أنا مثقف الأهواز
الرئيسية » تطوير الذات » التصورات التحليلية النفسية لتشكل العرض و البنية النفسية الجسدية

التصورات التحليلية النفسية لتشكل العرض و البنية النفسية الجسدية

التصورات التحليلية النفسية لتشكل العرض

و البنية النفسية الجسدية

ميشال فون راد و زيغفريد تسبف

 Mechael von Rad & Siegfried Zepf

ترجمة: الدكتور سامر جميل رضوان

ا- ملاحظة أولية:

لفترة طويلة فهم وفسر تشكل العرض النفسي الجسدي في التحليل النفسي من منظور عصابي نفسي، ومؤخراً بدأت تتردد طموحات تعطي لتشكل العرض النفسي الجسدي سمة تصنيفمرضية. وبدون المس باختلاف هذه المبادئ من التفسير يستند كلا المنظور!ن في رؤيتهما للعرض النفسي الجسدي إلى سمتين أساسيتين: فمن جهة يوجد اضطراب لأطر الوظائف الفيزيولوجية (غالباً ما يكون مرتبطا بتهدم عضوي) والذي يبدي من ناحية أخرى سمات سلوك تواصلي قصدي متجذر بطريقة مرمزة ذات مغزى في تاريخ الحياة الفردي، وسوف يتم هنا الاحتفاظ بمصطلح المريض (النفسي الجسدي) على الرغم من أنه يستخدم في سياقات مختلفة من المعنى وأنه غير دقيق وغير صحيح من وجهات نظر متنوعة. إلا أنه قد  ترسخ مقابل المفاهيم البديلة (مثل التجلي الأول نفسي المنشأ للأمراض العضوية) ليس بسبب قصره ولكن لأنه يتسم بالصهر اللغوي للارتباط الوثيق في الوقت نفسه للعوامل النفسية والتاريخ حياتية الفردية.

وعن هذا التحديد المزدوج ينجم المطلب الذي يوجب طرح التصورات التي سنعرضها من خلال المنظور الراهن: تحت أي من العوامل الفيزيولوجية النفسية والاجتماعية والنفسية يرسّي فرد ما (يحمل تجهيزاً بيولوجياً ونفسياً- بنيوياً محدداً) اضطراباً جسدياً وما هو الاضطراب الذي يرسيه وتحت أية شروط يختفي بسرعة أو يسير بصورة متأزمة أو يصبح مزمناً؟

وفيما يتعلق بتشكل العرض لما يسمى بالأمراض النفسية الجسدية التقليدية بالمعنى الضيق فإنه هنا لا بد من ملاحظة أنه على الرغم من أنها تابعة- باعتبارها أمراضاً جسدية- إلى مجال الطب الإنساني العلمطبيعي، ولكنها من حيث طبيعتها تقوم على اضطرابات العلاقات البين إنسانية لتاريخ الحياة الفردية، يمكن تقصيها وإصلاحها بالأساليب التفسيرية للتحليل النفسي.

وليس هناك من نقص في التصورات التي حاولت بتوكيدات مختلفة الأخذ بعين الاعتبار المظاهر التحليل نفسية للحدث الكلي- بصورة خاصة الطبيعة الدافعية والجسدية والأنوية والعلائقية الموضوعية (فيما يتعلق بالعلاقة بالموضوع) للعرض وتقديم إجابة عن بعض هذه الأسئلة. وعلى الرغم من أن فرويد في رسالة إلى فون فايتسكر قد عبر عن وجهة النظر التي تقول: “إنه لا يمكننا على الإطلاق القيام بالقفز من الجسدي إلى النفسي” ومع ذلك فقد حاول تجاوز الحدود ووصل هذين المجالين. وقد شكل كلا هذين المجالين- نموذج التحويل ونموذج عصاب القلق- منطق التطور النظري اللاحق.

2- نموذج التحويل (فرويد):

حسب فرويد 1932 فإنه يتم من خلال التحويل جعل تصور مسبب للإزعاج غير ضار من خلال تحويل “مجموع إثارته ” إلى الجسد. وقد حدد فرويد ستة سمات للعرض التحويلي نفسه:

انه ينشأ عندما: (1)- تنزلق رغبة دافع في صراع مع المعايير الاجتماعية والداخلية وتقود بهذا إلى تصور غير قابل للتحمل، (2)- والتي لا بد لهذا السبب من استبعادها من الشعور، (3)- والصراع من طبيعة جنسية تناسيلة (أوديبي)، (4)- فإذا ما عادت هذه الرغبة الدافعية للظهور ثانية، ولا يمكن الحفاظ عليها من خلال الكبت الذي تم حتى الآن، يحدث التحويل، أي إزاحة الطاقة النفسية (اللبيدو من ملكية السيرورات النفسية إلى ملكية السيرورات الجسمية. وهذا يقود (5)- إلى عرض جسدي يعبر عن رغبة الدافع الكامنة خلفه وعن تحريم هذا الدافع بطريقة من خلال وسط مشفَّر ومرمَّز. وهذا يعني: إن التغيرات الجسدية يمكن ترجمتها إلى لغة وتكون قابلة للفهم باعتبارها كذلك.

والعرض يربط الطاقة النفسية ويحافظ على التصور المزعج أو الذي يصعب تحمله في اللاشعور، غير أنه يتطلب تركيزاً إضافياً ويقود بصورة ثانوية إلى امتلاك ليبدو مقوّى.  فهو يمتلك إذاً طابع إشباع وطابع عقاب في الوقت نفسه.  عدا عن ذلك فقد تمسك فرويد دائماً (6) بأنه ينبغي التسليم بوجود (تساهل جسدي) أي عامل جسدي يمتلك أهمية فيما يتعلق “باختيار العضو”  يمكن تصوره في منشأ يمتد بدءاً من وجود استعداد وراثي مروراً بالإرهاق الراهن وصولاً إلى  التأثيرات الطفلية الباكرة في إطار خبرات الجسد.

وحتى عندما أصبحت مثل هذه الأعراض النفسية الجسدية أكثر ندرة نتيجة للتطور الاجتماعي، فما تزال الصلاحية النظرية والعلاجية لهذا النموذج- حتى بشكلها الصارم أيضاً- غير مشكوك بها لدى مرضى حدوديين borderline على سبيل المثال الذين يعانون من شلل وظيفي (عدم القدرة على المشي Dysbasia)،  وكذلك من اضطرابات حساسية أو اضطرابات في الصوت.

غير أنه سرعان ما تبين أنه في تشكيلات كثيرة من العرض تلعب عوامل اجتماعية نفسية دوراً كبيراً، والتي لا يمكن تفسيرها بصورة مقبولة من خلال هذا النموذج. وهكذا فقد تم التخلي عن الارتباط بصراع جنسي- تناسلي وذلك من أجل المحافظة على نموذج التحويل باعتباره نموذج تفسير وتوسيعه:  وهكذا فقد وسع مفهوم فينيشل Fenichel  “التحويل قبل التناسلي”  مجال الصراعات ذات الأهمية إلى اضطرابات الحاجة الطفولية الباكرة جداً، التي تتمركز حول الرغبة بالقرب والدفء والرعاية. وحتى عندما حاول رانغل (Reangel,1959) وآخرون إعادة تضييق مفهوم التحويل ثانية، فإنه قد حدث توسيع بلا حدود لهد النموذج ليشمل عملياً على كل الصراعات الممكنة التي ظهرت في سياقاتها اضطرابات جسدية أيضاً بحيث أنه سرعان ما طرح السؤال نفسه فيما (ذا كان من المبرر الاحتفاظ بمفهوم ما، بدون أن يكون جوهر الاقتراح الفرويدي- المتمثل في التصوير الرمزي للصراع والتخفيف الدينامي الدافعي من خلال العرض- غير مبرهن- بعد- (وإلى هنا تنتمي غالبية “خطايا” النفسي الجسدي التحليل نفسي، عندما تفسر كل الحوادث الجسدية الممكنة بصورة شبه “رمزية” تقريباً – على سبيل المثال “بكاء” الشععب الهوائية في الربو.. الخ- هذه التأملات المغامِرة التي قوبلت بالاستياء من الطب، وعانى منها عدد لا بأس به من المرضى).

وقد قدم محللون نفسيون مختلفون آراء منفردة وأقل منهجية حول المنشأ (النفسي) للأمراض النفسية الجسدية، نذكر منهم في المحيط الناطق بالألمانية على سبيل المثال هارالد شولتز- هينيكة Harald Schultz-Heneke,19970 وفيرنر شفيدلر Werner Schwiddler,1970  واستثناء من ذلك شكله الكسندر متشرلش Alexander Mitscherlich  الذي طرح فيما يتعلق بالأمراض الجسدية تصوراً نوعياً “لكبت أو دفاع مكون من مرحلتين”  يحتل مكاناً خاصاً إلى حد ما (Mitschelich,1967).  ويفترض متشرلش أن الدفاع العصابي يفشل لدى المريض النفسي الجسدي، ولهذا فهو مدفوع إلى الكبت “الجسدي” إلا أنه بهذا يترك العوامل المسؤولة عن هذا القصور معلقة، ويحطم بطرحه لمفهوم الكبت الإطار المفاهيمي لما وراء علم النفس التحليل نفسي psychoanalytical Metapsychology. إذ أنه قد تم تصميم تصور الكبت باعتباره حادث ضمن منظومة مرجعية نظرية محددة، أي منظومة الجهاز النفسي. حتى أن فرويد كان قد حذر بشدة من محاولة “تحديد التموضع النفسي تشريحيا” (Freud,1900) طالما أن الأساس النفسي العصبي للجهاز النفسي غير مفسر من خلال تجريدات وراء نفسية، وطالما لا تعني فرضية الكبت إلى الجسدي أي نوع من التقدم في المعرفة. ويبدو من المشكوك فيه فيما إذا كانت الفئات التي تم تطويرها لتفسير أسلوب وظيفة الجهاز النفسي، قابلة للتطبيق بالطريقة نفسها على السيرورات (العمليات Processes) الجسدية وفيما إذا كان يجوز نقلها.

3- عصاب القلق (فرويد):

بصورة موازية لتصور التحويل لاحظ ووصف فرويد 1895 أعراضاً جسدية من التعرق، الدوار، والإسهال كمعادل لنوبة قلق وحدده بدقة ضمن أعراض التحويل. وهنا افترض فرويد كذلك وجود مصدر جنسي، ولكنه ليس موجوداً  في التطور المضطرب المشحون بالصراعات الجنسية، وإنما في اضطراب الحياة الجنسية الراهنة. ولم يعتبر أن منشأ عصاب القلق هو منشأ نفسي، وإنما سُمّي- جسدي “كنتيجة للتوترات الجنسية غير المصرفة”، وميزته الفاصلة بأنه هنا لا ينشأ عرض جسدي على أساس صراع نفسي بمساعدة عمل الكبت النفسي- أي بمساعدة عمل الأنا- إذ لا يحدث في عصاب القلق أي تمثل نفسي على الإطلاق وبدلاً من ذلك تتحول الإثارة المدركة جسدياً إلى عرض جسدي.

وقد وصف ديناميكية منشأ العرض، الذي كان يسمى في مصطلحات ذلك الوقت “بعصاب القلق” المختلفة عن آلية التحويل التي صنفها تحث الهستيريا في عام 1895 بالشكل التالي “… وهكذا تنتج وجهات نظر تشير إلى أن عصاب القلق هو الجانب الجسدي للهستيريا. فهنا نلاحظ كما هناك تكرار للإثارة… وهنا كما هناك يلاحظ قصور نفسي، تكون نتيجته حدوث حوادث جسدية شاذة… وهنا كما هناك بدلاً من التمثل النفسي حرف للإثارة نحو الجسدي، والفارق هو فقط أن الإثارة التي يظهر العصاب عبر أزاحتها هي إثارة خالصة من عصاب القلق… في حين أنها في الهستيريا هي عبارة عن إثارة نفسية” أو بصورة لا لبس فيها في عام 1917: “إن أعراض العصاب الراهن… ليس لها معنى، ليس لها أهمية نفسية”.

ويتعلق الأمر- يقول في مكان آخر- (باغتراب خالص بين الجسدي والنفسي) (فرويد، 1885) وحسبما يرى لم يقدم العصاب الراهن للتحليل النفسي أي نقطة ضعف يمكن الولوج منها إليه (أي للعصاب الراهن) ولهذا فقد أزيح إلى خارج مجال التحليل النفسي.

 

4- العصاب العضوي وخصوصية الصراع (ألكسندر):

ظل هذا التقسيم الذي قام به فرويد، والذي حمل في طياته مبادئ تفسير لتشكل العرض النفسي الجسدي، محجوباً عن الأنظار لفترة طويلة.  ومن جديد أعيدت إلى علم الأمراض التحليل نفسية مجموعة من الأمراض الجسدية التي كان فرويد قد صنف بعضها ضمن العصابات الراهنة، من قبل فرانس ألكسندر، الذي وضع من وجوه عدة أسس لطب نفسي جسدي حديث. وتحت تسمية “العصاب العضوي”  و “عصاب- العضو”،- المُضلّلة في الوقت الراهن- صنف ألكسندر مجموعة من صور الأمراض (من مثل القرحة المعدية و فرط التوتر الأساسي و الربو الشُعَبي بالإضافة إلى اضطرابات وظيفية خالصة بدون تضررات عضوية) وفصلها بدقة عن أعراض التحويل.

وحسب وجهة نظره ينشأ “العصاب العضوي”  عن صراع لا شعوري في سياق تطور عصابي، يقود إلى التخلي عن التصرفات الموجهة للمواضيع الخارجية، وبهذا لا يمكن صد  التوتر النفسي، في حين تستمر التغيرات الإحيائية المرافقة لها. وفي خطوة ثانية يمكن أن يحدث تغير في النسيج الحي وأمراض عضوية غير عكوسة.  فالاستجابة الفيزيولوجية لا يعطي هنا بأي شكل  من الأشكال سمة التعبير. و “هنا لا تكون الأعراض الجسدية  تعويضاً عن الانفعالات المكبوتة، وإنما هي عبارة عن أعراض فيزيولوجية طبيعية مرافقة للانفعال.. إنها لا تخفض الغضب المكبوت، وإنما ترافقه. إنها عمليات تلاؤم للعضوية… فارتفاع ضغط الدم أو حشد السكر لا يخفض الغضب بأي صورة من الصور. هذه الأعراض لا تظهر بدلاً من التوتر الانفعالي، إنها ترافق ببساطة انفعال الغضب، (إنها جزء لا ينفصل عن الظاهرة ككل التي نسميها غضباً (Alexander,1078).

عدا عن ذلك فقد اهتم ألكسندر بصورة أساسية بمسألة الخصوصية  الانفعالية  للعصابات العضوية. فقد خمن أن خروج الوظائف العضوية عن طريقها ترتبط مع الحالات الانفعالية في مواقف صراع محددة بعلاقة أكثر مباشرية من ارتباطها بتنميطات الشخصية الماضية.  ففيما يتعلق بتطور القرحة المعدية على سبيل المثال ليس هناك من نمط شخصية محدد يحمل السمات نفسها عند جميع الأشخاص عند لألكسندر وإنما كانوا يشتركون جميعاً بموقف صراع لا شعوري نمطي، يتطور لدى أشخاص بأنماط شخصية مختلفة ويمكن أن يكتسب بالنسبة لحياة هؤلاء الأشخاص أهمية مسيطرة. وعليه يمكن في المواقف  التي يعيشها المريض اللاحق بأنها فقدان للاهتمام والرعاية الداعمتين، أن تنزاح الرغبة اللاشعورية، في أن يكون محبوباً، إلى الحاجة إلى أن يُغَذّى. عندئذ يقوم التطلع إلى الاهتمام الانفعالي المكبوت تحت تأثير الأنا الأعلى بحشد مفرزات المعدة. ويعتبر ألكسندر أن الاستعداد للانزلاق في هذا الصراع تحديداً وعدم القدرة على حله بطريقة مناسبة هو عامل شخصي.

