسة العربية الأوروبية للنشر , ص62-63 .

– [14]ابن منظور , لسان العرب ,ج3 ، ص 336.

 – [15] الفيروز آبادي, القاموس المحيط ص 444.

[16] سامر المؤيد ,الفساد الإداري : صور شتى , شبكة النبأ على الرابط : http://www.annabaa.org/nbanews/

[17] سامر نصر , اثر الفساد على عملية الإصلاح في سورية , موقع الحوار المتمدن على الرابط : http://www.ahewar.org/

[18] -متلازمة الاستبداد والفساد وثنائية الوصل والفصل , بدون كاتب , على الرابط : http://blacksteed.jeeran.com/

[19]  اليونسكو، دليل عمل العقد العالمي للتنمية الثقافية 1988-1997، ص 8

[20]- محمد الرميحي , التنمية الشاملة و التنمية السياسية ,على الرابط : www.alrumaihi.info/tanmy

[21] – محمد الحسن بريمة ,رؤية إسلامية مقاصدية في التنمية الاجتماعية , فصلية إسلامية المعرفة ,السنة السابعة , العدد 26 , خريف 2001,المعهد العالمي للفكر الإسلامي , ص 64-65

[22] – عبد الحميد أبو سليمان –شكالية الاستبداد والفساد في الفكر والتاريخ السياسي الإسلامي موقع (المعهد العالمي للفكر الإسلامي- http://www.veecos.net/portal/index.php?option=com_content&view=article&id=1

[23] سليمان صالح , لماذا يرتبط الفساد بالاستبداد , المركز الفلسطيني للإعلام على الرابط التالي : http://www.palestine-info.info/

[24] – إبراهيم العبادي ,دولة الريع البوليسية وثقافة التواكل , صحيفة صوت الحرية على الرابط : http://www.baghdadtimes.net

[25] – ثناء فؤاد عبد الله, آليات الاستبداد وإعادة إنتاجه في الواقع العربي,   مصدر سبق ذكره

[26] – حليم بركات، “المجتمع العربي في القرن العشرين، ط 1 ,2001 م  بيروت  : مركز دراسات الوحدة العربية –  ص 35

[27] – حسن محمد وجيه، مقدمة في علم التفاوض الاجتماعي والسياسي,عالم المعرفة ص 267

[28] – قناة الجزيرة , برنامج بلا حدود , مقابلة مع  هوجيت لابيل رئيسة منظمة الشفافية الدولية   9/12/2009 على الرابط التالي : http://www.aljazeera.net/NR/exeres

[29] — ثناء فؤاد عبد الله, آليات الاستبداد وإعادة إنتاجه في الواقع العربي, مصدر سبق ذكره

[30] – حسن محمد وجيه، مقدمة في علم التفاوض الاجتماعي والسياسي ،مصدر سبق ذكره , ص 167 – 180

[31] – عبد الرحمن الكواكبي , طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد  , ص 56

[32] -غازي دحمان , عرض كتاب سلطة الاستبداد والمجتمع المقهور , على الرابط : http://www.gulfson.com/vb/f25/t76775/

[33] -القران الكريم , القصص : 38 .

[34] – برهان غليون , مجتمع النخبة , ط11986 م , معهد الإنماء العربي , ص 288

[35] – محمد المهدي , سيكولوجية الاستبداد , على الرابط التالي : http://www.elazayem.com/new_page_57.htm

[36] – القران الكريم , الزخرف , الآيات 54 – 56 .

[37] – احمد الدغشي , التمرد على الاستخفاف بداية الخلاص , موقع ينابيع تربوية على الرابط : http://www.yanabeea.net/

[38] – محمد المهدي , سيكولوجية الاستبداد , مصدر سبق ذكره

[39] – محمد المهدي , سيكولوجية الاستبداد , مصدر سبق ذكره

[40] – القران الكريم , الزخرف : 54

[41] -القران الكريم , الفجر10-12

[42] – محمد المهدي , سيكولوجية الاستبداد , مصدر سبق ذكره

[43] – ثناء فؤاد عبد الله, آليات الاستبداد وإعادة إنتاجه في الواقع العربي, مصدر سبق ذكره

[44] راسم محمد الجمال، الاتصال والإعلام في الوطن العربي , بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 1991 ، ص 70-71.

