أنا مثقف الأهواز
الرئيسية » القسم الأجتماعي » مقالات عربیة » لماذا تتعثر محاولات الإصلاح والتجديد في الخطاب الديني / أيمن عامر

لماذا تتعثر محاولات الإصلاح والتجديد في الخطاب الديني / أيمن عامر

 

ثمة مجموعة من العوامل تتسبب في عرقلة محاولات الإصلاح والتجديد الديني، ومن ثم تعوق مسيرة النهوض وتجعلنا نراوح مكاننا دائماً في ذيل دول الدنيا على مستويات عدة. وهذه المجموعة من العوامل يمكن أن تنقسم إلى قسمين كبيرين: قسم يرجع إلى ظروف اجتماعية واقتصادية وسياسية تحول دون تهيئة المناخ لتؤتي بذور الإصلاح ثمارها وتفعل فعلها، وقسم ثان يرجع إلى طبيعة الدين الإسلامي نفسه التي تحارب التغيير وتنتصر للثبات وتقديس الماضي إلى أبعد الحدود.
أما عن العوامل التاريخية والسياسية والاقتصادية التي تضافرت لتساهم في تكلس الواقع وتدمغه بالجهل والتخلف والفقر، فمنها أن المنطقة تعاني من أنظمة قمعية تهتم لمنافعها وثباتها واستمرارها على حساب ترقية المواطنين وتمتعهم بما يستحقون من حرية وعدالة ولا نقول رخاء، لأن الرخاء تابع لاحق بالحرية والعدالة والتقدم، وإذا ما توافرت العدالة والمعيشة الإنسانية المعقولة ولم يتوافر الرخاء فلن يشعر الناس بالسخط. إن ما يحقق نفوس الناس ويغضبهم هو شعورهم بالظلم وبخس حقوقهم ومعيشتهم في فقر مدقع مع رؤيتهم غيرهم يرفل في النعيم وشعورهم، بل يقينهم، بأن هناك فئة قليلة تحافظ على هذا الوضع من أجل مكاسبها الخاصة، دون أن يهمهم أمر مجتمعاتهم في شيء.
وطبيعي في بلدان تحكمها أنظمة كهذه أن ترى تفاوتاً طبقياً مخيفاً يصل إلى حد وجود أقلية تحكم وتملك وأغلبية لا تحظى من المشاركة السياسية والاقتصادية إلا بالفتات، مما يؤجج الغضب الذي لا يجد رداً إلا مزيداً من القمع والقهر والاستئثار بالسلطة والحفاظ على الوضع القائم الذي يكون أهم ملامحه الفشل والإخفاق وشتى مظاهر التخلف من فقر ومرض وجهل.
ولأن الأنظمة المستبدة لا يشغلها إلا الحفاظ على مقاعدها وبقائها في الأعلى بعيداً عما تعانيه الأغلبية، وإلا أصبحت مثلهم تعاني ما يعانون من فقر وضنك مظلم، فإنها تتحول إلى أنظمة بوليسية قمعية يلتف حولها مجموعة من المستفيدين المنتفعين سواء كانوا من النخب الاقتصادية التي تستثمر الوضع القائم في مراكمة ثرواتها وخزن منتوج عملهم بل ومص دمائهم، أو كانوا طبقة من نخبة المثقفين ورجال الدين المنتفعين أيضاً، وهؤلاء يكون عملهم دعم السلطة القائمة والترويج لها بالباطل أكثر من الحق. وهذا الثالوث المخيف (رجال الحكم، ورجال المال، ورجال الثقافة والدين) هو الوحيد المستفيد من الوضع القائم، ولهذا يسعون جاهدين للإبقاء عليه.
وطبعاً لا يمنع ذلك من رفع لافتات عن الإصلاح والسعي نحو إشاعة الحرية والديمقراطية، ونشر العلم والمعرفة والسعي في طريق العدالة وتوفير فرص الحياة الكريمة للجميع. إلا أن كل ذلك يكون من باب ذرّ الرماد في العيون وإبراء الذمة لا غير.. بل إنه لو استطاع بعض المخلصين النفاد من السياج المحكم حول هذا الثالوث الرهيب، وأراد العمل على إشاعة الحرية والتغيير والإصلاح الحقيقي لا يكون جزاؤه إلا التضييق عليه ومحاربته وتشويهه واتهامه بشتى التهم المتنوعة التي لا تنتهي مثل الفوضى والعمالة وتهديد أمن الوطن واستقراره. ومن ثم يكون مصير هذه المحاولات هو الإخفاق، بل وتسعى هذه النخب إلى حشد الناس ضد أولئك المصلحين وتصويرهم في صورة الأعداء الذين ينبغي القضاء عليهم.