فإذا ما لم يتحقق إشباع رغبات الأمان والتعلق، عندئذ تتثبت الاستجابات العضوية على شكل خلل وظيفي يعتبرها ألكسندر نتيجة اسثارة نظيرة ودية متزايد ة.

فإذا ما تم كف إمكانات التعبير عن ميول المنافسة والعدوان في السلوك، تكون النتيجة عندئذ حالة استثارة مستمرة للمنظومة الأدرينالينية الودية. عندئذ تكون هذه الأعراض العضوية نتيجة الإثارة الودية غير المصدودة، والتي تستمر لأنه لم يتم التمكن من القيام استجابة دفاع أو هروب مناسب. ويوضح ألكسندر ذلك من خلال مثال حول المرضى يفرط التوتر الأساسي: فحسب رؤيته يتعلق الأمر لدى هؤلاء المرضى بأناس مكفوفين في عدوانهم، ضابطين لأنفسهم، غير قادرين لا نفسياً ولا جسدياً على تصريف إثارتهم العدوانية بطريقة مناسبة. وقد حاول ألكسندر طرح تصويرة أساسية ديناميكية بالنسبة لكل عصاب إعاشي Vegetative Neuroses . فعلى سبيل المثال يقود فشل الرغبات الاستقبالية- الفمية لدى مرضى القرحة إلى استجابات عدوانية- فمية، تثير من جهتها مشاعر ذنب ومخاوف. ويتم تعويض ذلك من خلال طموح واضح للإنجاز بصورة مفرطة. الأمر الذي يعزز من جهته طموحات التعلق الفمية اللاشعورية.

وهناك اعتراض آخر يمس تنميطات الصراع، التي لا نختلف كثيراً عن التأمل الدقيق فيها عن تنميطات الشخصية الباكرة. فألكسندر قد صاغ تشكيلاته الصراعية النوعية specific conflict constellation باعتبارها  خاصة بكل مرضى مجموعة تصنيفمرضية ما (كالقرحة ألاثني عشرية) وهي فرضية أصبح مشكوكاً بها على أساس من البحث النفسي الجسدي الراهن. ومن موقع آخر شكك غرينكر بالفارق البالغ “مقدار شعرة” لتنميطات محددة من الشخصية ومن الصراع، التي لم يستطع فيها التعرف على شيء آخر “التشابك نفسه للتعلق والفشل والعدوانية التي تظهر بتكرار رتيب لدى كل الناس”(Grinker,1961)

وكذلك اصطدمت بالانتقاد إحدى الفرضيات الجوهرية لألكسندر والقائلة: بأن كل حالة انفعالية (….) تمتلك متلازمتها الفيزيولوجية (Alexander,1951; P.44) والتي تحتل في تصوره مركزاً أساسياً إلى حد ما. ولم تنبثق هذه الفرضية في النهاية عن تحديد أساس للعلاقة بين الظواهر النفسية والفيزيولوجية. فقد  اختزل ألكسندر الظواهر النفسية إلى “وجه ذاتي لنوع من عمليات (الدفاع) الفيزيولوجية(Alexander,1951;P.28) ويعتبرها كانعكاس لها. “ففي حين أن الفيزيولوجيا تختص بوظائف الجهاز العصبي المركزي من خلال مفاهيم المكان والزمان، يجد علم النفس مدخله إلى هذا من خلال مفاهيم مجموعة من الظواهر الفيزيولوجية، التي هي عبارة عن انعكاسات Reflections لسيرورات فيزيولوجية”(Alexander,1951;P.18)  وبهذا فقد تم وضع السيرورات النفسية والفيزيولوجية في علاقة روحية ح Gnostic ومن منظور موضوعي فان السيرورات الفيزيولوجية تكون هي نفسها انفعالات وتصبح من خلال “الانعكاس reflection” حقيقة ذاتية أيضاً.

ونظراً للنتائج التجريبية المتنوعة لم تتمكن الفرضية القائلة بأن كل تشكيلة انفعالية لها نموذجها الفيزيولوجي، من الصمود. ويبدو أن أنماط الاستجابة العضوية محددة وأقرب لأن تكون على وتيرة واحدة وأقل مرونة، وتستثار على المثيرات المختلفة بوتيرة واحدة إلى حد ما. بالإضافة إلى ذلك يبدو أن إشراك الرابط الانفعالي الجسدي “اختيار العضو” يتحدد أيضاً من خلال السيرة الفردية.

وقد بينت دراسات نفسية مخبرية (مثل تجارب ليسي وليسي 958 ا(Lacey & Lacey,1958)  أنه على الرغم من أن أفراداً مختلفين يمكن أن يستجيبوا في المواقف المتشابهة بالانفعالات النفسية نفسها، إلا أن هذه الانفعالات ترتبط بمجريات جسدية مختلفة كلية.  وكما تنشأ الانفعالات على المستويات النفسية كانعكاس لسيرورات دماغية جارية (مثار من خلال سيرورات دماغية) بصورة موضوعية (الكسندر 1951، صفحة 35) تعتبر المحتويات النفسية حسب رأي ألكسندر انعكاسات نفسية لسيرروات الدماغ التي تتحرك من خلال المثيرات. “عندما نتحدث عن علم النفس، فإننا نفكر هنا بسيرورات فيزيولوجية، تتألف من مجريات إثارة مرضية في الجهاز العصبي المركزي ويمكن دراستها بطرق نفسية، لأنها تدرك ذاتياً على شكل انفعالات أو أفكار أو رغبات ” (ألكسندر 1951 صفحة 32)- وينظر

للمحيط هنا باعتباره مثير، يقود إلى تعديلات وأحاسيس جسدية، تدرك عندئذ ويمكن أن تقود إلى محتويات نفسية وبهذا يقترب ألكسندر من موقف جيمس لانغ James-lange(1)[1][2].

وأصبح بهذا التصور معرضا للنقد الذي مورس من اتجاهات مختلفة لهذا الموقف النظري المعرفي (انظر مثلا روبينشتاين، 1968). وعلى الرغم من هذا النقد هناك مظهران بصورة خاصة من نتاج ألكسندر ذوي قيمة باقية:  يمس المظهر الأول تدقيق وتحديد مفهوم التحويل الفرو يدي بالنسبة لمجال النفسي الجسدي العيادي، والمظهر الثاني روعيت في تصوره استقلالية نسبية لسيرورات نفسية وأعطيت مكانها بدون أن تفصل بهذا في الوقت نفسه تاريخ الحياة الفردي. وبهذه الطريقة أصبح فرانس ألكسندر مؤسس الطب النفسي- الجسدي الحديث.

 

5- نموذج شور Schur في نزع وإعادة التجسيد De-and Resomatization :

على الرغم من استناد مؤلف “طبيب فرويد الخاص” في سنوات المرض الطويلة والموت إلى ملاحظات في المعالجة التحليلية النفسية لمرضى الشري العصبي Neurodermitis إلا انه يعتبر أن تصوره قابل للتطبيق مبدئياً على كل الاضطرابات “النفسية الجسدية” (شور، 974 1 صفحة 335). أما منطلقه فهو علم نفس الأنا، وهدفه التحديد النفسي لحوادث النمو والنضج النفسية سواء تحت شروط المتطلبات الداخلية (الدوافع الليبدوية والعدوانية) أم  أيضاً الخارجية (المتعلقة بالمحيط مثلاً) وقد وصف شور حوادث النمو والنضج عند الرضيع والطفل باعتبارها سيرورة مستمرة لزوال التجسيد  De-somatizationالمختصة بتحديد الطاقات الليبدوبة والعدوانية: في حين أن المولود الجديد وعلى أساس من بناه (النفسية والجسدية) التي ما تزال غير نامية وغبر متمايزة بعد يستجيب على اضطرابات توازنه بصورة غير متناسقة جسدياً ولا شعورية- ذات سيرورة أولية، ويقود النضج بصورة متزايدة إلى “تفتح التفكير السيروري الثانوي كمركب جوهري لتشكل الأنا” (شور 1974، صفحة 0 34). وهنا تجري مجموعة من السيرورات بصورة متوازية،  وعن الطور غير المتوازن تنمو بالإضافة إلى  الجهاز العصبي المركزي القدرة على التنسيق العضلي، ويمكن تدريب وظائف الإدراك بصورة متصاعدة من خلال اختبار الواقع (وبهذا من اختبار مصادر الخطر الممكنة)؛ و الحشد النامي، الذي كان في البدء في خدمة تصريف التوتر، يدعم كفاءة اختبار الواقع. ومع نمو الذاكرة وإمكانية التخطيط تنتج أولى الأسس التي تمكن سواءً من توقع الأخطار أو من تأجيل تصرف ودافع (شور 1953،ص:7) ومن المادة غير المتمايزة يتشكل شيئاً فشيئاً الأنا. وتتراجع سيرورات التصرف الإعاشة  شيئاً فشيئاً إلى الخلفية. ويبدو نمو النضج عند الطفل  السليم أكثر مما هو الأمر عند الحيوان المرتبط بالغريزة بصورة أشد طوال حياته كسيرورة لنزع التجسيد De-somatization. أما اتجاه النمو فيكون نحو الدمج المتناسق للسيرورات الجسدية غير المتناسقة و تخفيض أعراض التفريغ الإعاشة وفي تعويض التصرفات من خلال الأفكار. أما نتيجة النمو  المرغوبة فتكون في التحكم بالمثيرات بأقل قدر ممكن من الطاقة. وحسب شور يشبه أسلوب استجابة ما، “الذي يناور فيه الأنا في مجرى الاستجابة ككل الحوادث الثانوية”  تصور استجابة “أنا سوي” (1974، صفحة 342). وعندئذ يشكل كل اضطراب لسيرورة النمو هذه “خطراً على اقتصاد التوازن الجسدي- الروحي” (1974، صفحة 340). وفي الوقت نفسه وكنتيجة لسيرورة النضج هذه ينمو الأنا وبالتالي القدرة على الاستجابة للصراعات أو الأخطار الخارجية أو الداخلية  بما يسمى بطاقة نفسية (تحييدية) متوفرة بصورة حرة.

ويستند شور في هذه الآراء إلى تصور التحييد  Neutralization” لطاقة الدافع، التي طورها هارتمان وزملاؤه (1949) وكريس (1962)، وعلى فرضية رابابورت (1956)، الذي يفترض وجود تطابق بين درجة الطاقة النفسية ودرجة سيطرة أنماط التفكير ثانوية السيرورة. ويقوم هذا التصور على أساس أنه يمكن للأنا الاستناد على نوعين مختلفين من الطاقة المفيدة، أي على الطاقة المحيدة من جهة ومن جهة أخرى على الليبيدو والعدوانيات بصورة غير محيدة. إن مقدار القدرة على تحويل إستثارات الدافع الليبيدوية والعدوانية إلى طاقة محيدة متوفرة للفرد بصورة طليقة، تعتبر مؤشراً على شدة واستقلالية وظائف الأنا “قدرة الأنا على تحييد طاقة الدافع واستخدام هذه الطاقة المحيدة في استجاباته، تشكل نتيجة أخرى لنضج الأنا” (شور، 1974، صفحة 342).

وهذا يعني مرونة أكثر وحرية حركة أكثر للتعامل مع البرامج المخططة أو حتى لتأجيل انبعاثات الدافع الراهنة. ويرتبط نمو هذه الطاقة الطليقة بتشكل التوازن

Homoeostasis الطفلي الباكر، المتعلق بالإمداد المناسب من قبل المحيط- كالأم على سبيل المثال-، إنها إذاً (أي الطاقة/ المترجم). “مكتسبة من قبل موضوع” وفي حين يشكل الجوع بالنسبة للرضيع في البدء خطراً، فإنه ينزاح في مجرى النمو أكثر فأكثر إلى غياب الأم، التي تؤمن الإشباع، ولاحقاً إلى فقدان الحب عموماً… الخ. إذاً فالخطر الداخلي قد تحول إلى خطر خارجي وأصبح أكثر سهولة للتغلب عليه (شور، 1953 صفحة 71).

وعليه تقول الفرضية المركزية لشور بأنه “بين قدرة الأنا على التعامل على مستوى سيرورة ثانوية وعلى تحييد طاقة الدافع، وبين نزع التجسيد Desomatization  لأنماط السلوك لا بد وأن تقوم علاقة متبادلة.  ويرتبط بهذا فرضية أخرى ألا وهي بأن عودة التجسيد Resomatzation للاستجابات تترافق مع تنبؤ بأنماط تفكير ذات سيرورات ثانوية ضمن استخدام أشكال طاقة غير محيدة De neutralization ” (شور، 1974 صفحة 342).

مجرى النضج الطبيعي الموصوف أعلاه لزوال التجسيد Desomatization يصبح تحت شروط محددة عكوساً. فعندما لا يعود من الممكن على سبيل المثال التغلب على الأخطار الخارجية والداخلية بطاقة “محيدة” متوفرة بصورة طليقة، فإنه يحدث تحت ضغط القلق الناجم عن ذلك  نكوص إلى استجابات جسدية.

دافع هذه السيرورة و الذي يسمى إعادة التجسد Resomatization    هو رجوع الأنا إلى أنماط باكرة من السلوك من نوع السيرورة الأولية، عندما لا يمكن التغلب على موقف خطر أو قلق بالوسائل النفسية ، أي من خلال الطاقة المتوفرة. ويسمي شور  ذلك (( نكوص فيزيولوجي ))  ويقصد بهذا (( نكوص إلى طلائع سيرورات  التفكير والانفعالات والتصرفات الدفاعية والدافعية، التي تتجلى هنا عي النهاية على المستويات الجسدية )) ( شور ، 1974، صفحة 367 ). ويعتبر (( ضعف الأنا )) شرطاً ضرورياً للنكوص الفيزيولوجي. ويعني  “ضعف الأنا ”  في هذا السياق بأنه قد ظهرت  في السابق في الأطوار الباكرة من سيرورة نزع التجسيد Desomatization   اضطرابات تكون عاقبتها  تثبيتات في منظومات أعضاء محددة وبالتالي تقييد عام لقدرة الأنا، تثير صراعات بالوسائل النفسية. وتتمثل بصورة خاصة في وظيفة تحييد غير كافية للأنا ( شور ، 1974 ، صفحة 345).

وهنا نذكر إلى جانب المحددات الوراثية الأمراض الطفولية الباكرة وأنماط تفاعل معينة في الأسر’، وكذلك الصَدْمَنة ( جعل الشيء صادماً \ المترجم \) الخارجية الشديدة. ومن أجل تحديد هذه العوامل المختلفة  في أهميتها المختلفة للمنشأ المرضي العام والخاص أدخل شور مفهوم  التشكيلة الكلية Gesamtkonstillation   ( total condition )  ( شور ، 1974، صفحة 387 ) الذي يهدف إلى التعبير أن المرء يتعامل هنا مع ” تشكيلات من العوامل السببية ” ، مع ” أنماط محددة  من نمو تجهيزات الدافع والأنا ومع حالة محددة مرتبطة بالنمو والاستعداد للأعضاء ومنظومات الأعراض ، علماً أن العوامل  تكون من ناحية أخرى على علاقة متبادلة مع تأثيرات محددة للمحيط ( شور، 1974، صفحة 385).

