أنا مثقف الأهواز
الرئيسية » القسم الأدبي » شعر و نثر فصحی » قصيدة النثر والشاعر الأخير/حسن السلمان

قصيدة النثر والشاعر الأخير/حسن السلمان

من المعروف إن مقولة نهاية التاريخ والإنسان الأخير للمفكر الأميركي فرانسس فوكوياما ، لاتعني بأي حال من الأحوال نهاية التاريخ وقائعياً ، بقدر ماتعني وصول التاريخ على صعيد النظام السوسيو ـ سياسي ، بعد صراع طويل بين مناهجه ونظرياته ، إلى شكل أثبت نجاحه كواقع مفروغ منه ، متمثلاً بالنظام الليبرالي الديمقراطي ، مقابل فشل وسقوط الأنظمة الشمولية وسردياتها الكبرى كالشيوعية والدكتاتوريات على مختلف منطلقاتها الإيديولوجية : ( فليست هنالك في الواقع نهاية واقعية للتاريخ ، إذ الوقائع والأحداث التي يتشكل منها التاريخ مستمرة خارج كل حكم عليها، ولا يمكن لفوكوياما أن يعارض واقعية استمرارها ، والوقائع التي يتشكل منها لم تتوقف عن الحدوث، والأفعال البشرية المحدثة لهذه الوقائع أو المستقبلة لها لم تتوقف.

 

ومن جهة أخرى، فإن القول بنهاية مطلقة للتاريخ تصريح ميتافيزيقي يخالف ما أراد فوكو ياما الإشارة إليه. فما يقصده بنهاية التاريخ لا يتعلق بالتاريخ الوقائعي، بل يتعلق بمعنى عام ومجرد للتاريخ يستلهمه فوكوياما من فيلسوفين سابقين عليه، هما هيغل وماركس. يقول فوكوياما محدداً هدفه هذا: “إن الذي أشرت إلى نهايته لم يكن بالطبع التاريخ كتتابع للأحداث، وإنما التاريخ كمسار متماسك للتطور الذي يأخذ في الحساب تجربة جميع الشعوب في آن معاً.

هذه النظرة للتاريخ تقترب كثيراً من نظرة الفيلسوف الألماني الكبير هيغل(…) كان هيغل وماركس أيضا يعتقدان أن تطور المجتمعات البشرية ليس بلا نهاية، ولكنه قد يكتمل عندما تجد البشرية الشكل الاجتماعي الذي يشبع حاجاتها الأكثر عمقاً والأكثر أساسية.

وهكذا يكون المفكران قد وضعا “نهاية للتاريخ” : فبالنسبة لهيغل، تتجلى تلك النهاية في الدولة الليبرالية، أما بالنسبة لماركس ففي المجتمع الشيوعي. لكن هذا لا يعني أن الدورة الطبيعية للولادة والموت سوف تتوقف ، وأن أحداثاً مهمة لن تحصل ، وإنما إن ذلك يعني ، أنه لن تكون هناك إمكانية للتقدم في تطور المؤسسات الرئيسية والمبادئ المتعلقة بها، لأن كل المسائل الكبرى سيكون قد تم حلها ) إما عبارة الإنسان الأخير فتعني : ( الإنسان الذي سيحيا داخل هذا النظام المجتمعي السياسي و يستفيد منه كأسمى تطور ويدفعه إلى تطورات أخرى أسمى مما هو عليه.

حيث سيتعرف هذا الإنسان الأخير على سعادته في هذا النظام المجتمعي السياسي ويجد نفسه لذلك مستجيباً للرغبة في تطوره. ) على حد تعبير محمد وقيدي . وبناء على ذلك فان أي تطور لن يحدث خارج إطار تلك الصورة التاريخية المتقدمة لتوافر كافة مستلزمات النجاح والإمكانات الكفيلة بالتطور ، وتصبح كل نظرة إلى الوراء ردة محفوفة بالفشل والانحطاط .

على هذا القياس ، ومن باب تبيئة المفاهيم وتشغيلها ضمن سياقات أخرى ، مغايرة في التفاصيل ومتشابهة في الإطار ، يمكننا وصف قصيدة النثر ، بأنها تمثل نهاية التاريخ شعرياً ، وبان شاعرها هو الشاعر الأخير ، وذلك للصراع المرير الذي خاضته قصيدة النثر للتخلص من القيود والمهيمنات الخارجية سواء على صعيد الشكل متمثلاً بالوزن والقافية بالنسبة للقصيدة العمودية أم التفعيلة بالنسبة للشعر الحر أو على صعيد المضامين ممثلة بالأغراض الشعرية التقليدية وخصوصاً المناسباتية بصيغها المعروفة ، وتجييرها لصالح أهداف وأغراض المؤسسات والأنظمة السلطوية كما هو معروف في شعر المديح والتعبئة بحماسته واستثارته للمشاعر والعواطف بعيداً عن أي عقلانية في الأغلب الأعم .

