أنا مثقف الأهواز
الرئيسية » تطوير الذات » أعماق الكون \د.أحمد عثمان

أعماق الكون \د.أحمد عثمان

أسرار الأعماق هي دائماً غريبة بالنسبة لنا أو شبه غريبة وجمالها ليس مجرد أشياء ظاهره ولا يكفي أن نقول شيئاً عنه, فالجمال الحقيقي يكمن في الأعماق دائماً, ولا يظهر إلا عندما نتوقف ونحن على معرفة بتنفيذ حالة الصفاء, وكيف يكون الصفاء.فعندما يكون الذهن خالٍ من الأسئلة يمكننا أن نرى الأشياء برؤية واضحة وعندما يكون الذهن صافٍ كل أبواب البصيرة تصير مفتوحة يصبح كل شيء شفافاً وهنا نستطيع أن ننظر ونغوص في الأعماق ويمكن للنظرة أن تخترق إلى العمق الأخير إلى المركز وسنشاهد جوهره وسنجد أنفسنا في كل مكان , ولو نظرنا إلى عمق أي شيء ونحن بهذه الحالة من الصفاء سنجد أنفسنا حتى في صخرة لو نظرنا إليها بالعمق , وهنا يجب أن يكون العمق الكافي حيث يصبح (المشاهد هو المشهود والناظر هو المنظور والعالم هو المعلوم)وهذا يعني إذا نظر أي فرد بعمق في شجره أو صخرة أوفي أي شيء أو في رجل أو امرأة واستمر متابعاً النظر بعمق فنجد أن تلك النظرة هي الحلقة التي تبدأ منه وتمر عبر الآخرين وتعود إليه ثانية , وتجد أن كل شيء شفاف لاشيء يمنعه لان الشعاع يذهب ليكّون حلقة حيث يعود ليقع عليه , لذلك إن أعظم شيء في التعبير والكلمات هي (الحلقة الكاملة)هذه هي الحقيقة لأن أي متعبد مع الله واحد والمطلوب والطالب واحد ويبقى هناك السائل وحده هو الجواب, وأين سيكون السؤال؟؟

الوجود لا يوجد فيه أسئلة, ومهما عشت فيه من الزمن لن تجد ولن تصادف أي سؤال أو تساؤل , ومن هنا اعلم أن الحياة لها خصوصية في الجمال, وتستطيع أن تشعر بأنه لا يوجد شكوك في الذهن ولا تحيط به الظنون , وإذا أردت انظر لنفسك لا تجد سؤال واحد داخلك أو داخل كيانك , فأنت ليس مجزأ وأنك كلي, فالنهاية هي البداية. فالجمال تجده كله في البداية وعندما تتحرك أنت تكون النهاية وتلك الحلقة هي أنت وتكون قد قررت السقوط في المحيط (الحياة)وأنت تملك حريتك لان البداية كانت بين يديك والجمال يكمن فيها وهكذا تشعر بأن سقوطك في المحيط له نشوة كبيرة وهنا لن يكون بين يديك لأن ما كان بين يديك هو بداية وقد استجمعت القوة والشجاعة وقفزت من ما كنت فيه من ركود وموت إلى ما هو كائن حي يعيش ويفرح ويرقص ويغني , ولكن هل تستطيع أن تحدد متى يأتي المحيط (الحياة) انتبه لأحد يهتم متى سيأتي , ولكن المهم أن البداية التي قمت بها كافية لتنطلق أنت وسيأتي المحيط لاحقاً ولابد من ذلك.