فإذا ما وجد  مثل هذا النوع من ضعف الأنا عندئذ تكون العاقبة  عجز الأنا في موقف الخطر والقلق بصورة خاصة عن الاستجابة بالوسائل النفسية بسبب سوء التقدير اللاشعوري النكوصي ( عندما يتم إدراك موقف ما خارجي بأنه تكرار لصراع طفلي مبكر). عندئذ  يحصل نكوص فيزيولوجي على مستويات السيرورة الأولية مع أنماط ارتكاس جسدية وإعاشية. وفي تعديل للمصطلح الفرويدي  ” لغة العضو ” يسمي شور هذا ” تصرف العضو ” ، الذي يعبر من خلاله بأنه على هذا المستوى لا يتم التوقف          (( التكلم ))  وإنما يتم نقل الصراع من خلال العرض (( بطريقة سلوكية )). ويعتبر نوع ومقدار إعادة التجسيد Resomatization متعلقاً بطور النمو  في مجريات صَدْمَنة وتثبيت على المجريات الجسدية، أي في المجريات التي أثارت الاضطراب الباكر لنزع  التجسيد Desomatization   . وهنا ينتج أيضاً  ارتباط المشكلة المختلف عليها للخصوصية. فعلى العكس من الكسندر  يقول شور : ” لم أجد بأي شكل من الأشكال في دراساتي الخاصة  أي نوع من الخصوصية فيما يتعلق  بتعلق نمط الشخصية بالصراع ، بالدفاع ضد اندفاعات الدافع الجنسي في أطوار محددة أو ضد العدوان والدفاع الموجه ضد ه ” ( شور 1974، صفحة 383 ). وبالنسبة له توجد الخصوصية  فقط….في الاستعداد لارتكاسات عضوية معينة خاصة ” ( شور، 1974، صفحة 386 ).  أي أن الأمر لا يتعلق  هنا بما يسمى بخصوصية  الصراع الذي يحدد الموقف المثير لمرض ما. وهنا بالتحديد احتل نموذج شور في نزع  التجسيد Desomatization   أهمية بالنسبة للسيكوسوماتيك . فقد أصبح  من المعقول أنه يمكن حتى لمواقف الإرهاق أو مواقف الخطر\ مواقف القلق ( غير النوعية ) ضمن ظروف معينة أن تقود إلى نكوص نفسي جسدي وتثير طبقاً لذلك  ارتكاس عضو نوعي.

إلا أن مشكلة تصور إعادة التجسيد Resomatization    تكمن ضمن أشياء أخرى  في أنها تقوم  على مجموعة من فرضيات مختلف حولها فن قبل علم نفس الأنا، أي على تصور تحييد طاقة الأنا القابلة للامتلاك بطريقة مستقلة وعلى فرضية الجذور المستقلة أولياً لوظائف الأنا ( شور، 1974 صفحة 340). فالأنا يتم تصوره بأنه نتاج لتفتح التفكير السيروري الثانوي وما يترافق مع ذلك من تحييد طاقي ليبدوي وعدواني من جهة ومن جهة أخرى  يعتبر هذا التحييد وظيفة للأنا ( شور، 1974، صفحة 340، 342، 345، 355 ).

عدا عن ذلك يعتبر توسيع  المصطلحات التحليلية النفسية مسألة مثيرة  للإشكالية. فمفاهيم مثل الأنا ، الحادث الأولي ، التحييد، النكوص تحتل مكانها في التحليل النفسي  ضمن إطار نظري محدد في إطار  ما وراء علم النفس التحليلي   psychoanalytical Metapsychology  للجهاز النفسي، وتكمن طاقتها التفسيرية هنا. إلاّ أن الجسد الإنساني  في سيروراته الفيزيولوجية المرضية والفيزيولوجية  التي  تسير وفق قوانين الطبيعة غير داخل في ما وراء علم النفس التحليلي وبهذا لا يمكن كذلك بمساعدة فرضية ” النكوص النفسي ” إزالة التشابك بين الحادث الأولي والانحياز لنزع  التجسيد Desomatization  و إعادة التجسيد Resomatization   من خلال صفة  علاقة ترابطية فقط. والشىء نفسه ينطبق على الارتباط العكسي للحادث الثانوي \ التحييد و التجسيد Desomatization  .  فمن خلال الارتباط الموثوق بين الحيادية و نزع  التجسيد Desomatization  يبدو ارتكاس الجسد  الانفعالي في النهاية بأنه  نوع من العرض فقط. وفي  هذه المسألة يتم التساؤل كذلك حول الكيفية التي يمكن فيها الربط بين اضطراب ما لسيرورة نزع  التجسيد Desomatization   وأنا ناشط على مستوى الحادث الأولي مع استواء السلوك الموصوف كثيراً ومع التفكير الإجرائي ( الذرائعي ) للمريض سيكوسوماتياً الذي ( أي استواء السلوك ) يشترط على ما يبدو نزع  التجسيد Desomatization   وأسلوب وظيفة ذات سيرورة ثانوية للأنا.

 

3.-6.- نظرية تحليلة حول الأمراض النفسية الجسدية ( إنجل وشماله )

يربط الباحثان الأمريكيان في مبدأهما تصورات مختلفة موجودة مسبقاً مع مساهمتهما الخاصة في تصور مهم على أساس تحليلي (Engel & Schmale, 1987 ). وقد اهتما بتدقيق دور العوامل النفسية في منشأ تشكل العرض  الجسدي ( يتعلق الأمر هنا بصورة خاصة بإيضاح أهمية ” التحويل ” في إطار نشوء المرض الجسدي) وبأهمية المواقف في انبثاق المرض. ويريان بأن قصر  آلية التحويل على المنظومة الجسدية الحركية كما يراها ألكسندر بصورة خاصة قد تم اختراقها في هذه الأثناء إلى مدى بعيد. ويريان بأن التحويل هو عبارة عن (( تصور نفسي؛ لا يُعَرَّف أو يحدد بمفاهيم  تشريحية عصبية، حتى عندما يمكن لوظائف وبنى الجهاز العصبي أن تُشرَك  من قبل العضوية بشكل ثانوي كعواقب بيولوجية للتحويل. إذ لا تتصف مجموعات الجسد أو منظوماته التي تستعار للتحويل بالإعصاب Enervation   المستقل أو العشوائي وإنما بالقدرة على تبني تمثلاً نفسياً. هذا الحادث الذي يشتمل على الإعصاب  والادراكات بوساطة مستقبلات التباعد Distancereceptors   والهوام ” ( إنجل وشماله، 1978 صفحة 247 ). ومن خلال مثال من الأعراض الجلدية في إطار التحسس العصبي الجلدي يناديان  بفرضية أن زمان ومكان الآفة يحققان معايير تحويل  ما وليست الآفة نفسها هي التي تحقق معيار التحويل ( إنجل وشماله، 1978 صفحة 247 ).

وبالنسبة للباحثين فإنه من المهم عندهما فيما يتعلق بتصور التحويل أنهما يميزان بحدة بين حادث التحويل  والعواقب الثانوية  ( نوع التضرر ) . فالجهاز العصبي أو الحركات اللاإرادية  تدخل هنا كعواقب بيولوجية فحسب، وذلك ليس على أساس إعصابها اللاإرادي  وإنما على أساس  القدرة  على تمكنها من تبني تمثيلاً نفسياً، وذلك في إطار النشاطات الموجهة نحو الموضوع مثلاً. ” عندما يتم  في علاقة بموضوع حشد  جزء من الجسد بهدف التفريغ أو التعبير أو الإبلاغ يمكن للسيرورات الفيزيولوجية والفيزيومرضية أن تحظى بتمثل نفسي أيضاً، ولاتصبح من خلال ذلك  قادرة على إعادة التنشيط  فيما بعد من خلال المثيرات الرمزية فحسب وإنما كذلك على الإسهام من بأشكال التعبير الرمزية  الأولية ” ( صفحة 247). ويوضح الباحثان ذلك من خلال مثال حول الإقياء من فساد المواد الغذائية  الذي يدرك مرة  كنتيجة لفساد المواد الغذائية ومرة أخرى كنتيجة للخوف من تناول مواد غذائية فاسدة وثالثة  يمكن أن يظهر كعرض تحويل. وهنا يمكن للتحويل أن  يحدث مثير إقياء – مثل عندما يكون تناول الغذاء قد احتل في خبرة الفرد أهمية لا شعورية ( صفحة 248 ). – أو أيضا يحدث في الوظيفة وظيفة الجسد ، في الإقياء نفسه _. وفى تقييم لهذه الأفكار يشير الباحثان إلى أنه يمكن من خلال وجود تضرر هوامي لسطح الجسد وحده – مثلما يحدث في أعراض الجلد المثارة تنويمياً – أو على أساس من تضرر سابق للجلد في هذا المجال أن يحدث تنشيط لنشاطات المُفْرِزات العصبية neurosecretory   في هذا المجال والتي يمكن أن تقود إلى  تضرر جسدي من جهة ومن جهة أخرى  يمكن للتحويل أن يحدث في الإعصابات الخاصة نفسها، حيث يمكن عندئذ ” من خلال شهونة   Erotization  أعراض الدفاع المحلية أن يتمركز الهوام اللاشعوري  الكامن خلف تحويل ما على جزء من الجسد الذي يُعْصِب Innervate  للدفاع ضد الإصابة ويستجيب عندئذ وكأن الإصابة قد حدثت بالفعل ” ( صفحة 249 ).

عندئذ فإن التضرر نفسه المنطلق والأعراض الناجمة عنه لا تمتلك أهمية رمزية أولية ولا تخدم الدفاع. ويوضح كل من إنجل وشماله هذا مرة أخرى في مثال  حول  فرط التهوية. إذ يتم هنا وضع التنفس في سياق أهمية لا شعورية  تقود إلى تنفس  مفرط في حين أن أعراض تشوش الحس Paresthesia  والدوار والتكزز ليست هي أعراض التحويل وإنما عواقب القلاء التنفسي  respiratorical Alkalose  التي تظهر كمضاعفات لفرط التهوية ” ( صفحة 250 ).

أما كيف يتحدد مكان التضرر على أساس التحويل بصورة رمزية فيرى الباحثان بأن المرضى بأمراض العرض نفسه ( كالتقرح المعدي أو بمرض التهاب المعدة الموضعي ) يبدون تقارباً أعلى من مرضى يمرض التهاب الرئة أو التهاب الكبد ( صفحة 251 ). ولهذا فالتحويل ( القبتناسلي ) يعتبر عموماً ” عضواً مشتركاً في حلقة الأحداث ” على الرغم من أن الباحثان يعتبران  أن الإثارة النفسية  الأولية لاضطراب الأعراض تلك أقرب لأن تكون غير محتملة ( صفحة 250 ). ومن أجل ادعاء ذلك لابد للمرء من أن يبرهن أن الترميز كان أولاً وبعد ذلك اكتُسب  التمثيل النفسي وأخيراً أعطى مناسبة للتركيز الثانوي.  ولهذا يستخدم الباحثان  المصطلح الذي اقترحه  إنجل الاضطراب النفسي الجسدي – الجسدي النفسي كي يوضح الديناميكية النمائية.  ويطلقان تسمية الأمراض النفسية الجسدية والجسدية النفسية على تلك الأمراض ” التي لا توجد فيها عوامل بيولوجية استعدادية منذ الولادة أو من الرضاعة الباكرة فحسب وإنما كذلك العوامل المهمة بصورة مباشرة أو غير مباشرة في نمو الجهاز النفسي. وهذا لايعني  بالضرورة أولية العوامل البيولوجية؛كذلك وجود جوهر مشترك غير متمايز وهذا يعني  أنه في نقطة ما تبدأ المنظومة الجسدية المشكوك بها ممارسة تأثير خاص على نمو الجهاز النفسي ( صفحة 252 ).

وتوسيعاً لنموذج ألكسندر حول الخصوصية يرى إنجل وشماله بأنه من المحتمل أن يوجد ارتباط لعوامل نوعية وغير نوعية فيما يتعلق بنشوء اضطراب نفسي جسدي. وفي هذا السياق يتم إبراز أهمية الفقدان  ( الحقيقي والهوامي ) مع المشاعر الناجمة عن ذلك من اليأس والعجز مع مركب ال  giving-up    و given-up   بالنسبة لنشوء الأمراض الجسدية….. وينضمان بذلك إلى الاتفاق القائم بين مبادئ مختلفة بأنه عادة ما يتصف الموقف عند بدء المرض بفشل آليات الدفاع النفسية. فغالباً ما تمت ملاحظة وجود حالات من الشك والاكتئاب والانسحاب العام في مقدمة بدء المرض. وفي هذا السياق يميز الباحثان بين مشاعر اليأس ومشاعر العجز ” ويعني اليأس فقدان استقلالية الأنا المرتبط مع مشاعر العوز بسبب الفقدان للإشباع المُتاق إليه من موضوع موجود خارج الذات . وبالمقابل يعكس العجز فقدان الاستقلالية مع مشاعر الشك الناجمة عن ملاحظة عدم قدرة الذات على تحقيق الإشباع المرغوب ” صفحة 258 ومابعدها[2] .

ومن الناحية  النمائية النشوئية   تصنف مشاعر اليأس  ضمن الطور الفموي في حين أن العجز يشترط  بصورة أشد مصادر إشباع  مُتَمَثَلة وهو قريب من الطور القضيبي حسبما يرى إنجل وشماله.  ويتصف طور giving-up    و given-up  بمشاعر ” عدم العودة على ما يرام “. وغالباً ما يلاحظ وجود علاقات موضوع مزعزعة ومنقطعة وخبرة متبدلة للمحيط مع عواقب عدم إمكانية استخدام الخبرات الماضية من أجل المستقبل وبأن العلاقة منقطعة  ذاتياً بين الماضي والمستقبل  وهناك مجموعة من الدراسات المثيرة التي تدعم فرضيتهما بأن مشاعر اليأس والعجز  قبل بدء المرض تمتلك أهمية في إثارة الأمراض الجسدية المختلفة. إلاّ أن مركب giving-up    و given-up ليس له علاقة  سببية مباشرة في ظهور مرض جسدي كما يرى الباحثان ” أنه ليس بالشرط الضروري ولا الكافي وإنما هو عبارة عن مساهمة في ظهور مرض جسدي فقط وذلك عند وجود العوامل الاستعدادية ( صفحة 263 ). وتحاول نظرية إنجل وشماله ربط  الاستعدادات النوعية وغير النوعية  للفرد مع الصراعات النوعية وغير النوعية للفرد مع الصراعات النوعية وغير النوعية. إنه تصور لا يبحث عن  تحديد أهمية العوامل النفسية  فحسب وإنما كذلك العوامل الجسدية الوراثية أو المكتسبة المرتبطة . ويشير بهذا إلى مراعاة تفريقية  للعوامل الجسدية والنفسية الاجتماعية في نشوء الأمراض.  إلاّ أن نظريتهما  تعاني من مشكلات غير محلولة فهي  على الرغم من أنها تفهم التحويل بأنه يثار من خلال تنظيم نتعلق بالأطوار إلاّ  أن التحويل هنا يفهم وفقاً لماوراء علم النفس التحليل نفسي ” كتصور نفسي ” – أي يقوم على إزاحة المنظومة المرجعية العدوانية والليبدوية من تمثيلات الموضوع المسرحية إلى التمثيلات النفسية للجسد. فهما يركزان  على مسألة :  تحت أية عوامل تمتلك التمثيلات النفسية أهمية لا شعورية، وتحت أية عوامل يستجيب الفرد على ذلك بآليات فيزيولوجية مرضية ؟

إنجل وشمالة يميزان بين ثلاثة عوامل تلعب دوراً هنا: تساهل جسدي ( صفحة 251 ) وفقدان نفسي حقيقي أو مهدد أو رمزي للموضوع ( صفحة 261 ) والتي من الطبيعي ألاّ ينظر لهاما بأنهما عاملين نوعيين وكذلك فشل آليات الدفاع( صفحة 245- 261 ). ويعتقدان أن التساهل الجسدي عبارة عن سيرورة مرض مؤسسة – مهما تكن – يسهل مجراها بنيوياً المحتوى النفسي الواجب صده ويكتسب تمثيلاً نفسياً ويقدم نفسه كتصور بديل. إلاّ أن هذه الفكرة لا توضح لماذا ينبغي  على فرد ما نقل دوافع ليبدوية  أو عدوانية محددة من أجل الدفاع إلى هذه التصورات  وليس إلى تصورات بديلة  من مجال تمثيلات موضوعه والتي يمكن لها أن تعرض نفسها أيضاً.