ومن ثم، وبقليل من التأمل في التاريخ القريب، لا نجد مُصلحاً أو مجدداً إلا وتعرّض للتنكيل والبطش حتى يكون مصيره النفي أو السجن أو الطرد حتى يموت أو يموت ذكره وتذهب محاولاته أدراج الرياح.
ومنذ استفاقة المنطقة وشعوبها على صدمة التخلف التي كشفها صراعنا مع الغرب المتقدم الذي اشتدت قوته وبطشه منذ عصر النهضة في أوروبا ونحن نعانى رجّة عنيفة وحالة من انعدام التوازن تجعلنا نفقد التمييز والحكم الصحيح.
منذ ذلك الوقت انتبه المصلحون إلى ما نحن فيه من وضع بئيس، فحاول بعضهم شحذ الهمم وتبصير الناس بخطورة الوضع. ومن سوء الحظ أن نهضة الغرب جاءت مصحوبة بصراع عنيف بيننا وبينهم، وجعلنا ذلك في حالة مواجهة لا تهدأ.
وكانت لهذه المواجهة تبعاتها الثقافية والنفسية الخطيرة، ها نحن أمامهم وجهاً لوجه، نرى تفوقهم الحربي والعلمي والاقتصادي علينا، ولا نملك لبطشهم واحتلالهم أرضنا دفعاً. وانقسم المصلحون ومعهم عامة الناس إلى فريقين: فريق يرى أنه لابد من الاستفادة مما عندهم ولو كانوا أعداءنا، إذ لا نهوض لنا إلا بما نهضوا به من الأخذ بوسائل العلم والنهضة الصناعية الحديثة بما في ذلك ما يسيرون عليه من قيم سياسية واجتماعية.. وفريق ثان يرى أن الحل هو أن نعتصم بهويتنا وتراثنا وحضارتنا حتى نستعيد أمجادنا القديمة ونستطيع مواجهتهم.. ولا يزال هذا الانقسام قائماً لا يجد حلاً.
ومشكلة الطرف الثاني من المعادلة أنه يريد أن ينال ثمرات التقدم دون أن يدفع الثمن ودون أن يأخذ بالوسائل التي أدت إلى هذا التقدم.. ودون أن يعي أن ما يعيشه الغرب من حضارة وازدهار هو نتيجة مجموعة عوامل لا تنفصل من بينها تغير قيم المجتمع الاقتصادية والسياسية والاجتماعية.
لا إمكان للعدالة إلا بدولة القانون الذي يقف الجميع أمامه سواء، ولا حرية بغير تحطيم القيود وإطلاق إمكانات العقل والحرية الفردية إلى أقصى مداها، ولا تقدم في مجالات الاقتصاد والصناعة والتكنولوجيا إلا عن طريق العلم والبحث دون قيد أو حاجز، ولا مخرج من ظلام العصور الوسطى إلا عن طريق الأخذ بقيم الحداثة والعلمانية وفصل الدين عن الدولة.
أوروبا لم تتقدم لأنها مسيحية بل لأنها علمانية، ولم تتقدم لأنها تعمل وفق كتاب مقدس بل لأنها أطلقت إمكانيات العقل وسمحت بالحوار المفتوح في كل شيء، ولم تتمتع بالعدالة لأنها مؤمنة بالدين عميقة الإيمان وإنما لأنها اقتنعت بأهمية تداول السلطة والفصل بين السلطات ومراقبة إحداها الأخرى.. وهذا ما فشلنا في العمل به، بل رفضنا الأخذ به.
ومع أن محمد علي حاول بناء دولة حديثة، فإنه قد أخذ بأحد أجنحة المعادلة، أعنى التصنيع وبناء جيش قوي، ورفض باقي الأجنحة مثل إشاعة الحرية والعلم والمعرفة وتداول السلطة، بل كان سبيله أن احتكر كل شيء، فكان حاكم البلاد ومالكها في نفس الوقت.
ولقد مررنا بتجربة ليبرالية قصيرة إبان ثورة 1919 وما حولها، كان عندنا مناخ موات فيه دستور وبرلمان وحكومة، كان ثم تداول للسلطة ومراقبة وترقية لشتى مناحي الحياة، إلا أنها مع الأسف كانت تجربة قصيرة أُجهضت سريعاً.
وما هي إلا سنوات معدودات حتى أصاب الفساد الحياة الحزبية، كما شلها ملك يريد أن يستأثر بالحكم كان بإمكانه حل البرلمان وتعطيل عمل الحكومة.. إلى أن جاءت حركة الضباط الأحرار فألغت الحياة الحزبية واستأثرت بالحكم، فكان القمع والقهر واكتناز السلطة والثروة. وتراجعت النهضة بشكل مخيّب للآمال.