[45] مروة كريديه – مثقف السلطة في الأنظمة الاستبدادية بوق أيديولوجي ومُشرّع للفساد- http://www.diwanalarab.com/

[46] – علي عبد الرضا , إنتاج الاستبداد ,  شبكة النبأ  http://www.annabaa.org/nba46/estibdad.htm

[47] – برهان غليون , مجتمع النخبة , مصدر سبق ذكره  , ص 254

 [48]: أسماء حسين محمد أدم , لتعليم في المجتمعات المتخلفة ما بين مطرقة الثقافة الاستبدادية وسندان التقليدية , http://edutrapedia.illaf.net/arabic/show_article.thtml?id=761&print=true

[49] – محمد عبد الرحمن يونس , الأستاذ الجامعي والجامعات العربية المعاصرة آلية الاستبداد والفساد , شبكة النبأ : http://www.annabaa.org/nbanews

[50] – علي عبد الرضا , إنتاج الاستبداد ,مصدر سبق ذكره

[51] – فؤاد البنا , دور الاستبداد السياسي في تخلف الأمة , http://www.yemen-sound.com/vb/

[52] -محمد الغزالي , الفساد السياسي في المجتمعات العربية والإسلامية,2005 م , نهضة مصر للطباعة والنشر والتوزيع  ,ص 121

[53] – القران الكريم , القصص 8.

[54] – القران الكريم , القصص 40

[55] – برهان غليون , مجتمع النخبة ,مصدر سبق ذكره  , ص 292

[56] – علي عبد الرضا , إنتاج الاستبداد ,  مصدر سبق ذكره

[57] – ناصر عبيد الناصر ,من أين يبدأ الفساد وأين ينتهي , شبكة النبأ , على الرابط : http://www.annabaa.org/

[58]  – طارق علي جماز , التنمية الاقتصادية والبشرية , الأكاديمية العربية بالدنمارك , كلية الإدارة والاقتصاد ص 78 .

[59] – برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، إدارة الحكم لخدمة التنمية البشرية المستدامة، وثيقة للسياسات العامة، نيويورك، كانون ثاني، يناير 1997، ، ص  5- 10.

[60] – عبد الستار قاسم , الأحرار يصنعون الخبز يا عباس , 20\10\2006 , موقع الكاتب على الرابط : http://www.grenc.com/a/Akassem/show_

[61] – عبد الرحمن الكواكبي , طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد , نسخة الكترونية ,

[62] – احمد عائل الفقيهي , الفساد والاستبداد , موقع الحوار المتمدن على الرابط : http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=197199

[63] – اسعد عبد الرحمن , الاستبداد وحكم التغلب في أنظمة الحكم العربية المعاصرة, على الرابط :  http://www.aljazeera.net/NR/exeres/  

[64] – المصدر السابق نفسه .

[65] نبيل علي الصالح , الحرية والديمقراطية : ثنائية التطوير في بناء الدولة , فصلية المنهاج , السنة 15 , العدد 59 , ص : 105-107 .

[66] – طارق علي جماز , التنمية الاقتصادية والبشرية , الأكاديمية العربية بالدنمارك , كلية الإدارة والاقتصاد ص 81 .

[67] – المصدر السابق نفسه   ص 82 .

[68] – المصدر السابق نفسه  ص 79 .

[69] – المصدر السابق نفسه  ص 80 .

[70] – محمد السوقي عبد العليم ,الفساد الإداري أسبابه وآثاره ,على الرابط : http://eldesuky.maktoobblog.com/363/

  

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

*