كما وأن مسألة لماذا يستجيب الفرد إلى الأهمية اللاشعورية لجزء من الجسد مثلاً بآليات فيزيومرضية ولا يتم تمثل ذلك نفسياً ، تبقى كذلك معلقة. عدا عن ذلك لا يكتسب  السياق بين فقدان نفسي للموضوع وظهور مركب giving-up    و given-up

شفافية كافية.

وعلى المستوى النظري  لا يبرهن فقدان الموضوع كلحظة تقود إلى فشل آليات الدفاع عند المريض النفسي الجسدي على أساس نمو نفسي محدد مثلاً. إن حجة فشل آليات الدفاع تكون مساعدة في تفسير الكيفية التي يظهر فيها عرض جسدي في سياق التحويل وذلك عندما نفترض في الوقت نفسه بأنه المقصود هنا آليات الدفاع الأكثر نضجاً وأن التحويل يشكل الشكل الأكثر بدائية للدفاع.

 

3.- 7.- التكتم Alexithymy

على الرغم من أن الوصف الأول للتكتم من قبل رويش Reusch  , 1948   يرجع إلى حوالى النصف قرن إلاّ أن سلوك كثير من المرضى المناقش تحت تسمية التكتم Alexithymy   ( Sifneos, 1973 ) أو  التفكير الإجرائي Pense`e Ope`ratoire   ( مارتي ودي موزان ،1978 )  لم يحظى  بالاهتمام  الحقيقي إلاّ في العقدين الماضيين. وقد كانت  بعض مظاهر الأعراض الجوهرية للسلوك التكتمي  – كضعف الخيال والقدرة الضئيلة على التعبير عن المشاعر وفرط التوافق الاجتماعي – قد لوحظت بشكل متفرق  في وقت أبكر من ذلك بكثير.  إذ كان فيرينتشي Ferenczi , 1944  قد أشار  إلى ” نمط من الناس يتصف بصورة خاصة  بفقر الخيال في الحياة وفي التحليل وإن كان هذا النمط ليس فاقداً للخيال كلية. إنه نمط من الناس يبدو أن الأحداث المثيرة تمر عليه دون أن تترك أثر. هؤلاء الناس يستطيعون من خلال التذكر إعادة إنتاج المواقف التي لابد لها وفق تقديرنا أن تثير في كل إنسان  انفعالات شديدة من القلق والانتقام ومن الإثارة الجنسية …الخ، وتقود إلى تصرفات مُصرفة للانفعال أو للهياج أو للهوامات أو على الأقل لحركات تعبيرية خارجية أو داخلية بدون الإحساس أو التعبير حتى بآثار مثل  هذه الارتكاسات “. وقد نصح   في ذلك الوقت باستخدام تقنية  علاجية نفسية فعالة مع هؤلاء المرضى في التعامل مع التداعيات، وبهذا فقد سبق في جوانب كثيرة  النزاع اللاحق في النظرية والممارسة. وهناك وصوفات شبيهة جداً – تحت اصطلاحات مختلفة – لدى تسيلبورغ، 1933 و فينشل  الذي وصف في عام 1945 ” النمط البارد انفعالياً  emotionally frigid Type كالتالي:

“ Certain person of this type avoid becoming aware of their insufficiencies by proving to themselves that they are, efficient….. fleeing,

to reality from their feared fantasies but to a dead and lifeless    reality”

إن الشخص من هذا النوع يتجنب أن يكون مدركاً لقصوره  بالإثبات لنفسه بأنه لديه الكفاءة …يهرب إلى الواقع من خيالاته المرعبة ولكن إلى واقع عديم الحياة وميت.

إلاّ أن مثل تلك الوصوفات  لم تكن حتى ذلك الوقت منهجية وكانت  أقرب إلى أن تكون وصوفات انطباعية -عرضية  casuistic-impressionistic  .

وهكذا لايعود الفضل  إلى رويش 1948 لوصفه الشامل لسمات السلوك التكتمي تحت مصطلح ” الشخصية الطفالية   ”

فحسب وإنما  كذلك لربطه بين السلوك  ” التكتمي مع ما يسمى بالمرضى ” النفسجيديين “. وقد رأى في بنية الشخصية الطفالية والسلوك الناجم عن ذلك ” جوهر المشكلة ” عند المرضى ” النفسجسديين ” وبهذا فقد فتح باب النقاش الذي مازال حتى اليوم جارفاً وحاداً. إلاّ أن الاهتمام المتزايد بهذا الموضوع قد قاد إلى غموض متزايد حول ما الذي يمكن اعتباره ” تكتماً ” ، وكيف يلاحظ التكتم وكيف يمكن تحديده مفهومياً وكيف يمكن فهمه وتفسيره وربما معالجته؟

وعلى الرغم من أنه يمكن لدى باحثين مختلفين ومن بلدان مختلفة أيضاً استنتاج وجود تطابق كبير فيما يتعلق  بالعرض الجوهري للسلوك التكتمي ( أنظر أدناه )، إلاّ أنه ظهرت وجهات نظر متناقضة أيضاً، عندما كانت تتم مناقشة أهمية هذه الظاهرة في سياقها العيادي وبصورة خاصة في تصنيفها النشوئي. وسوف نقوم هنا بعرض  مجموعة من هذه المسائل المبدئية التي تستند على مبادئ ملاحظة وتفسير مختلفة جداً وذلك من أجل التمكين من التوجيه. فإذا ما اعتبرنا التكتم بأنه فرقة لأنماط محددة من السلوك فإنه لابد هنا من إيضاح  فيما إذا كان الأمر هنا يتعلق :

1- بسمة شخصية  أو بنمط سلوك محدد موقفياً – ” بسمة Trait ” أم ” بحالة ”   “ state “و بل انه يمكننا أن نسأل  فيما إذا كان الأمر هنا يتعلق بظاهرة  فريدة  sui generis   أم بنتاج طبيعي لموقف الفحص.

2- إذا ما افترضنا بحق بأن التكتم عبارة عن ظاهرة قابلة للتحديد فإنه لابد من التفريق فيما إذا كان الأمر هنا يتعلق بنقص – بقصور – في أنماط الارتكاس السوية أم ربما يتعلق بإنجاز غير مناسب إلا أنه فعال  وخلاق للفرد. والمسألة نفسها تطرح ذاتها على مستوى آخر وذلك عندما يحاول المرء تفسير المدى الذي يمكن فيه فهم التكتم على أنه قصور نمائي أم تشكيل دفاعي أم بنية أم عرض. وهنا  تتمركز مشكلة أساسية أخرى.

3- إلى أي مدى يمكن اعتبار التكتم سمة شخصية أولية  – ربما تكون مكتسبة وراثياً أو في سياق التنشئة الاجتماعية.

4- هل نحن أمام نمط سلوك غير نوعي يمتلكه جميع الناس  بدرجات مختلفة، أم أن التكتم عبارة عن نمط سلوك نوعي خاص بمجموعة من المرضى على الأقل ( كالمرضى بأمراض نفسية جسدية مثلاً” أو  بمرضى الطبقات الدنيا ). والمأزق نفسه يرافقنا عندما نسأل عن:

5- العوامل النشوئية: هل نجد أسباباً وراثية أم جسدية أم نمائية نفسية أم نمائية  أم اجتماعية تكون وحدها مسؤولة أم مع بعضها بشكل متعدد العوامل ؟

6-  وهذا يقود أخيراً إلى مجموعة  الأسئلة المختلف عليها   بصورة خاصة إلا وهي  فيما إذا كان يمكن ويجب معالجة مرضى التكتم بالمعالجة النفسية الاعماقية الكاشفة  أم من الأفضل معالجتهم بأساليب علاجية أخرى ( كالمعالجة الداعمة أو التدريبية أو الإيحائية)؟

 

3.-7.-1.- نتائج عيادية

 

سنقوم هنا بعرض السلوك التكتمي بالنظر لبنية علاقته الانفعالية والمعرفية وبنية علاقته الذاتية أو بنية علاقته بالموضوع.

 

3.-7.-1.-1.- 1.- البنية الانفعالية

إحدى السمات المركزية والتي كانت سبباً للاسم المستخدم في هذا الأثناء أيضاً كانت الملاحظة بأن مثل هؤلاء المرضى قلما أو غير قادرين على الإطلاق على التعبير عن المشاعر بكلمات مناسبة ( فمصطلح Alexithemy  يصف  thymos  أي الذي لا يمتلك كلمات ). وغالباً ما نجد نوعاً من ” تقرير الرحلة ” الذي يتمثل في وصف دقيق للظروف الواقعية القائمة أو سرد للحوادث الجسدية أو لتصرفات معينة  بدون ذكر الأهمية الانفعالية. لهذا  تم اقتراح التمييز بين التعبير الشعوري – المعاش عن المشاعر feelings  وأعراضها الجسدية الفيزيولوجية المرافقة  ( الانفعالات emotions    التي تكون هي وحدها المدركة شعورياً لدى هؤلاء  المرضى.  وهناك خلاف حول السؤال الناشئ في هذا السياق  المتمثل في إلى أي مدى  لا يعيش مثل هؤلاء المرضى  المشاعر على الإطلاق أم أنهم لا يستطيعون تسميتها . غير أنه يبدو أنه يتم التعبير عن أحاسيس غير متمايزة  على الأغلب والتي هي  أقرب لأن تشير إلى  النوعية العامة  للذة أو عدمها من المخاوف أو العدوانيات النوعية.

وهناك نوعيات مختلفة من المشاعر التي  غالباً ما لايمكن التمييز بينها. إن مثل هؤلاء المرضى ” لا يعرفون ” مشاعرهم وهم مصابون من هذه الناحية  ” بعمى الألوان ” ، يستنتجون  حالتهم الخاصة على الأكثر بصورة غير مباشرة من ارتكاسات الآخرين  وغالباً ما يبدون متشنجين كالخشب في سلوكهم.

 

 3.-7.-1.-1.-2.- البنية المعرفية

وترتبط بصورة وثيقة مع صعوبة التعبير عن المشاعر بنية محددة من التفكير والتصرف والكلام تم وصفها غالباً بأنها تفكير إجرائي بالمعنى الضيق( مارتي ودي موزان 1978، مارتي وآخرون 1963 ) . ويقصد بهذا أسلوب تفكير وخبرة وظيفيين يستندان إلى الواقع الحي الملموس، يختصر العادات الخارجية والحالات الداخلية بصورة كلية تقريباً إلى تركيبتها الآلية الأداتية في إطار المنظومات المرجعية الموضوعية والعامة. ويوصف هؤلاء المرضى  بأنهم يفتقرون إلى الخيال  وجافين – بدون ألوان ، وغير خلاقين وبلا حيوية  وقليلي المبادأة ،  على الرغم من أنهم غالباً ما يكونوا ناجحين جداً مهنياً، ويتمتعون بقدرات ذكائية غير مقيدة.إنهم يبدون  بأنهم يمتلكون علاقة قليلة  ” بحياتهم الداخلية “، وينادون بموقف ذرائعي  قائم على التصرف بحيث أن ماكدوغال، 1980  يتحدث في هذا السياق عن اضطرابات التصرف acting Disorders  . ومن النادر جداً أن يتذكر  هؤلاء المرضى  الأحلام – هذا إذا تذكروها – ويندر أن يجدوا المدخل إلى معناها من خلال الخواطر  التداعوية في إطار المعالجة النفسية مثلا.

وقد لوحظ ودرس هذا الفقر في الخيال من خلال نوع وبنية اللغة بصورة خاصة، حيث وصفت بأنها جافة ومتضيقة وغير حيوية وقولبية تتمسك غالباً بتفاصيل ثانوية ( مارتي و دي موزان ، 1978، تسيبف، 1976، فون راد و لولاس، 1978، رويش 1948، ساندز ، 1975 ).

إنه  المحتوى الناقص أو حتى الغائب كلية  من الترميز اللغوي وفقرها للمعاني  الخاصة private  والتضمنية connotative الذي يجعلها تبدو عندئذ بأنها أقرب إلى شذرات التصرف من كونها نتاج للتمثل النفسي للأحداث. وقلما يتم استخدام الأقوال  ومحتويات الكلمات بطريقة مستملكة ( متمثلة ) شخصياً بل أنها تستخدم في شكل غامض – قالبي ذو صلاحية عامة بالشكل الذي يمكن أو كان سيعبِّر فيه المرء أو أي إنسان آخر في موقف آخر أو مشابه. ولهذا فقد تم وصف هذا النوع من التفكير والكلام بأنه لا تاريخي بدون استناد إلى الماضي والمستقبل مقيد بالمظهر الوظيفي  لهنا والآن.

غير أنه هنا ينبغي عدم الخلط بين هذا النوع من التفكير وبين التقييد العام للوظائف اللغوية التي يمكن أن ترتبط مع الانتماء إلى الطبقات الاجتماعية الدنيا مثلاً. وقد أطلق روست 1981 على هذه النتيجة (( التكتم الكاذب Pseudoalexithemy ).