وها هنا كان الطرف الثاني مستعداً ولسان حاله يقول: ألم نقل لكم؟ ها أنتم قد رأيتم بأنفسكم أنه لا حل إلا بالرجوع إلى حضارتنا وقيمنا الموروثة.. لا حل إلا الإسلام.
وكانت النتيجة أن ارتفعت أصوات الإسلاميين الذين يؤمنون بأننا والغرب طرفا نقيض لا يجتمعان، وأنه لا مخرج لهذه الأمة إلا بالرجوع إلى دينها الحق، ليس عليها إلا الاستسلام لأمر ربما حتى يعزها الله فتتقدم وتنتصر.
وها هنا نعود إلى المجموعة الثانية من عوامل فشل الإصلاح والتجديد التي أشرنا إليها في مطلع هذا المقال والتي ترجع إلى طبيعة الدين الإسلامي نفسه، على الأقل في فهم أتباعه.
الدين الإسلامي، في تصور المؤمنين به، أيديولوجيا كاملة مغلقة لا تحتاج شيئاً من خارجها ولا تحتاج إعمال العقل إلا في إطار فهم مقاصد الدين وإلا تحول الأمر عداء صارخاً بين أوامر الإله وبين رغبات البشر وأهوائهم، وحينها تكون الحرب التي لا هوادة فيها.
إنه دين كامل مقدس شامل لشتى مناحي الحياة لا يقتصر على ترقية الإنسان روحياً وتقويم أخلاقه، وإنما هو منهج حياة شامل يلف مناشط الإنسان اليومية في سائر أمور حياته، اقتصادياً وسياسياً واجتماعياً.
إنه خاتم رسالات السماء لأهل الأرض، وما على الناس إلا تطبيقه والتزام أوامره ونواهيه حتى تكتمل للناس السعادة وتكون لهم الغلبة والعزة والكرامة وحتى ينالوا رضا الله في الدنيا والآخرة.
إنه الدين الذي لم يترك تفصيلة للحياة إلا وكان له فيها توجيه.. دين لا يترك الإنسان يغفل عنه لحظة من لحظات حياته، وما عمل الإنسان فيه إلا البحث عن مراد الله. ومراد الله واضح في كتابه وفى سنة رسوله، وفى تاريخ الدين الإسلامي نفسه.
إنه صندوق فيه شتى المفاتيح التي يحتاجها الإنسان لإصلاح حياته، وما عليه إلا أن يختار من هذا الصندوق ما يحتاج إليه شريطة أن يختار الحل المناسب أو المفتاح الصحيح للمشكلة التي تواجهه.
وأمام هذه الحالة من الاكتمال لا يكون ثم حديث عن التجديد والإصلاح تجديد.. ماذا؟ الدين؟ حاشا لله.. تجديد فهم الدين؟ عندنا الفهم الصحيح ممثلاً في سنة رسول الله وخلفائه.
ها هي أصول الدين ومقاصده من عقيدة وشريعة ومعاملات وعبادات كاملة متكاملة ليس علينا إلا تطبيقها فقط.. وأي محاولات فارغة للتجديد لن يكون لها من معنى سوى الرغبة في المروق من هذا الدين ومخالفة تعاليم القرآن وسنة النبي واتّباع الهوى والابتداع المنهيّ عنه في الدين، وما ذلك إلا فتنة يفتتن بها ذوو النفوس الضعيفة والإيمان الواهي الرقيق، إن بقي ثمة إيمان أصلاً في هذه الحالة!!
ومن ثم فليس ما يعانيه المسلمون من ذل وصغار وضعف وهوان وتخلف إلا نتيجة منطقية للتخلي عن هذا الدين والابتعاد عن تعاليمه السماوية المقدسة.
لا مكان للاجتهاد إذن إلا من داخل سياقات الدين نفسه بنصوصه المقدسة وتاريخه المعروف. وإذا كانت ثم هنات أو أخطاء فهي أخطاء البشر بالطبع لا أخطاء المنهج الشامل، وما كان ذلك ليحدث إلا نتيجة الابتعاد عن الدين في صفائه وشموله أيضاً.
ومن ثم لا يرى المتدين الملتزم «الإسلامي» أنه في حاجة لاقتباس شيء من النظم شرقية كانت أو غربية، بل يرى ذلك مهدداً لصفاء عقيدته ونقاء دينه.
ومن هنا كانت تلك الحالة العصبية في رفض شتى المذاهب السياسية الغربية والشرقية وكتابة المجلدات في نقضها ورفضها بوصفها معادية لدين الله، بل ومعادية للإنسان في الأساس.
