أنا مثقف الأهواز
الرئيسية » القسم الأدبي » قصص قصیره » طفل من الماضي ، شاب من الحاضر و جثة من المستقبل / علي الدورقي

طفل من الماضي ، شاب من الحاضر و جثة من المستقبل / علي الدورقي

قبل اثنا عشر جُرح كنت أسكن في قرية من قرى الفلاحيّة ، كل شيء في تلك القرية كان له نكهة خاصة به ، في صباح أول يوم من عيد الفطر كانت الأطفال أبناء العاشرة فما دون يطرقون الأبواب من أول بيت في المنطقة حتى آخره ماشين مئات الأمتار مبتهجين و فرحين مستقبلين الأجواء تلك بإبتساماتهم البسيطة و لم يكونوا هؤلاء الأطفال أيضاً من نفس الحارة أو من منطقة محددة حتى إنما إجتمعوا مخلفين ورائهم صعوبة الطريق و يد الوحش و تعويذة الساحرة و خطر عبور النهر من على جذع النخلة الميتة دون خوفاً من إنكسار أقدامهم أو أياديهم إثر السقوط أسفله ولا مياه ترفعهم ثانيةً للإقتراب ولو قليلاً من السماء ..، أتوا ينطقون كلمات الفرح و المباركة مع كل الصعوبات التي تخطوها للسكان الكرماء الذين يرحبون بهم (عيدكم مبارك .. عساكم من عواده .. كل عام و أنتم بألف خير ) ماسكين أكياسهم بأياديهم الطفولية البريئة مشكّلين قوس قزحهم الخاص و مرتلين بألسنتهم الصفراء من شدة تناولهم للزعفران آيات السرور ، بعد عامين أو ثلاثة أعوام إنقطعت هذه المعايدة الصغرى بين الأطفال و لم يعد أحد يرى أو يسمع الطَرقات الحنينة من أياديهم على أبواب المنازل الحديدية المغلقة ، الآن و بعد أعوام كثيرة على مجيئي إلى المدينة و السكن بها قبل ثلاثة أو أربعة أعوام قد شاهدت الأمر هذا يجرى بأعداد قليلة من الأطفال لا تزيد على الخمسة ما جعلني أرى بصيص الأمل من بعد الكثير من العتمة متأملاً بمستقبل كما كان لدي من ماضٍ ولكني لم أشاهده بعدها أبداً ..، ذكريات الطفولة و الماضي السعيد كلها ترجع أو تنمحي بيّد العوائل التي تكبر بها الأطفال ، إما ناضجين على موسيقى الوصال أو صراخ الفراق ..، دعونا نرى البهجة القديمة التي كنا نراها على الوجوه الصغيرة مرة أخرى ، أكثر إغتيال بشاعة ، هو إغتيال الطفولة التي لا ذنب لها .. و أشجع تضحية و وسام هو جعل طفل يبتسم ..، و خير عمل هو أن نعلم الأطفال كيف كان ماضينا و نحثهم على التراث الذي دون شك سيحفظ هويتهم و قرب قلوبهم من بعضهم البعض على مر الأعوام ..

طفل من الماضي ، شاب من الحاضر و جثة من المستقبل / علي الدورقي _ رمضان ١٤٣٧

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

*