 

3.-7.-1.-1.-3.- بنية علاقات الذات والموضوع

 

تحتوي الوصوفات التي ذكرناها حتى الآن بصورة ضمنية بعض السمات النموذجية لجوهر بنية علاقة الذات والموضوع. لقد تم الحديث عن ” اضطراب الفردانية Disorder of Individuation   ” ، إذ أنه ليس بإمكان هؤلاء الناس استخدام المفهوم (( أنا )) في سياق ممتلئ انفعالياً بالمعنى ( ساندز، 1958، 1975 ) ويرتبطون في علاقاتهم  البين إنسانية بصورة رمزية بشكل وثيق بشريك – شخصهم المرجعي – يحاولون بمساعدته تثبيت مشاعر الهوية الغائبة لديهم واستقلاليتهم الناقصة من خلال منظومة تأمين خارجية.  ويجعلهم العجز  في مشاعر القيمة الذاتية والاستقلالية متعلقين بشدة بالتجانس مع الشخص المركزي بالنسبة لهم ومع اهتمامه بهم- إنه موقف حياتي مهدد بصورة كامنة  باستمرار -. وهذا ربما يفسر لماذا يكون  هؤلاء الناس حساسين ومهددين  بالمرض بدرجة كبيرة ، إذا ما وصل الأمر للانفصال. بالمقابل  من الملحوظ أنه يمكن للعلاقة مع الشخص المرجعي أن تظل مستقرة  طوال الحياة وذلك ضمن شروط خارجية ملائمة . وهنا يلاحظ  بأن الأشخاص ” التكتميين ” يدركون الآخرين بصورة  غير دقيقة وغير سوية ويعيشون أنفسهم بأنهم منفصلين عن  الآخر. وقد أطلقت على هذه الطريقة  من الخبرة والإدراك تسمية (( التضاعف الإسقاطي projective reduplication  ” ( مارتي  وآخرون ، 1963؛ ستيفانوس، 1973 ) ويهدف من خلال هذا المصطلح إيضاح أن مثل هؤلاء الأفراد يرون الآخر بصورة آلية  بصورة إسقاطية  وكأنه نوع من صورة ذاتهم ويحاولون بهذا المحافظة على ارتباطهم الرمزي.

وهناك مظهر جوهري آخر لتعلقيتهم  واعتمادهم على شريك يضمن تحقيق التوازن الجسدي والروحي، يتجلى في عدم الثقة الواضحة  عند توكيد التصورات القيمية الخاصة بدرجة عالية من المسايرة الاجتماعية. إنهم يفتقرون إلى  المعارضة ويميلون إلى (( الحل الوسط الذهبي )) و يقتدون بما على (( المرء  ))فعله  ويبدون في تلاؤمهم  غير الملفت للنظر  سلوكاً مرغوباً على الغالب من الناحية الاجتماعية و يوصفون من خلال مفاهيم (( السواء الكاذب Pseudonormal   )) و (( السواء المفرط )) ( ماك دوغال، 1974، تسيبف، 1976 ). وفي عدم لفت النظر لهذا السلوك شبه السوء أو الكاذب السواء بالتحديد يكمن لماذا لم تحظ هذه السمات بالاهتمام لفترة طويلة.  ففي العلاقة بالآخر ، كالعلاقة بالفاحص أو المعالج النفسي ، ينتشر نوع من الفراغ والملل لأن شريك المحادثة ( والأشخاص الآخرين والأشياء الأخرى كذلك ) قلما يصبحون واضحين في حقيقتهم بمشاركتهم الانفعالية أو في علاقتهم بالمريض.  والشيء نفسه ينطبق كذلك على علاقتهم بجسدهم الذي يعاش كشيء غريب وغالباً ما يحمل في اضطراباته و إعاقاته في إطار الأمراض مع نوع من  عدم المشاركة الصبورة . هذا الفراغ العلائقي  relation blnche  ( مارتي وآخرين ، 1963؛ دي موزان ، 1977، شنايدر ، 1973 ) يطرح صعوبة خاصة في موقف الفحص  والمعالجة، الذي غالباً ما يوقظ لدى الطبيب الشعور بأنه لابد وأن يوازن هذا الفراغ بهواماته أو نشاطاته الخاصة، مع تزويد طاقي ( مارتي ودي موزان، 1968 ). وهكذا يبدو المعالجون النفسيون على الأقل في البداية ، في الجلسة الأولى أو في إطار المعالجات أكثر تدخلاً في التكتم مما هو الأمر عليه لدى مرضى العصابات .

من ناحية أخرى نوقشت هذه النتيجة  بصورة متكررة على نحو فيما إذا كان ” التكتم ” أقرب لأن يعزى إلى ارتكاس  (( نقل معاكس )) للفاحص في موقف محدد من كونه يشكل نمطاً سلوكياً عند المريض.

وعموماً هناك إجماع واسع في الأدبيات حول ظواهرية  والسمات القابلة للوصف عيادياً ووصفياً للسلوك التكتمي. فقد لوحظ التكتم  بوضوح مميز كثيراً أو قليلاً لدى مرضى بأمراض معدية-معوية وبصورة خاصة في التقرح القولوني ولدى مرضى البنكرياس المزمن والربو وأمراض جلدية ومرضى الشريان التاجي ولدى مرضى بالسمنة ومرضى الصداع وأمراض الحمل Gestosis[3]  ولدى مرضى الروماتيزم ولدى مرضى ما يسمى myofacial pain dysfunction [4]   أو  في الشكاوى غير القابلة للتفسير فيزيائياً Unexplained physical complaints   ولدى بعض التوائم السليمة. كما ووجدت سمات يمكن تفسيرها بالتكتم لدى  مجموعات غير متجانسة  من المرضى النفسديين مقارنة بمجموعات سليمة.

وقد استخدمت في هذه الدراسات إلى جانب الأساليب الوصفية  الخالصة أساليب قياس نفسية وموضوعية. بالمقابل فإن مسألة التطور المرضي للسلوك التكتمي  ومسألة  العقدة التي مازالت بدون حل والمتمثلة في إلى أي مدى  توجد علاقة بين السلوك  التكتمي و ما يسمى بالأمراض  النفسية الجسدية ، ما زالت غير موضحة  كما كانت في السابق  وسبباً لجدل حاد.

وقد طورت تصورات مختلفة  من اتجاهات مختلفة وسوف نقتصر فيما يلي من الحديث على الأفكار التي تمت  فيها محاولة تقديم تفسير للارتباطات الديناميكية  النفسية والتي يحتمل لها أن تكون كامن خلف الخصوصيات الموصوفة تحت التكتم والتي تترك محاولات التفسير الوراثية  والفيزيوعصبية جانبا والتي ماتزال قوتها التنبئية غير واضحة بصورة كاملة.

يمكن تقسيم الآراء الديناميكية النفسية  إلى تلك التي تبدي رأيا حول مظاهر  محددة  والتي سوف نعرضها في البدء ضمن السياق وإلى تلك التي تهدف إلى منهجية  نظرية للمظاهر المنفردة . وهنا لابد من الإشارة إلى أنه لا يمكن على أساس من مستوى البحث التجريبي الراهن إثبات أو نفي هذا أو ذلك التصور النظري. ونجد تقييماً نقدياً للبحث التجريبي لدى فون راد، 1983 .

 

3.-7.-2.- تصورات النموذج ضمن نظرية البنية التحليل نفسية

بعد أن تأكدت شيئاً فشيئاً عدم كفاية التصورات التقليدية من أجل التفسير النفسي الجسدي لتشكل العرض الجسدي في سياق شذرات السلوك التكتمية ، تقدمت أفكار جديدة لتحتل مركز الصدارة. وقد اعتمدت هذه الأفكار بصورة خاصة على خبرات  من التحليلات النفسية  طويلة الأمد إلى حد ما وأعادت تصنيف هذه الأفكار من جديد على خلفية علم النفس النمائي    الأحدث ( Mahler, 1968 )  وعلم نفس  علاقة الموضوع ( Jacobson, 1964 )  وعلى خلفية نظرية النرجسية ( Koht, 1971; Kernberg, 1975, 1977 ).

وقد كانت خبرة أن كثير من بناءات العرض الجسدية  في إطار ما يسمى بالأمراض النفسية الجسدية النمطية عبارة عن أمراض  غير مُعَبِّرة وبدون أهمية أولية خاصة حتى عندما يمكنها أن تكتسب في مجرى تاريخ الحياة الفردي أهمية ( ثانوية ) خاصة.

كان منطلق غالبية المبادئ النظرية الحقيقة الإمبيريقية  القائلة : بأنه  غالباً ما يسود في التنشئة الاجتماعية الأولية  للمرضى بأمراض جسدية نفسية  سلوك أمومي وصف  إما بأنه  ” مفرط الرعاية ” أو ” رافض بصورة علنية  أو مغطاة ” ( الاقتباس عن تسيبف، 1976 ) علماً  أنه لا يمكن على الغالب  برهان وجود  كلا النمطين ( المتناقضين ظاهرياً ) مع بعضهما.

إنها بصورة خاصة الصراعات النرجسية لهذه الأم ( والأب )  التي تنتقل إلى الطفل  وتُعالَج به وبجسده ويساء استخدام الأطفال الذين يكونون في هذا الطور التعلقي بصورة خاصة متعلقين وقابلين للإصابة وذلك من أجل حل هذه الصراعات  ( المرضية ).

وتحتاج مثل تلك الأمهات أطفالهن ” كالمخدر ” ( ماكدوغال، 1980 )،  ويحرسنه بخوف وحذر  بحضور دائم وينمين بهذا مراقبة مكثفة وكأنه ” جزء من الجسد الخاص ” ( Sperling, 1949; Mc Dougall, 1980).

ووفق هذا الفهم يبدو الطفل  وكأنه حقل تجارب  إرجاعي لقصور أمه النرجسي وكأنه جزء من ذاتها وكأنه (( موضوع – ذات )) شخص مرجعي أولي غير قادر على الانفصال ومتعلق بصورة تعايشية( Koht, 1971 )  . وغالباً ما يدعم الأب بصورة لا شعورية التقييد التعايشي بين الأم والطفل كي يتخلص هو نفسه من هذا التطويق المهدد.

فإذا ما برزت لدى الطفل توترات أو مشاعر عدم اللذة فإن الأم تحاول التغلب عليها من خلال  حيل مهدئة تظل مرتبطة بحضورها الواقعي كحماية من الإثارة  وبهذا لا تمكِّن من قيام استراتيجيات التغلب الخاصة بالطفل. وفي هذا السياق لا بد من الإشارة إلى الدور المركزي ” للموضوع الانتقالي ”  بمعنى  فينيكوت Winnicott   ذلك أنه يأخذ الوظائف الأمومية بالنيابة وبهذا يمكِّن الطفل من الانفصال المؤقت ومن الخطوات الأولى باتجاه استقلالية محدودة. إلاّ أن مثل هذا الاستخدام  للموضوع الانتقالي الخارجي  لا يستطيعه الطفل إلاّ إذا كان يمتلك مسبقاً موضوعاً داخلياً حيوياً وطيباً ( فينيكوت، 1976 ).

وبهذا المعنى يتحول إلى ” الرمز الأول للطفل ” وبهذا إلى ” أساس كل قدرة لاحقة على الخيال ” ( Rost, 1981 ) .

وهنا أشارت مجموعة من الباحثين إلى  غياب الموضوع الانتقالي في طفولة المرضى بأمراض جسدية نفسية.

وفي هذا السياق أكد  ليفيبفير  Lefebver, 1980 . مستخدماً مصطلحات ياكوبسون ( 1964 ) على الأهمية الخاصة لطور الاستقلالية الفردانية التي تبقى  مثبتة في حالة  (( التطابق Sameness  )) مع الأم ولا تستطيع الوصول إلى طور   ” التشابه Likeness )) وبالتالي فإن هؤلاء الأطفال  لا يستطيعون اجتياف الموضوعات بصورة جيدة ولا كذلك الاحتفاظ بها داخلياً. فهم مثلاً لا يستطيعون التماهي مع ” أم حامية Caretaking mother ”  وبالمقدار نفسه لا تنشأ بهذا أيضاً أية تمثيلات  ذاتية محددة بصورة جيدة  يرتبط بنموها  في هذا الطور المبكر   بصورة غير قابلة للحل مع الإحساسات الجسدية وإدراكاتها. ولأن أم هؤلاء الأطفال يستجبن بدرجة عالية للإشارات الجسدية واضطرابات أطفالهن فإن الجسد باعتباره ممثلاً للذات لا يستطيع اكتساب تمثيلاً ومعنىً نفسياً، أم أنه يتمكن من ذلك بصورة مشوهة. إنه يبقى كشيء غريب غير منتم للذات وتحت رقابة الشخص الأساسي ( الأم ).  أما ” تصويرة الجسد ” فتكون مرضية Pathologic  وبهذا تتحول وظائف الجسد إلى تعبير مباشر عن الحالة  في التعامل مع أشخاص  الإطار المرجعي  وتعكس التعامل التعايشي للموضوع الأولي  الذي غالباً ( أي التعامل التعايشي ) ما يستجيب  فقط.إلى    مثل هذه الوظائف  الجسدية الملموسة  في التفاعل. ويمكن لهذا أن يتجلى من ناحية في التجاهل الكامل  تقريباً وفي الرعاية الناقصة  وفي التشوه الإدراكي الخطير حيوياً للاضطرابات الجسدية، التي لا يتم التعرف عليها وتحديدها وتمثلها بصورة مناسبة في معناها ووظيفتها الدلالية. ويلاحظ مثل  هذا النقص الخطير في الرعاية الذاتية لدى كثير من المرضى  النفسديين . ومن جهة أخرى  غالباً ما تظهر حراسة مفرطة  الرعاية وقلقة ومملوءة بالحب للعرض الجسدي الذي يحمل همه عندئذ ويراعى كشريك ضروري في للحياة   ويراقب بانتباه  في أدق حالاته. في كلا هذين  النمطين الأساسيين من السلوك  اللذين يمكن أن يتبادلا مع بعضهما  أو يختلطان يمكن التعرف  بسهولة على  انعكاس  الشكلين الأساسيين المذكورين أعلاه  من أنماط السلوك الأمومي لدى مرضى بأمراض نفسية جسدية: أي يمكن ملاحظة أنماط السلوك النابذة  بصورة مغطاة أو صريحة  ومن ناحية أخرى  الموقف المفرط الرعاية والقلق تجاه الطفل. ويشبه شكل الجسد الكيفية التي يعاش بها الجسد شكل نمط تعامل الشخص المرجعي مع المشاعر. وفي مثل هذا المجال من العلاقة الذي يتم فيه تجنب أي انفصال ويتشكل فيه الهدف وفق نمط مثير وارنكاس صامت على أساس من التوازن المتبادل الأمثل ليس من المفاجئ أن تحدد موجِهات اللذة- عدم اللذة تضاريس مشاعر محددة وبهذا تتضح مشاعر متمايزة  تمتلك مؤهلات معاني خاصة.

وعن ذلك ينتج أن التثبيت في هذا الشكل الموصوف من التعايش بين الأم والطفل والذي يتم الحفاظ عليه إلى مدى أبعد من الطور  الفيزيولوجي  الضروري يعيق  التمثيل الرمزي للمعطيات الواقعية ، أي اللغة بدلاً من التصرف مثلاً والهوامات بدلاً من الاستدماج  كموضوعات داخلية  بدلاً من الأشخاص  أو الموضوعات الخارجية الموجودة واقعياً.

 

 

وبما أنه لا يمكن   بناء الرموز   بصورة واضحة ( أو يمكن  بنائها بشكل أولي فقط ) على خلفية  الخبرات الفردية – التاريخ حياتية وفق أهميتها الشخصية   في إطار تفاعل الطفل والأم الموصوف ، وبالتالي لا تتوفر تمثيلات جيدة للموضوع ، يظل مثل هؤلاء الأشخاص متعلقون بطريقة شبه إدمانية  بالامتلاك الملموس  للمواضيع الخارجية الواقعية  ( البديلة ) التي يحاولون استخدامها  في العالم الخارجي بدلاً من التمثيل الرمزي ( McDougal, 1974)  . وهذا يجعل من شبه السواء Pseudonormality   والمقدار العالي من الامتثال الاجتماعي social Conformity  مفهوماً، إلا أنه هنا  نظراً للنقص في المواضيع الداخلية الموجودة تحت التصرف لأسباب اقتصادية في حماية الإثارة  من أي خطر ( داخلي أو خارجي ) فإن  التلاؤم الوثيق مع الموضوع  المُشْبِع للحاجات متاح هنا بالضرورة    كاستراتيجية نجاة . وفي حين تتكامل  لدى الأشخاص الأصحاء  أو لدى العصابيين مثلاً الأحلام  أو الهوامات أو التفاعلات الرمزية لتوترات الدافع على شكل مشهد  ( Marty et al., 1963  ) يتم لدى التكتميين ملء الفراغ الداخلي بتفاصيل خارجية ، الأمر الذي يمكن ملاحظته بصورة جيدة في اللغة .