أنت سقطت في المحيط والسقوط في المحيط أصبح تلقائي الحدوث, أنت بدأت الرحلة فابتهج وافرح بها , إن الغد يوم بحدِ ذاته وهو نعمة وهبة وبركة كبيرة (لا تفكر) الآن أنت المحيط ماذا ستجني من السقوط في المحيط , ببساطة أدركت أن الماء في قطرة الندى أو في المحيط الكبير, وهل يختلف بين القطرة أو المحيط , إنهما من نفس الطبيعة, واعلم أن كل قطرة بداخلها ألف محيط , والمحيط تكّون من القطرة, والطالب الحقيقي لا ينشغل بالهدف ولكنه يهتم بالبداية , وأنت إن فعلت البداية الصحيحة مبروك عليك السقوط بالحياة, وعليك الاستمرار حتى يصل قاربك إلى الشاطئ الآخر مع العلم لا يوجد شاطئ آخر , فهناك شاطئ واحد والمسألة ليست هي الوصول إلى مكان آخر , ولكن المهم الصحوة وعليك الإدراك أن (الآن وهنا)هو المهم , والصحوة يجب أن تستمر دائما (هنا والآن), وأما القارب الذي ينقلك ليس من خشب أو غيره, وإنما هو صحوتك وتحولك إلى إنسان واعٍ بامتياز , إذاً أنت القارب , فعندما تنام تكون في المكان الذي تريده أو الذي قدر لك أن تكون فيه واعلم أن الإنسان بداخله الجنة إلا أن نومه العميق الذي يغط فيه يمنعه من دخولها , وبعد قليل من الزمن ستكون الأحلام هي حقيقة بالنسبة له والحقيقة الصافية تنعدم وتصير كذبة, فأنت لست بحاجة لأن تقوم بالترحال إلى أي مكان , فيكفي لأن تتأمل, فالتأمل هو وعي لحظي قد تصل به إلى كل المستقبل إلى الفضاء لكنك لم تتحرك ليكن تأملك بالصمت (الآن وهنا ) تجد نفسك بالشاطئ الآخر واعلم أن إلزام عقلك بالتوقف وعدم القيام بأي عمل هو الشاطئ الآخر أيضا, ألا تؤمن بأن العقل ذكي ومخادع كبير, فهو يحرق كل التعاليم العظيمة ويتجاوز الأقوال والكلمات ويمسك بها ويغيرها ويعطيك مفاهيم ومعان جديدة لِما أمسك به وهي بالحقيقة ليست المعاني الحقيقية .

أتعلم أنك عندما تحدثت عن الشاطئ الآخر مرة ثانية قام عقلك بالتقاط الكلمة. انتبه لنفسك، أنت أسأت الفهم كن واعياً فهذا الشاطئ وأقصد الوعي النوعي هو الشاطئ وهذه اللحظة هي الحياة الأبدية وهنا تكمن الجنة . تذكر أن الوعي ليس بحاجة إلى الوقت كي يحدث , إنه رغبة جامحة بداخلك وهناك نوعية من الرغبة شديدة قد تحولك إلى نار تحترق وتحترق معها , وخلال ذلك قديمك سيذهب ويصل جديدك على الرغم بعدم وجود القديم أصلاً فيك لكنك معتقد بوجوده داخلك , وجديدك أزلي بداخلك وأنت ناسيه, انتبه لا يوجد حقيقتان في هذا العالم بل حقيقة واحدة مُوحدة فلا تهرب من نفسك لا تذهب إلى كهف الظلام ولا لأي مكان آخر , فواجب عليك أن تكون واعياً في مكانك هنا والآن). تخيل أنك في نومك ولاوعيك تعاني من كابوس فالصحوة ستكون أسهل لكن إذا كان حلم جميل فالصحوة ستكون صعبة كثيراً, لأنك إذا كنت تحلم بأنك مع حبيبك بزيارة في البساتين فان إيقاظك صعب وقد تتحول في نظر الموقظ إلى عدو , وأما إذا كان حلمك أن هناك وحش مخيف يريد افتراسك ويقترب منك شيئاً فشيئاً وأوقظك أحدهم فتروح شاكراً له . اعلم إن كنت في كهوف بعيدة عن العالم تحلم بالله والملائكة فهذا سهل جداً, ولكن إذا كنت بين العالم المنشغل بالمال والسياسة وغير ذلك من هموم الدنيا وكوابيسها المزعجة فهنا عليك أن تكون واعيا وإذا لم تستطع أن تكون هنا والآن واعياً لم تستطع أن تكون واعياً في مكان آخر ولكن تذكر أنه لا وجود إلا لحقيقة واحده,لكننا نستطيع أن نراها بوجهين أولهما :نراها بعينين نائمتين حالمتين وعند ذلك كل ما سنراه سيكون مشوهاً. والثاني نراها بعينين يقظتين وبصيرة مفتوحة وعند ذلك ومهما رأينا ستكون الحقيقة واعلم أن الحقيقة تحرّر بحد ذاتها.

بقلم: د. أحمد عثمان

دمشق 2016

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

*