أنا مثقف الأهواز
الرئيسية » القسم الأدبي » قصص قصیره » الخاویة/أيمن العتوم

الخاویة/أيمن العتوم

  • بقلم: أيمن العتوم
    الاردن – ۲۰۱۶

وصل إلى الشّجرة، كانتْ عتيقةً إلى الحدّ الّذي شهدتْ فيه أكثر من عشرين حربًا في عشرة قرون وما زالتْ صامِدة، يبدو أنّها تحبّ الحياةَ كثيرًا، تساءل. اضطجع تحتها، ومن خلال فجوات غُصونها بدا القمر باسِمًا، والهواء عليلاً، والأرض من تحته طريّة، همس لنفسه: “ظروفٌ للموت لا تتوافر لأحد… ما أجمل طقوسي!”. سحبَ باغة الطّلقات، صارت الطّلقة في المخزن جاهزة، صوّب المُسدّس إلى رأسه ويده على الزّناد، لكنّه توقّفَ فجأةً عن أنْ يُتمّ مهمّته، لم يكنْ يريدُ للمشهد أنْ يكون بهذا الجَمال؛ “إنّني لا أستحقّه”. نهضَ من تحتِ الشّجرة، أكمل طريقه صعودًا باتّجاه قمّة التّلّة، على سفحٍ منسيٍّ منها بدا باب الكهف الّذي اختبأ فيه ذات مرّة يدعوه إليه من جديدٍ، مشى خطواته الأخيرة إليه، دخله، شمّ رائحة الرّطوبة والعفن، وتاريخًا من الذّكريات اليائسة، سمع رفرفة وطواط، قالتْ له الرّفرفة: “إنّها النّهاية”. تمدّد في قلبه، نظر إلى أعلى، اصطدم نظره بسقف الكهف الّذي تسبح فيه العناكب والحشرات، هتف: “هذا يليقُ بي أكثر، لم أكنْ يومًا شريفًا بالقدْر الّذي يُعينني على أنْ يكون القمر آخرَ ما أراه قبل أنْ أودّع هذه الفانية”. استعدّ من جديدٍ للخطوات الّتي تدرّب عليها كثيرًا من قبلُ، ركز فوهة المُسدّس على رأسه، قال بصوتٍ خفيضٍ لا يكادُ يُسمَع: “سامحيني يا…” ولم تُمهله الرّصاصة لكي يكمل!!
بعد عام مرّ به رتلٌ عسكريّ كان قد حوّل مزارع القمح إلى مزارع للحشيش، رأوه مُسجّىً على هيئته، وقد أصبح هيكلاً عظميّا، كان الهيكل سليمًا تمامًا باستثناء فجوة صغيرةٍ في الجمجمة من الجهة اليُمنى شكلتْ ثُقبًا لم يستطع الموت أنْ يُخفيه!!

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

*