فقد حوربت قصيدة النثر من قبل دعاة القومية وحراس الهويات من شوفينيين وأصوليين وشموليين باعتبارها من وجهة نظرهم ، جنساً أدبياً دخيلاً على الثقافة العربية يحمل بصمات الآخر ومحمولاته الأيديولوجية فمن تلك المحمولات ثمة خصيصة جدلية تنطلق من بنية قصيدة النثر ذاتها ونعني مركب ( قصيدة ـ نثر ) : ( فمصطلح قصيدة يعني البناء والتنظيم، ومصطلح نثر يعني الهدم والاسترسال في الكلام دون اعتبار لأي بناء فني.

من هنا، ففي كل قصيدة نثر قوتان: قوة فوضوية هدامة تعمل على نفي الأشكال القائمة وتخطيها، وقوة منظمة تنزع إلى بناء كل شعري؛ فالبعد النثري تمرد ضد كل الأشكال، والبعد الشعري سعي إلى البناء ) وهذا مايتعارض تماماً مع العقول الدوغمائية بأصوليتها ، وانغلاقها ، ونفورها من هكذا علاقة مركبة جدلية الطابع ، تعتبر خروجاً سافراً على النص بوصفها المرجع والقاعدة .

وبرفضها للقيود والاملاءات والسكونية والامتثال ، فهي تنزع وبقوة للفرادة والحرية : ( ففرادة قصيدة النثر ـ كما يشير عبده وازن ـ ، تكمن في أنها نشأت من رفض الثبات في الأنواع، وقد رفضت هي نفسها أن تُحدّد أو أن تتميز كنوع جديد. هذا ما يؤكده تعدد الأشكال فيها، وغياب الإكراه أو الإرغام الذي يمارسه المضمون عادة أو الأسلوب. إنها قصيدة الحرية والخلق الذي لا حدّ له.

وفي هذا المعنى ليست قصيدة النثر نوعاً إضافياً يضاف إلى سائر الأنواع، إنها كينونة أساسية في الشعر الحديث. وقد علمتنا هذه القصيدة إن الكتابة الشعرية حرة ، ويجب عليها أن تكتشف كل مرة. إنها القصيدة المغامِرة، القصيدة التي لا تستسلم لأي يقين، القصيدة التي تشكّك في العالم مقدار شكها في نفسها. وجدت قصيدة النثر لتكون نقيض اليقين، أي لتكون قصيدة الاختبار الذي لا حدود له.

إنها قصيدة القلق، قصيدة التمرد الدائم، قصيدة الاكتشاف الدائم. إنها القصيدة الأكثر حرية، القصيدة الأكثر استحقاقاً للحرية. إنها الصيغة الشعرية الفردية أو الشخصية التي تظل تعصى على أي تحديد نهائي ). وما يجعلها حوارية متجددة ، وذات مرونة قرائية أي امتلاك القابلية على تكشف الدلالات والمعاني مع كل زيارة لعوالمها ، هي سمة المجانية التي تعني تحديداً : ( اللازمنية ، أي يكون اللفظ ـ أو بشكل أدق محمول اللفظ ـ غير محدد بزمن معين ، فالدلالة متغيرة ، حسب السياق والرؤية والتركيب ، وتكون ذات دلالة مفتوحة ، يمكن أن تفهم على مستويات عدة ) .

كل هذه الخصائص والسمات تتقاطع وأنظمة الخطاب العربي الرسمي بدعاماته التراثية الصلبة وأنساقه الثقافية المتحكمة ، وينطبق الأمر ذاته على الأغلبية الساحقة من الجمهور بوعيه المتدني ، وذائقته التي لاتزال محكومة ومبهورة بالنسق الصوتي والخطاب المنفعل والحضور الشكلي ، والترنح طرباً على إيقاعات التخت الشرقي بالاته المحدودة وفقر قيمته الموسيقية .

إما على المستوى التقني فان الاقتصاد اللغوي الذي تمتاز به قصيدة النثر لم يأت اعتباطاً أو لمجرد تغيير تقني بحت ، بقدر ماكان ضرورة لمواكبة سرعة العصر الحديث ، من خلال تقنين الوقت واختزال مسافات التلقي ، وتقديم نص رشيق متماسك ، قائم على نظام معين ، حيث يعتبر النظام شرطاً أساسياً من شروط حداثة النص ، وبلوغه المرتبة الحضارية الرفيعة وذلك من خلال تميز هذه القصيدة بسمة العضوية : ( فقصيدة النثر بناء يصدر عن إرادة واعية، وليس مجرد مادة متراكمة تراكماً غفلاً، إنها كل غير قابل للتجزيء أو الحذف أو التقديم أو التأخير بين مكوناته . ) بالإضافة إلى سمتي الكثافة والتركيز للحد من الاسترسال والإطناب والترهل كما هو الحال في القصيدة العمودية ببيت قصيدها الذي يعتبر المحطة الشعرية، بينما البقية مجرد حشو وتأثيث فائض عن الحاجة،.