ويرى  كريستال ( 1974، 1978، 1979 ) ما يشبه ذلك ، وذلك عندما  يفصل  في الانفعالات “ emotions “  في  حالة النمو السوي بين   خطوات النضج لتمايز الانفعال  و التفعيل Verbalize و نزع التجسيد   Desomatization . فلدى التكتمين يكون تمايز وتفعيل الانفعالات   معاقان أو مضطربان، بحيث تظل هذه انفعالات بمعنى سيفينيوس ( 1975).  أي أنه لا يحصل نزع للتجسيد Desomatization للانفعالات أو يحصل بصورة محدودة فقط ، ذلك أن الأمر يتعلق هنا ” بنمو أولي مقيد ”   ( Ruesch, 1948   ) . وبهذا يستبعد نموذج تفسير ” إعادة التجسيد  Resomatization    ” لشور 1974 بالنسبة للتكتميين الذي يستند إليه كثير من الباحثين في التفسير التحليل نفسي لبناء العرض النفسدي ( ميتشيرليش  1967 على سبيل المثال ). إذ أنه عندما لا يتم بالأصل ” نزع التجسيد ” لانفعال ما  فإنه لا يمكن فهمه أيضاً كنتاج  لإعادة تجسيد  بنتيجة تشكيلة صراع غير قابل للتحمل نفسياً.

وما زالت الإجابات حتى الآن غير متفقة حول  مسألة  فيما إذا كانت آليات الدفاع تلعب دراً في نشوء مرض نفسي جسدي ما وإذا كانت تلعب دوراً فما هي هذه الآليات .إن ذهاب النفسجسدي التحليل نفسي  المستند إلى نموذج العصابات  حتى الآن من فرضية أن  ا لدفاع   يتم وفق حوادث الكبت التي تتم في  الأعراض العصابية أصبح في هذه الأثناء مشكوكاً به بصورة جوهرية  – بالنظر لأنماط السلوك التكتمية  – . وبدلاً من ذلك غالباً ما يتم الحديث عن  الإنكار  ( “ denial “ )لوصف حوادث الدفاع  النفسجسدية النموذجية . إلاّ أن نيمياه ( Nemiah , 1973k 1975)   قد أشار بحق إلى أن  الإنكار بالأصل قد صمم كآلية دفاع خاصة لتجنب  إدراك الواقع الخارجي واستخدامه من أجل إزالة  الأحداث الداخلية لا تحتوي على توسيع غير دقيق للمفهوم فحسب، وإنما  ( بكلمة أخرى ) يوصف بهذا الحادث نفسه الذي كان قد استخدم في وصفه مفهوم ” الكبت ” . ويرى بأن اختيار الكلمات المتبدلة ( غير الدقيقة )  تعكس لا شعورياً  ملاحظة صائبة ، ألا وهي التحسس بوجود ظاهرة أخرى لدى التكتميين . فإذا ما كان صحيحاً أن العرض الجسدي – وكذلك اللغة أو التعامل مع المواضيع – لا يحتوي على طابع رمزي ‘ عندئذ يتضح أنه هنا، إذا ما لم يدعي المرء بوجود استعداد ( مولود أو مكتسب ) ، أن القليل فقط من آليات الدفاع المتمايزة  والعامة والمبكرة من الناحية التاريخ حياتية  يمكن أن يمتلك أهمية . ولهذا   فإنه غالباً ما يكون المقصود  في هذا السياق   حوادث  ” أثرية  archaic ” – إنها كلمة تصف  التصميم الناقص،  والطبيعة القبل تاريخية تقريباً لاستراتيجيات  البقاء  الجسدي – الروحي العامة و الصعبة التسمية في مجراها أيضا.ً

و ويفترض بسبب تعلقيتهم التعايشية و عدم القدرة على التمثل النفسي  كحماية  من المواقف الصادمة  أن مثل هؤلاء الأشخاص يلجئون  في حالة الصراع إلى  ارتكاسات  مبكرة جداً وعامة ،  تم وصفها في هذه الأثناء بشكل أدق من خلال مفاهيم      الصد ( foreclosure )  والانقسام (   splitting )    والإسقاط  والتماهي الإسقاطي . وتشير هذه المصطلحات إلى القرب من المجال الحدودي للظواهر الذهانية والحديةBorderline   . ”  فمن خلال الانقسام لا  يحصل على سبيل المثال أي  تمثيل مستقر           و لا شعوري وكلي للموضوع ولا أي توليف  بين  الوجوه الإيجابية والسلبية  للموضوع.   وعند غلبة المظاهر السلبية  و عند  نقص قدرة الأنا على كبتها إلى اللا شعور يتم إبقاء النوعيات السلبية  للموضوع بعيدة عن النوعيات الإيجابية له تزاح إلى شريك آخر بطريقة هذيانية ( بارانوئية )(….)” ( Beneditti, 1980 ) . وبهذا يمكن  إبقاء  أقسام الذات والموضوع  التي لم تنبذ باتجاه الانقسام أو التي صدت  وأُبطلت بمساعدة الصد بحالة  ” جيدة ” و مُمَثَّلنة والحفاظ على استمرارية  تثبيت  وحدة متجانسة خالية من التناقض .

وقد تم تدقيق أو ضبط نمطين نموذجيين أساسيين و متناقضين  من التهديد الصادم بالنسبة لهذا التوازن غير المستقر ، الذين تستخدم فيهما  عمليات الدفاع المذكورة . النمط الأساسي الأول من التهديد هو الحميمية الكبيرة لشخص الإطار المرجعي الأولي الذي يحتوي على خطر الاشتباك والذوبان و إزالة  هوية الأنا الابتدائية  وعلى تحديد مع إمكانية حدوث تعويض ذهاني. والانحرافات الذهانية  في إطار المعالجات النفسية للمرضى النفسجسديين معروفة منذ أمد بعيد( Benedetti, 1980 ;  Kuetemeyer, 1953 : McDoudall, 1947  : Meng, 1943 ). أما النمط الثاني من التهديد والذي كثيراً ما تم وصفه والذي كذلك غالياً ما يترافق مع تشكل العرض الجسدي فيتمثل في الانفصال أو الفقدان للشخص المرجعي الأساسي، أي الفقدان الحقيقي أو المتصور للموضوع  الذي يقود إلى فقدان التكامل بناء على الفقدان الذي لا يعوض مع الموضوع لأجزاء الذات.  وعندئذ لا يبقى إلا الشك اليائس والحنق الذي لاحيلة له والذي لا يمكن محاصرته من خلال التغلب النفسي  بمساعدة عمل الحزن أو  تماهيات جديدة .

إنهما قطبا الخطر كلاهما من التوحد أو عدمه ( oneness or noneness  )    الذين يقيدان كثير من المرضى النفسديين والذين يجعلان  المساعي المضنية والدائمة نحو  قرب وبعد أمثلين من الشخص المرجعي مفهومة ( lefebvre, 1980  ). وفي مثل هذه المواقف الخطرة  تتحول لدى المرضىالنفسديين ”  العضوية البيولوجية الذاتية  إلى مظلة إسقاط لتمثيلات موضوعهم  المرضي ”

( De Boor, 1976  ) وهنا  لابد من ملاحظة أنه ينظر  للجسد ككل أو في مجالات محددة  الذي تكون تمثيلاته مضطربة بشدة  بصورة منتظمة إلى حد ما في تصويرة الجسد ومستقرة بشكل غير كاف في  منظومة الذات،  كشيء غريب  وغير منتم للذات، التابعة  بشكل لاشعوري إلى جزء من الأم الممثلنة أو المكروهة. وبهذا يبدو العرض النفسدي إما    ” كترميم نرجسي ”  لثغرة في منظومة الذات العاطلة  أو  ” كجزء من موضوع شرير ”  مُقَّصى جسدياً  ” ( Benedetti, 1980).  وبشكل متمم لذلك يمكن للمرء اعتبار   الرعاية والانتباه الحنونين الملفتين للنظر لدى قسم  من المرضى النفسديين للعرض الجسدي  على أنهما استرداد وترميم للأم. وبالعكس يمكن   لدى مرضى آخرين  بين الحين والآخر  فهم   الاحتقار المهدد حيوياً وإهمال الإشارات   والأعراض الجسدية  على أنه محاولة  لتدمير  الوجوه المكروهة والمنقسمة  لأَمَجِيّة الأم[5]  من خلال تدمير الجسد الذاتي ( McDougall, 1980)   . ولا يندر أن تتبادل  مثل هذه الحالات المتناقضة  مع بعضها ( في مجرى العلاج مثلاً ) بشكل مفاجئ. وعندئذ تتكرر ملاحظة وجود مفاجآت من خلال أفعال تعوض التمثل النفسي  وتخفض من التوتر في الوقت الراهن  إلاّ أنها في النهاية لا تمكن من التخفيف والقضاء على الصراع الأساس.

 

 3.-7.- 3. نماذج تفسير نوعية

حتى الآن هناك  تصورين اثنين، حاولا   تعقب تشكل العرض والبنية مصممان  خارج نظرية البنية التحليل نفسية ولكن دون التخلي في الوقت نفسه عن الفرضيات التحليل نفسية الأساسية. وهما التصور النظري لما يسمى  ” بالمدرسة السيكوسوماتية الفرنسية ” و  مخطط تسيبف Zepf .

ففي  الستينيات من هذا القرن تقريباً  بدأ كل من  ديفيد وفاين ومارتي  و دي موزان بتطوير تصور  حول الأمراض النفسية الجسدية، يختلف عن التصورات النظرية  القائمة حتى ذلك الوقت.  ووفقاً لرؤيتهم بأن الأمر يتعلق في الأمراض الجسدية النفسية  بوحدة تصنيف مرضية nosological  ( دي بور و ميتشيرليش ، 1973 على سبيل المثال )، والتي تتضمن أيضاً فرضية وجود بنية  نفسية جسدية خاصة  كنتيجة  لعملية تنشئة اجتماعية معينة ، فقد حاول الباحثون الفرنسيون  – وكذلك تسيبف – بحث ذلك. واستناداً إلى  روش (Ruesch, 1948 )  وصفوا  بنية شخصية نفجسدية خاصة ، حددوها عن  البنية  العصابية أو الذهانية أو  التناسلية أو الشاذة (  Fain, 1966; Fain & Marty, 1964, 1965; De M`Uzan, 1978; Marty et al., 1963,     De M`Uzan & David, 1960   )  .

وقد رأوا ثلاث سمات مميزة للبنية النفس جسدية المرضية pathognomonic وهي :

n  La pensee` ope`ratoire ” 🙁 التفكير الإجرائي ) وقد    تم من خلال هذا المفهوم وصف نوع من التفكير ذو توجه دائم نحو ما هو راهن وملموس actual and concrete . ويمكن لهذا التفكير أن يكون مجرداً ومثقفاً، إلاّ أنه يظل دائماً عملياً ( ذرائعياً ) و أداتياً و يظل في كل الحالات مفصولاً عن تمثيلات الموضوع  النفسية الداخلية.  ويحدد هذا النوع من التفكير لغة المرضى النفسديين. حيث يتم وصف الأشخاص  والأحداث   بدون أية إشارة لعلاقة بالشخص subject   بما يشبه التصوير.

 n التكرار أو النسخ Re`duplication :  ويقصد به أن المريض النفسي الجسدي بشكل دائم يدرك موضوعاته وفق نمط  صورته الذاتية  ( مفهوم ذاته ) غير المتمايزة  فقط.  والشيء نفسه ينطبق على السمة الثالثة من سمات البنية النفس جسدية والمسماة:

 n “ Inhibition fantasmatique du base “: أي النقص في الهوامات اللاشعورية  المرتبط مع التفكير الإجرائي . فعندما يتخيل هؤلاء الأشخاص فإما أن تكون الهوامات عندئذ  غير متمايزة البنية أو أنها تتألف من استرجاع بسيط  للمواقف المعاشة بشكل حرفي .

وقد أضيفت لها لاحقاً سمة أخرى تتمثل في فرط التكيف الاجتماعي (McDougall, 1974; Stephanos & Auhagem, 1979   ).

ومن خلال مصطلحات مشابهة أضاف  تسيبف 1976، 1976 أ، 1981 ) عدا عن ذلك الخصائص النفسية التالية:  هوامات       لا شعورية غير متمايزة و علاقة نرجسية بالموضوع ( موضوعات الذات بمعنى  كوت، 1973 )   ومشاعر منخفضة أو غير مستقرة للقيمة الذاتية  و غياب أنماط السلوك العدوانية. وينطلق الباحثون الفرنسيون وكذلك تسيبف  في أفكارهم النظرية عملياً من  النتائج التجريبية نفسها غير أنها تختلف عن بعضها في نقاط جوهرية.

 

3.-7.-1.-3.-” التفكير الإجرائي La pensee` ope`ratoire : المدرسة  النفسية الجسدية الفرنسية

في بداية التأملات النظرية للباحثين  الفرنسيين تصدرت المحاولة الفاشلة في التوفيق بين   السمات النفسية للمرضى النفسديين الموصوفة من قبلهم  داخل  نظرية البنية التحليل نفسية و ربطها بشكل منهجي ( De M’Uzan, 1977 ) .  ولذلك فقد حاولوا وبدون التخلي طبعاً  عن مفاهيمية نظرية البنية التحليلية النفسية  في تعقب التفكير الإجرائي  في النموذج الطبوغرافي لفرويد الذي  يقسم الجهاز النفسي  إلى منظومات الشعور وما قبل الشعور و اللاشعور .  وعلى المستوى النظري فقد اعتبر التفكير الإجرائي نتيجة للانقطاع   الحاصل بين الشعور واللاشعور بنتيجة غياب  ما قبل الشعور وفهم على أنه شكل للحادث الثانوي ( Marty & De M`Uzan, 1978 )  تتم فيه مضاعفة  الكلمات والأفعال والأشياء. أما سبب النقص في تشكل منظومة ما قبل الشعور فقد افترض وجود “ me`re calmante ”  ، الذي  على العكس من  “ me`re statisfaisante “من خلال الوجود المستمر ، يصبح  مرضياً   من خلال فرط وظيفتها الحاجبة للإثارة  ( Fain, 1971; Fain & Kreisler, 1970 )  .