وفى هذا السياق لا إمكان لفهم التجديد إلا على اعتبار أنه عودة للدين في نقائه وصفائه الأول، كما أراده الله وكما طبقه النبي في سنته الغرّاء.
ومن ثم يجعل المسلمون، وعلى رأسهم المصلحون والمجددون، الإسلام في صورته الكاملة عقدياً واجتماعياً وسياسياً واقتصادياً هو المعيار الذي يقاس به أي اجتهاد مزعوم.
وهنا تبرز إشكالية كبرى، إذ تكون الغلبة دائماً للأكثر إخلاصاً، بل للأكثر تشدداً في أمر دينه بوصفه الأكثر اتساقاً مع نفسه والتزاماً بتعاليم دينه، ولا تلبث هذه الإشكالية أن تتفرّع وتتوالد فينقسم المسلمون شيعاً وطوائف وأحزاباً تتفق جميعاً في رفض أي اجتهاد خارجي، كما تتنافس جميعاً في رفض كل منها للآخر وادعاء كل منها أنه الأقرب لجوهر الدين وفهم مراميه، ومن ثم تنشأ النزاعات والصراعات التي تشغلهم بمحاربة أنفسهم دون البحث في مشاكلهم الحقيقية وأسباب تخلفهم الواضحة.
وعليك أن ترى مصداق قولنا في كتابات المفكرين الإسلاميين والمصلحين المجددين، ولن ترى فارقاً بين أحد منهم والآخر إلا في الدرجة والمقدار وليس في النوع.
وإذا كنا سنتكلم عن الحرية الفردية أو السياسة أو الاقتصاد أو الاجتماع فسرعان ما يبرز لنا من يفنّد أفكارنا رافضاً لها جاهزاً بالرد من مدوَّنة الدين سواء في نصوصه المؤسسة أو أفكار الفقهاء والعلماء أو التاريخ المسطور لنرتد على أعقابنا وننشغل في صراعات إطلاق أحكام القيمة والتصويب والتخطئة.
وتعال معي للأسئلة الكبرى:
– هل يقبل الإسلام الديمقراطية؟
– ما مكانة الحرية الفردية في الإسلام؟
– ما موقف الدين من الرأسمالية؟
– ما القول في تداول السلطة؟
– هل يتنافى وجود الأحزاب والبرلمان مع ما يرتئيه الدين الإسلامي؟
– وماذا عن القانون المدني الحديث؟
والإجابات معروفة:
– ما الحاجة للديمقراطية وعندنا نظام الشورى الذي تغفل البشرية عنه وقد هدانا إليه هدى الله وهدى رسوله.
– ولا حرية فردية في الإسلام إلا بما يوافق شرع الله الواضح.
– والرأسمالية سوءاتها معروفة يرفضها الإسلام.
– ولا حاجة لتداول السلطة وعندنا الخليفة وأهل الحل والعقد بما يغنينا عن الأحزاب والبرلمان.
– أما القانون المدني الحديث فهو درجة من درجات الشرك، إذ إنه يسند التشريع لغير الله ويكاد ذلك يخرجنا من الملة.
وهكذا نجد أنفسنا في دائرة مغلقة لا خروج منها إلا بصعوبة.
نحتاج إلى شجاعة بالغة لمواجهة أوضاعنا المتردية لنشر مناخ الحرية وجعلها أمراً مقدساً لا يجوز المساس به، وذلك من أجل إطلاق قدرات الإنسان وإمكاناته خدمة لنفسه ولمجتمعه.
ونحتاج إلى قوانين حديثة مفعّلة ودستور ملزم للجميع يقف المواطنون أمامه على حد سواء.. ويقف من الجميع على مسافة واحدة.
ونحتاج أن نقتبس أساسات العلم والتكنولوجيا حيث نجدها دون رهبة أو خوف من مخالفة معتقداتنا، لأننا إذا أغفلناها سنخسرها ونخسر معها إيماننا.

لا مخرج إلا بفهم جديد لمسألة خاتمة الرسالات، بمعنى أن ذلك يُعد إيذانا بإغلاق باب تحكم النص في الناس وفتح الباب للعقل الإنساني ليعمل بكل طاقته. والإيمان بأن النص الديني مقدس محفوظ كان مناسباً للعصر الذي وُجد فيه.. ولكل عصر كلام، ولكل عصر عقل، ولن يكف إعمال العقل ما دامت مسيرة الإنسان دائبة لا تنتهي ولا تتوقف.

[/dropcap]

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

*