أنا مثقف الأهواز
الرئيسية » القسم الأدبي » قصص قصیره » إنحناء الكرامة/سعاد الكعبي

إنحناء الكرامة/سعاد الكعبي

تبدو الشمس وكأنها قد فرشت جناحيها على الأرض في منتصف ذلك اليوم من أواخر الصيف. منذ نصف ساعة و”أم أمل” تجر أقدامها التعبة متجهة إلى السوق.

“أمي؛ أريد أن أعتزل المدرسة؛ المصاريف كثيرة وعليّ مساعدتك”.

لهيب صوت إبنتها “أمل” مازال يصقع إذنيها ليزيدها لوعة على حرارة الشمس.
شعرتْ بنار مشتعلة في حذائها. تعكرَ جبينها ونظرت إلى رجليها. يكاد الحذاء أن يذوب من شدة الحرارة. إنه يذكرها بأحمد. كان يبيع الأحذية الرخيصة ببسطته البسيطة وقد أعطاها هذا الحذاء قبل أن يصاب بتلك الجلطة التي وضعت فراقا أبديا بينهما. سقطت دمعة من بين تلك الدموع على الحذاء لتحمل سلام عينها إليه : “لماذا تركتني وحيدة يا “أحمد”، ما الذي أقوله لأطفالك إذا رجعتُ اليهم فارغة اليد”.
قالتها وأجهشت بالبكاء مستمرة بالمشي، تتصبب عرقا وتتذمر.وصلتْ الى السوق. بلغت الساعة الثانية مساء. هذا هو توقيت وصولها. حين يذهب بائعي الخضار ويبقى منهم ما ذخره لها الفقر. فتحت كيسها الفارغ. تمشي بهدوء محدقة إلى الأرض. بندقية روحها تطلق رصاص الكلمات واللعنات لتمزق عروش الظالمين. نظرَت إلى الأرض بدقة باحثة عن أمل عله يقضي على إنتظار أطفالها.
الجوع، ذلك الكافر القاتل قد إستوطن أضلاعها الرصينة وأنهك كل غرورها لتلتقط وتجمع فضلات الخضار من على أرض تبعث رائحة النفط والغاز لتعطير بيوت المستوطنين بورود الرفاهية، فيطيب لهم البقاء والإنتفاع . ترى هل هي مغامرة كونية أحكيت بيد الظلام؟
بَدَأتْ تنحني وبين تنهيدة وأخرى تلملم شظايا حلمها الضائع في ذلك الكيس. يتزلج عرق الجبين إلى عينيها. “ما هذا الحظ السيء.”
ثمة بصل وطماطم على الأرض.
“آه؛ هنالك واحدة أخرى”
هرعت نحوها فوجدتها مدعوسة. مازال صوت “أمل” يرافقها: “… أريد أن أعتزل المدرسة لمساعدتك”.
تنحني للمزابل و في كل إنحناء لها ينكسر و يسقط غصن من أغصان شجرة كبرياءها العربي.
و في الإنحناء الأخير، إهتزت الأرض وسقطت كرامة خير أمة أخرجت للناس، فذابت هذه الكرامة في أرض الأهواز.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

*