ويقود هذا السلوك إلى أن الرضع لا يستطيعون الوصول إلى طور  التحقيق الهلاسي للرغبة و لا يتمكنون من تنمية نشاطات مشبعة  autoerotic (Fain, 1971 ). ولم يتمكن الهو من الانفصال عن أصله الجسدي ومن بناء تمثيلات  نفسية                           ( Fain & Marty , 1965 )    .  وقد استخلص فاين من ملاحظات للأم  ولرضيعها المريض بمرض نفسي جسدي أن  شَغْل الأم الدائم للطفل يعيق تنمية الإشباع الذاتي   الأولي وبهذا يتم فصل  النشاطات الليبدوية عن  بناء الرمز، ولكن من ناحية أخرى  فإن الأم فإن الأم التي تتصرف بطريقة مضادة  لذلك التي تصد عن طفلها  بطريقة واضحة   نشاطات الإشباع  الذاتي              ( McDougall,1974   )    تكون مسؤولة أيضاً عن النتيجة نفسها. وعلى الرغم من أن سلوكها يقود إلى أعراض نفسية جسدية من نوع آخر إلاّ أنه على المستوى النفسي فإن ذلك  هو أيضاً نتيجة  للارتباط المضطرب بين الأهداف الدافعية و تمثيلات الموضوع( Fain, 1971 )   .

وأثارت  هذه المحاولات  التأسيسية  الأولى لنظرية التفكير الإجرائي pensee` ope`ratoire  لتحديد السمة الرئيسية لبنية الشخصية النفسية الجسدية مسائل . فمن جهة وصف التفكير الإجرائي بأنه منطقي وسببي ومستند إلى الواقع و بأنه شكل من الحادث الثانوي ؛  إلاّ أنه  استنتج من جهة من جهة أخرى   بأن التفكير الإجرائي يضاعف من الكلمات والأشياء والتصرفات وبأن  التباعد بين  المُسَمْي ( أو  الدال significant   ) و المُسَمْى ( المدلول signife` ) ملغاة أو مبطلة                                ( Marty & De M`uzan , 1978  ).  وبهذا لا يعود  يستطيع  للمرضى النفسجسديين  من التمييز بين  تصورات الكلمة وتصورات الشيء  .  ويعني هذا الشيء في النموذج الطبوغرافي لفرويد أنه لابد لتصورات الكلمة والشيء أن تكون موجودة في المنظومة نفسها ، أي في منظومة اللاشعور . إلاّ أن الحادث الأولي هو المسيطر في هذه  المنطقة. إذاً فالتحديد النظري  للتفكير الإجرائي يتضمن  أنه منطقي وسببي ومتوجه للواقع وذو سيرورة أوليه في الوقت نفسه.

وتبقى كذلك مسألة كيف يمكن  أن ينجم   الارتباط الناقص بين النشاطات الليبدوية  واللغة ، أي التفكير الإجرائي عن سلوك أم تتصرف سواء  بشكل   (                                    )    “ me`re calmante ” أو بشكل          me`re statisfaisante (                                      ) مفتوحة.  وبهذا تصبح  فرضية البنية النفسجسدية الخاصة إشكالية لاسيما وأنه أيضاً  لم يتم فصل أو تحديد   البنى  النفسية التي تمتلك نوعية أخرى عن هذه البنية النفسجدية الخاصة داخل النظرية الطبوغرافية . وفي مساعيهم  نحو التفسير النظري للبنية النفس جسدية ،يتحجج   الباحثون الفرنسيون بشكل متكرر في إطار النظرية الطبوغرافية بالفئات المحددة بشكل نظري بنيوي (  ” تنظيم الأنا التقليدي ” و ” الأنا الأعلى ” و  ”  آليات الدفاع ”  الخ..، مثلاً  مارتي، 1974 ،1976، مارتي وآخرين ، 1963 ) ، بدون  إيضاح  للنظريات المتناقضة و المختلفة في وجوه متنوعة ومبدئية  بطريقة ما وراء نظرية metatheoretic                                                   ( راجع Arlow & Brenner, 1976 ) .  وبالتالي يتألف تصورهم الكلي  من مجموعة من الفرضيات  غير المترابطة.

و على ما يبدو فقد رأى الباحثون الفرنسيون هذه النتيجة .  وبالتالي فقد ابتعدوا في عامك 1976  عن النظرية الطبوغرافية  واستندوا منذ ذلك الحين  على إطار واسع، تم فيه السعي إلى توضيح منشأ ” آليات التثبيت الثانوي ” ، المسؤولة في النهاية عن نمو  أعراض الجسد النفس جسدية (Marty, 1976 ) . وقد تم التمسك  بفرضية وجود انقطاع بين المجريات النفسية  وسيرورات الدافع الجسدية : وكذلك  لا يوجد بين الصراع النفسي   وأعراض الجسد أي ارتباط ذو معنى ( stephanson & Auhagen,1979  على سبيل المثال )  . وتم الاحتفاظ بالتخمين الذي عبر عنه مارتي في وقت سابق حول  وجود تثبيت  على  الآليات النفسية الأولية  التي كانت قد  نشأت ضمن الرحم intrauterine  من خلال  التفاعل الخِلطي[6] humoral  المرضي  بين  الجنين والعضوية الأمومية ( Marty, 1974 )   . ومنذ ذلك الحين اعتُبرت  عدم الاستمرارية Discontinuity   وآليات التثبيت الأولية  ارتكاسات  توليفة مرضية لدافعين اثنين ، ألا وهما ” دافع الحب أو الحياة  Eros  ” و دافع الموت Thantos “

( Marty, 1976 ). وقد افترض أنه في كل طور من النمو تتحدد كل السيرورات الفيزيولوجية والنفسية  لفرد ما من خلال  التأثير المتبادل لهذين الدافعين ، علماً أن دافع الحياة يتمدى في تشكل بنية  ” ارتقائية ”  ودافع الموت في شكل تغيرات  ” تهدمية ” ، تخريبية مُشَوِّشة. وعليه تقود السيطرة العابرة، وغير القابلة للتجنب لدافع الموت لدى الرضيع إلى  الخلل الوظيفي  المرضي تدفع  دافع الحياة إلى سيرورات إعادة تنظيم بناءة. ومن خلال ذلك يتم التغلب على الخلل الوظيفي  وتنمية الليبيدو والجهاز النفسي. وعلى الرغم من أنه من خلال ذلك  يفقد الخلل الوظيفي  طبيعته المرضية ، إلاّ أنه يظل  موجوداً  كآليات تثبيت نفسية جسدية. و ينشأ خطر إعادة التنشيط في المواقف التي تضعّف فيها دوافع الحياة  و \ أو في المواقف التي لا يمتلك فيها الفرد آليات  تمثل نفسية مناسبة . عندئذ تكون العاقبة خلل مرضي .  وإعادة التنظيم تكون  ممكنة عندما يتمكن الفرد من العثور على دافع الحياة. الاهتمام من جانب الموضوع  يحافظ  على حياة الفرد  ويحث إعادة التنظيم بشكل حاسم.

وارتباطاً بضعف بنيوي لدافع الحياة ( Marty, 1973 , 1976)    وبغياب الاهتمام الطفولي المناسب ( Stephansons & Auhagen , 1979 )   ينشأ لدى المريض  بمرض نفسي جسدي اضطراب نضج بيوفيزيولوجي عميق الأثر.  جهازه النفسي يكون متشكلاً ومصمماً في حده الأدنى فقط، ولا تُسْتَدَّخل  الأم (  أو يتم تمثلها كموضوع ” طيب “، كما وأنه ما كان بالإمكان  لتحقيق هلاسي للرغبة أن ينمو ولا القدرة على الترميز. . وكنتيجة  لذلك ينشأ التفكير الإجرائي المحصور باستمرار بالراهن والملموس. وفي مواقف الأزمات  سرعان ما يحصل بسهولة نكوص  إلى مناطق التثبيت مع عاقبة  حدوث سور تنظيم أو خلل لايمكن محاصرتها  إلاّ بشكل محدود بسبب دافع الحياة المُضَعَّف بنيوياً. ولا  يعود  المريض يستطيع الشفاء من هذا الانهيار، والعاقبة هي الأعراض النفسية الجسدية.

وفي هذا التصور الجديد للمدرسة الفرنسية تبقى مشكلة أنه هنا قد تم إضافة   نظرية ” الحياة ” و ” الموت ” في النموذج الطبوغرافي و البنيوي  للتحليل النفسي  فقط بدون إيضاح ما وراء نظري. وعلى الرغم من  أن بعض المحللين النفسيين  يتمسكون بهذه النظرية التي وصفها فرويد نفسه بأنها    ” تأملية speculative   ” فإنه من المشكوك به في إمكانية  إيجاد أساس علمي  لتخفيض الطبيعة الإنسانية إلى  هذين الدافعين الأساسيين ( راجع حول هذا الموضوع Braun, 1979 ; Brun, 1953\1954: Finichel, 1935; Johnes, 1962, Reich, 1970).

فسواء في البيولوجيا الإنسانية والحيوانية لم يتم التمكن حتى الآن  من يجاد أية ملاحظة  تجعل من فرضية دافع الحياة ضرورية حتماً.

 

3.-7.-3.-2.-الخبرة ة المُقَيَّدة و البناء القاصر للعرض ( تسيبف Zepf)

في هذا التصور  يبرهن تشكل البنية النفسية الجسدية  من  خلال  ” نظرية أشكال التفاعل ” التي طورها لورنسر Lorenzer   . وحسب هذه النظرية فإن الفرد الإنساني  يتحول إلى شخص Subject  من خلال تسجيل  تاريخ علاقاته على شكل      ما يسمى ” أشكال التفاعل  ”  في الفرد. ومن خلال الأسلوب الذي يتعامل من خلاله كل من الأم والوليد الجديد ن يتم تعديل  توترات الجسد غير المتمايزة في البدء كي تصبح حاجات دافعية محددة في أشكال التفاعل.ويمكننا تصور هذه السيرورة من الناحية الفيزيوعصبية على النحو التالي: يتم تخزين أشكال محددة من التفاعل المحددة من خلال خبرات الحياة   في هيئة تعشيق للمجريات الجسدية  المشتركة بذلك على شكل ” برامج تفاعل “.  وبهذا  تقود خبرات الحياة على المستويات النفسية والبيولوجية سواء  إلى  تأسيس  ذاتانية Subjectivity [7]  “” هذا  “” الطفل. ومع إدخال اللغة تتحول هذه الأشكال من التفاعل إلى أشكال تفاعل ” رمزية ” وبالتالي إلى أشكال تفاعل شعورية.

ويمكن أن يُرَمَّز هذا الشكل من التفاعل بالنسبة للطفل وذلك بأن  تنطق الأم في علاقة محققة في اللحظة الراهنة كلمة “” ماما ” على سبيل المثال.  وينضاف هنا  إلى ” الأثر المخلف Engram[8]  لهذا التفاعل  عنصراً جديداً من مركب المثير السمعي – اللغوي الحركي  المؤلف من ” ماما ”  و وتكون العلاقة بين  ” ماما ” و شكل التفاعل في البداية ذات طبيعة  ارتكاسية، وما زالت لا تمتلك معنى دالاً بعد. ولا تتحول إلى شكل تفاعل رمزي ممتلك شعورياً إلاّ عندما  يعرف هذا الطفل أيضاً ما الذي تعنيه ” ماما “. ومن خلال مستوى أشكال التفاعل الرمزية  يمكن  تمييز أشكال التفاعل لغوياً. ” كالحب ” مثلاً الذي يتم فيه حمل الطفل بين الذراعين ولمسه والنظر إليه الخ.  ولا تتحول أشكال التفاعل إلى شكل شعوري إلاّ عندما  تكون على علاقة بكلمات مختلفة   “مسندات   Predicatory   ” . وينجم شرط آخر لأشكال التفاعل الرمزي عن أن لا يمكن إدراك  أشكال التفاعل المرمزة أو المسماة ” بماما “” إلاّ إذا كان الطفل يعرف مسبقاً من أشكال تفاعل أخرى  ما هو ” المحبوب ” ، أي أنه لابد لأشكال التفاعل التي تشكل  معنى  ” محبوب ” أن تكون من جهتها على علاقة  برموز لغوية أخرى، تشير أيضاً إلى ما تعنيه كلمة ” محبوب ” ، وكذلك  لابد لهذه الرموز أو الإشارات اللغوية أن تكون على علاقة برموز لغوية أخرى من جهتها.

 

لقد طور لورنسر مفهوم الرمز هذا  الذي يعني دائما تركيبة محددة  من اللغة وأشكال التفاعل، في تجديد نقدي للتصورات التحليلية النفسية .  وعلى مستوى  أشكال التفاعل الرمزي  يوجد شكل تفاعل خاص  بكلمات مختلفة ، و كلمة خاصة بأشكال مختلفة من التفاعل .  ويعتبر هنا تقديم أو إدخال مسندات متنوعة و عرض تفاعل أمومي واسع وثابت  شرطاً عاماً  لنمو أشكال التفاعل الرمزية هذه.

ومنطلق تسيبف كان السلوك المفرط الرعاية أو الصاد بشكل واضح أو كليهما معاً لأم المريض بمرض نفسي جسدي.   ويعتبر هذا السلوك نتيجة  لإشكالية  نرجسية غير محلوله للأم،  يتحول الطفل من خلالها  إلى جزء مصدود من ” ذات ” الأم .  ويمكن  في السلوك الأمومي الملموس  أن يتجلى هذا الوجه من الصراع  بوضوح وفي مرة أخرى الوجه الآخر منه، مع العلم أته عندئذ  يؤثر  الميل المعاكس للميل الجاري حالياً بشكل خفي.   ومن خلال هذا السلوك المتناقض قلما يستطاع استخدام  عرض التفاعل الأمومي  الثابت والمتمايز ، الضروري لممارسة  أشكال متنوعة  وانتقائية من التفاعل .  بل أنه تسيطر  ” خبرة تنشئة اجتماعية مُقَيِّدة restrictive socializationspraxis    ” ( Zepf, 1976)  ،  لايتم فيها تنظيم احتياج الدافع الطفولي في حاجات دافع  نوعية وقابلة للتحديد انتقائياً تنظيم احتياج الدافع الطفولي في حاجات دافع  نوعية وقابلة للتحديد انتقائياً إلاّ بشكل ناقص. ولأن حالات التوتر الطفلية  لا تستطيع أن تتمايز بشكل كاف إلى أشكال تفاعل ، فإنها لا يمكنها الارتباط في الدلالة اللغوية أيضاً .   وتكون أشكال التفاعل المسيطرة غير متمايزة، وتبقى  ماقبل لغوية و لا شعورية.  ولأنه في  ”  نظرية أشكال التفاعل  ” لايتم تمايز بنية التفاعل بين الطفل والأم  إلى  ذات طفلية وأمومية إلاّ وفق مستوى أشكال التفاعل الرمزية ، فإن  منشأ  علاقة الموضوع للمرضى النفسجسديين الموصوفة بأنها ” تعايشيه ” و ” نرجسية ” يعزى إلى  خبرة تنشئة اجتماعية مُقَيِّدة.