 

إن إثبات قصيدة النثر لوجودها لم يكن يسيراً كما أسلفنا ، ومن باب الاستدراك نذكر بأنه قد جرت محاولات تنافسية كيدية للحد من رسوخها وانتشارها ووجودها الفاعل ، إذ انبثقت على يد بعض الشعراء مايسمى بقصيدة الشعر وهي محاولة تحديثية تركز بشكل أساسي على الجانب الجمالي / المهاري في تشكيل الصورة والوصول بها إلى أقصى درجات القوة والإبهار ، لكن هذه المحاولة وبحكم جزئيتها وهيمنة نزوعها الجمالي ، لم تشكل ظاهرة تضاهي قصيدة النثر ، فقد باتت مقتصرة على بضعة شعراء وحيز ضيق من المستقبلين ، وتكمن حسنة تلك المحاولة في تحويل البعض من شعرائها إلى عرفاء حفل بارعين ومقدمي برامج ناجحين ، والبعض الآخر إلى شعراء تحت الطلب .

كما جرت محاولات أخرى لتشويهها تحت غطاء التطوير ، كما هو الحال تحت مسمى النص المفتوح الذي لايعدو أن يكون سوى نسخة متطرفة من القصيدة الفوضوية بتداعياتها اللاشعورية ، وهذياناتها وتفككها ومجانيتها وأساطيرها ، وضميرها الفارغ تماما من أي شعور بالمسؤولية والواجب تجاه مايدور على ارض الواقع بالفعل ، مأخوذة بالطوباويات والمثاليات وأحدوثة الشاعر النبي / الرائي بشطحاته ومخياله العدمي ، الذي يعتبره الشاعر خزعل الماجدي الشاعر الحقيقي حيث يقول : ( الشاعر الحقيقي هو وحده الذي يصل إلى آخر الطريق مثل نبيّ أو عّراف . )

وليبعده عن المشاركة الفعلية في الحياة والظهور الثقافي يقول : ( ظهور الأجيال الأدبية يخضع لظروف سياسية واجتماعية وظهور شاعر فريد يخضع لمخاض روحي خاص ) بل إن الماجدي يذهب بعيدا في رؤيته اللاواقعية وتصوراته المثالية عندما يجرد الشعر من التحضر والتقنية بوصفها حيازة للمهارة والخبرة والنظام ، بالعودة إلى الطبيعة والتوحش والهمجية تحت ذريعة الطهارة والبكورية ، مع تلك النزعة الاقصائية للأدب بشكل إطلاقي حيث يقول : ( الشعر كائن بدائي متوحش إلى حدّ كبير يبدو وكأنه ولد للتو، وهو يمثل طهر الطبيعة وبكوريتها لأنه متمرد على الأعراف ، ولأنه محبّ للحرية في أقصى أشكالها . الأدب يختلف عن ذلك تماماً فهو نتاج المجتمع أولاً ثم نتاج الثقافة التي طوّرها هذا المجتمع وأشرفت على تهذيبه ، إنه وليد النظام والخبرة ولذلك تدخل الصناعة فيه كعامل أساس بينما ينفر الشعر من الصناعة بسبب بكوريته . الأدب ، عادة ، متصالح مع الثقافة والمجتمع ، بينما الشعر مضادٌ للثقافة والمجتمع لأنه يهدد أنظمتها )

وبدلاً من أن يكون الشعر ذلك ( الجميل الدال المتحضر ) يحلو للماجدي أن يصفه في كتابه العقل الشعري ، بـ ( الغامض الجميل ) .

ترى كيف يمكن لهذا البدائي / الغامض / المتوحش / الهمجي ، الذي يفتقر إلى الخبرة والمهارة والمشاركة الفعلية في الحياة أن يهدد الأنظمة ؟

بأي سلاح يهدد هكذا شعر ؟

بسيوفه المصنوعة من ضباب الخليقة الأولى ؟

بعرباته المحلقة بين نجوم السماء ؟

أم بحيّاته المنزوعة الأنياب وسلالمه العاطلة ؟

إن كل ذلك دعوة سافرة للانحراف بالشعر ، وبالتحديد قصيدة النثر عن مسارها الإنساني المتحضر ، ومشاركتها الوجدانية ـ على أقل تقدير ـ في إثارة الأسئلة المتعلقة بالحياة كما ينبغي أن تعاش وفقا للتجربة الملموسة ، بلا روحانيات مخدرة وتخيلات مستحيلة ورؤى طفولية وشطحات لاتليق إلا بالشعراء المجنحين ودعاة الأفكار الأثيرية ، فما ينفع الناس يمكث في الأرض وذلك هدف وقضية الشاعر الأخير وقصيدته التي وصلت خط النهاية الشعري بامتياز.”

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

*