ويفهم الفراغ الداخلي الانفعالي – الحسي للمرضى النفس جسديين من قبل الباحثين الفرنسيين على أنه تعبير عن لا استمرارية الشعور واللغة واللاشعور. وتعزى هذه اللااستمرارية إلى أن الدلالات اللغوية لا يتم اكتسابها  من خلال الخبرات،  التي تستقر في الطفل من خلال بناء أشكال التفاعل الرمزي ، فحسب وإنما  من خلال التحديد الماوراء لغوي و من خلال مجرد الخبرة             ” المُقَدَّمة  “، التي لا يشارك الطفل في سيرورات التفاعل( ZEPF, 1976, 1976 a)   .وفي ممارسة مقيدة تبقى  المُسنَدات اللغوية المُدَّخَلة  ضمن إطار دلالي خالص denotative  . وبما أن العلاقات بالمواضيع تكون في الواقع مقيدة أو حتى غائبة في كلية، فإنه يمكن فقط وصف مواضيع لا علاقة لها بالشخص. وتكتسب اللغة هنا سمة  الرمز ” الأولي ”  والتي يميزها تسيبف عن         الرموز ” الثانوية ”  والتي يصفها لورنسر كنتاج  لعملية تنشئة اجتماعية مولدة للعصاب. والرموز ” الثانوية ” هي  نتيجة لعمليات الدفاع،  التي يتم فيها انفصال ثانوي  للعلاقة القائمة بين اللغة وأشكال التفاعل. أما في الرموز ” الأولية فلم يحصل مثل هذا النوع من الانقسام، بحيث أن اللغة تتصف هنا بفقر مفهومي connotative  و بنقص في خبرات الجسد التاريخ حياتية .

فإذا ما ذهبنا من أنه  في  خبرة مقيدة للتنشئة الاجتماعية  يكون الهو  أيضاً   مبني بشكل غير كاف في أشكال التفاعل،، عندئذ تتضح لنا من ذلك أيضا الهوامات اللاشعورية غير المبنية ( المتفككة ) للمرضى بأمراض نفسية جسدية، التي ترتبط باللغة في علاقة ابتدائية فقط ( قارن De Boor, 1964 ). ويتم إيضاح فرط التكيف الاجتماعي من خلال الفرضية القائلة أنه بنتيجة  وجود تمايز ناقص  تبقى كذلك حالات التوتر غير متمايزة وبلا معنى. وتنشأ حالات التوتر كترابط بين خبرات الانفصال ويتم تجنبها من خلال إصلاح   ” الفوضى الأولية ” Primary confusion  ( Sandler & Joffe, 1967 )     لصورة الأم. وعلى أساس هذا العوز النرجسي  يتجنب المرضى بأمراض نفسية جسدية  أنماط السلوك العدوانية  ويطورون  وظائف أداتيه فأنا وبشكل خاص فيما يتعلق بالوصول بأنفسهم إلى تطابق مع توقعات الأم أو مع صورهم البديلة اللاحقة Key Figure “, Engel , 1955 )  ” (.

وفي هذا التصور يلعب ” فقدان الموضوع “، أي  الانحلال الهوامي المهدد أو الواقعي للعلاقة النرجسية  بالموضوع الأمومي البديل دوراً مركزياً  بالنسبة لتشكل  العرض النفسي الجسدي. ويعني انحلال هذه العلاقة  بالنسبة للمريض النفسي الجسدي  إعادة إحياء  تلك المواقف الباكرة التي أثيرت فيها حالات توتر  مزعجة نتيجة الانفصال . وعندئذ يعتبر العرض النفسي الجسدي على أنه نتيجة للمحاولات المتجددة  للتغلب على توترات الجسد غير المتمايزة المثارة ثانية. ويرجع تسيبف هنا إلى فكرة لشور 1974 ويفترض بأنه لا يتم تقييم الموقف الراهن بشكل نكوصي فحسب وإنما يُرَد عليه بشكل نكوصي. . وقد وصف إنجل وشماله 1978  التصور نفسه  بالتحويل. ويقصد بهذا، أن أشكال التفاعل اللاشعورية المتجددة في هذا الموقف تكون خاضعة لشروط أنه لم يعد هناك مواضيع بديلة متوفرة. وفي السياق تتم  إزاحة التمثيلات إلى معطيات خارجية   ملموسة ( للهواء  أو للتحسس أو لجهاز التنفس ( البخاخ ) لدى مرضى الربو  على سبيل المثال ) أو إلى حادث جسدي أو إلى حادث جسدي.  وبهذا تكتسب أهمية لاشعورية في خبرة المريض.  وهذا النمو اللاشعوري للأهمية  يوضح لماذا غالباً ما يكون المرضى بمرض النفسي جسدي مثارون  انفعالياً عند أكثر عندما يصفون جسدهم مما هو الأمر عليه عندما يصفون علاقاتهم بالموضوع.

ويعقب هذا النمو اللاشعوري للمعنى ارتكاس من الآليات  الفيزيومرضية . ويعزى سبب ذلك إلى أنه على أساس من الخبرة المقيدة     لدى المريض النفسي الجسدي  تكون أيضاً  مجريات الوظائف الجسدية مختلة البناء . وبما أن مجريات الوظائف الجسدية لا ترتبط بعلاقة  مع بعضها إلاّ من خلال بناء ” أشكال التفاعل ” ولا تتوافق مع بعضها إلاّ طبقاً لخبرة الحياة ، فإنه  تحت شروط خبرة التنشئة الاجتماعية  الأولية المقيدة تبقى بنية تناغمها على ذلك المستوى من عدم التمايز الذي وصفه  غرينكر في عام 1953 على سبيل المثال ” بالطفالة الفيزيولوجية ” physiological Infantilism   .  ويتجدد هذا التناغم   المختل التنشئة الاجتماعية

غير المنتظم نسبياً  لسيرورات الجسد عند وجود انحلال  مهدد أو واقعي  لعلاقة موضوع نرجسية . وهنا يستجاب  جسدياً بطريقة  ” قديمة ” أو ” عشوائية ” على النمو اللاشعوري للأهمية .  ومع الارتكاس الجسدي ينسحب المريض  نحو تلك المستويات الفيزيولوجية من التفاعل ، التي كانت فيها العضوية الطفلية والأمومية  مرتبطان مع بعضهما برابطة متحدة. ومن خلال ذلك تنسحب علاقات الموضوع إلى حالة  ارتباط بيولوجي للمثير والارتكاس.

و يطرح هذا التصور مسائل مفتوحة أيضاً. فعلى الرغم من تحديد الشروط العامة التي تحدد من خلال اختيار العضوية أيتها أماكن تشكل العرض ، إلا أنه لم يتم  المعطيات الخاصة ( بالاستجابة الجسدية ؟ ) ، التي تجعل مسؤولة عن العرض الجسدي الخاص.  وكذلك لم تحل في هذا التصور مشكلة  ما يسمى ” البنى المشتركة ” التي يمكن إثباتها في الأمراض العصابية والنفسية الجسدية على حد سواء.فمثلاً لم تتم حتى الآن تحت شروط خبرة أولية مقيدة للتنشئة الاجتماعية  دراسة حادث  “فك الترميز Desympolization ”  الذي يتصدر في الأمراض العصابية ضمن هذا الإطار المفاهيمي  موقع الصدارة  .

 

 3.-8.- الطب الأنثروبولوجي لفيكتور فون فايتسكر

تطرح الأفكار التي سنناقشها في النهاية لفيكتور فون فايتسكر  حول الطب الانثروبولوجي حالة خاصة  من ناحية أنه لا يتعلق الأمر في تصوره بتصور تحليلي نفسي لتشكل العرض النفسي الجسدي  بالمعنى الضيق. لقد أصبح فيكتور فون فايتسكر الذي كان يعمل في البداية  فيزيولوجياً وفيلسوفاً ولاحقاً طبيباً عصبياً داخلياً أحد مؤسسي الطب النفسي الجسدي في ألمانيا.  وقد طبعت مقابلته  وجدله مع سيجموند فرويد تصوره  الفلسفي المستقل والذي لم ينضب حتى اليوم إلى مدى واسع.  وسوف نقتصر هنا على مقطع  صغير من أثره ، ألا وهو رسم بعض العناصر الأساسية القليلة لما يرتبط باسمه من ” الطب الانثروبولوجي ” أو ” مدخل الشخص  إلى  الطب      Einführung des Subjects in die Medizin ” ( وإلى البيولوجيا ).

مستنداً إلى تعاليمه حول Gestaltkreis     طور انثروبولوجيا،  التي تحاول فهم  الإنسان  في علاقته ”  بفهم لماذا لايستطيع نفسه أن يكون موضوعاً ” (von Weizsäcker , 1973 )  . إنه إنسان مصاغ كجزء من الطبيعة من خلال حالات وجوده المرضية  Pathic  و  الحقيقية  Ontic ، والتي يمكن توضيحها من خلال المفهوم المركزي بالنسبة لفايتسكر ” الأزمة “.   فالشخص  مهدد دائماً بالنسبة له في وجوده  بأزمات ( التي يمكن أن تنعكس طبياً من خلال الأمراض مثلاً ) من جهة ، ويمتلك من جهة أخرى إمكانية إيجاد نفسه.  فالأزمة  تحدد إذاً نقطة تحول ، بل أنها أقرب لأن تكون  ” وسيطة حدث بيولوجي ” ( Schneemann, 1967 ).  ويلخص فايتسكر  بنية  مثل هذه الأمراض الأزماتية التي غالباً ما تمتلك طبيعة ممثل أو نائب لصراع غير محلول على الشكل التالي:

” يوجد موقف ما، يضاف إليه ميل ، يرتفع التوتر، ، تزداد حدة الأزمة، يعقب ذلك حدوث المرض ، ومع المرض ، بعده يكون القرار موجوداً ؛  وقد أنجز موقف جديد ويعم الهدوء؛ وينبغي الآن عدم رؤية الربح  والخسارة، كل شيء مثل وحدة تاريخية:  تحول، انقطاع أزماتي ، تحول (von Weizsäcker ,1935).

ليس كل مرض بالنسبة لفون فايتسكر قدر موضوعي فحسب وإنما يمتلك معنىً شخصياً كلية في تاريخ ومخطط حياة الفرد. ”  إن مشكلة الإنسان في الطب – أو بشكل خاص في هذا النوع الجديد من الطب – هي أنه ، الإنسان ، مرضه ،  الذي ينبغي فهمه كجزء من  بيوغرافيته الكلية لا يمتلكه فحسب وإنما يصنعه.  إنه ينتج المرض ، الذي هو  حركة تعبيرية، لغة جسده، كما يشكل  أية حركات تعبيرية و أي حديث آخر. وما زلنا  حتى الآن لم نفهم هذه اللغة  بشكل واضح ، إلاّ أننا نقترب منها دائما بشكل أقرب ”  (von Weizsäcker ,1935).

ويستند مفهوم فايتسكر للشخص Subject ، إلى إنسان ، مُحدد في مرضه من خلال  تاريخيته وتنشئته الاجتماعية وغائيته بالمقدار نفسه   ( v. Rat, 1974 )    . ولهذا على سبيل المثال عواقب بالنسبة  لفهم المرض : ” المرض موجود الآن بين الناس، إنه أحد علاقاتهم و أشكال مواجهته. وهنا يبدأ الطب الانثروبولوجي  ” (von Weizsäcker ,1947). وهنا يصف العلاقة بين الجسد والروح بأنهما ” تعامل متمم ” تصوير ( عَرْض )  وإيضاح متبادلين ” لقد سمعنا  أن وظائف العَرْض   متبادلة : الجسد  تصور الجسد والجسد يصور الروح. المهم في هذا التبادل  هو أنهما  يمثلان بعضهما. ” (von Weizsäcker ,1948).. وقبل نشوء الطب الاجتماعي  أو علم الاجتماع الطبي بوقت طويل أكد فايتسكر  بشكل مستمر  على البعد الاجتماعي للمرض بشكل نقدي  وحاول يؤسسه نظرياً. (von Weizsäcker ,1955).  وتشتمل . الأنثروبولوجيا الطبية لديه بشكل حتمي وفقاً لمبدئه الغائية وطبيعة مخطط الحياة  ومسألة المعنى.

وهنا بشكل خاص يكمن  نقده للتحليل النفسي و للطب النفسي الجسدي الذي يطرح   ” وجهات نظر نفسية ”    فقط   مضيفاً أسلوب التفكير  الفيزيائي – الجسدي الذي لابد من الاحتفاظ به بدون تغيير بشكل مكمل.  ” إن الطب النفسي الجسدي غالباً ما يسأل : ما هو هذا الإنسان؟ أما الطب الأنثروبولوجي فيسأل:  ما الذى سيكونه هذا الإنسان.؟ ولكن بالطبع لن يتخلص من  المرضي وحقيقة الوجود. …” ( v. Weizsäcker & Wyss, 1957 )>

وفي مكان آخر يسأل مستغرباً : ” لماذا  دائماً مشاعر ذنب فقط  وليس الذنب ؟. (von Weizsäcker ,1949).

وبالذات فقد أعاق  الإصرار  الذي  طرح من خلاله بعد مسألة المعنى والقيمة  في سياق المرض تكامل تصوره المهم في الطب . ويتعلق هذا أيضاً مع أن مفهوم المرض كان بالنسبة له لا ينفصل   إطلاقا عن علاقة المريض بمحيطه الإنساني، وبمكانه في المجتمع. المرض هو دائما بالنسبة له  شيء مثل السقوط من الاستقامة، صدع في تحقيق الحياة ” الصحيحة ” ، التي يمكن تحقيقها؛  كسر في التضامن المتبادل المبني عليه الناس. وبهذا لم يعد بالإمكان كثيراً عزل وقصر المرض على  وظائف  العضو المضطربة ، على عوامل موضوعية خالصه، على  مثيرات ما للمرض على سبيل المثال. إنه موجود بالنسبة له ” بين الناس ” ، أي  بين المريض والطبيب ، ويطرح بهذا بشكل صارم السؤال عن صدق وتضامن ومسؤولية الطبيب .  ويشتمل هذا المفهوم للمرض  على مسألة المعنى الشخصية كلية  للحياة الإنسانية ك المعاناة وصولاً إلى  الخبرات الدينية  ،  حيث يكتسب بالنسبة له ”  الطب النفسي الجسدي  المفهوم بحق  ” من خلال ذلك (…) طابعاً متداعياً    (von Weizsäcker ,1949\50) غير أن  هذا التحدي لبديهية الطب وممثليه  يظل حسب تقدير دي بور وميتشيرليش  “نداء  ثورة لم نستطع نحن ممثلو   السيكوسوماتيك التحليلي  القيام بها في السنوات 23  الماضية ” (De Boor & Mitscherlich, 1973 ).

لم يعتبر أحد مثل  فون فايتسكر أسلوب المدخل النفسي الجسدي   على أنه تخصص ” الطب النفسي الجسدي ” ، وإنما اعتبره تغيراً ثورياً للطب  والبيولوجيا ككل  وهنا لابد من أن نلاحظ بصورة نقدية بأن  تصوره  الأخاذ  غالباً ما يستخدم مفاهيم متبدلة جداً ويصعب تحقيقها في الممارسة الطبية اليومية،  الأمر الذي لم يكن مفيداً دائماً بالنسبة للمسألة. وعندما يندفع فون فايتسكر اللاحق  نحو فرضية ، أن كل مرض  يتضمن ذنباً لا شعورياً …”(von Weizsäcker ,1965) ، فإنه يقترب بهذا من  الأفكار الدينية القديمة، التي  فسرت المرض نتيجة للذنب.  بالإضافة إلى ذلك فقد فتح بمسألة غائية الإنسان ومرضه أرضاً جديدة مهمة، تم تجنبها حتى الآن من قبل الطب والتحليل النفسي بالمقدار نفسه . لقد احتضن دي بور وميتشيرليش  مسألة حاسمة لفيكتور فون فايتسكر  من جديد ويلحان على تدقيقها: ”   الجسد والروح يترافقان مع بعضهما البعض، هذا ما صاغه فون فايتسكر، ولكن بأي توليف ؟

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

*