أنا مثقف الأهواز

دبكــة

مضر العباس/كاتب سوري

—————————–
في شارع شعبي .. مر أبو جابر ذات يوم ..
كان قد خرج لتوه من المصرف الزراعي بمبلغ لابأس به هو قطاف تعبه وعائلته ..
يوم انتظره أبو جابر وزوجته وبناته شهوراً ..
أقسمت أم جابر أنها ستقيم وليمة في هذا اليوم ..
سوف تذبح دجاجاتها الست .. وستقام وليمة على شرف هذا اليوم العظيم ..

أبو جابر الغني مؤقتاً .. يمشي الخيلاء في السوق .. والغبطة تفوح منه ..
يتلفت أبو جابر يميناً وشمالاً ..
لا يعرف ماذا يشتري .. فالسوق ملئ بكل جميل وجديد ..
وزوجته وبناته يحتاجون الكثير من الأشياء ..
أثناء مشيه .. ووسط زخم الباعة .. وتجار الرصيف .. زاوية مزدحمة إلى حد الجنون ..
يدفعه الفضول ليعرف سبب الإزدحام هناك ..
وبتلقائية يقف أبو جابر وسط الحشود ..
تتعالى الأصوات وسط الزحام : خمسمية , ألف , خمسة آلاف .. ألفين .. هنا ,, هناكـ !!
يدفعه الفضول مرة أخرى ليقترب أكثر .. يدافع يميناً وشمالاً ليكون في المقدمة ..
يجد نفسه وجهاً لوجه قبالة شاب في العقد الثاني من العمر ..
يجلس خلف طاولته .. واضعاً أمامه عبواته الصغيرة يحركها يميناً وشمالاً يخفي تحت إحداها خرزة صغيرة ..
ويكون الرهان على مكان الخرزة ..
وتبدأ المزايدة ويبدأ الرهان .. يربحون .. ويربحون ..
والربح مضمون للأذكياء ودقيقي الملاحظة فقط ..
الألف تربح ألفاً .. هذا شرط الرهان .. !!
فكر أبو جابر .. أنه لو راهن ببعض المال قد يزيد ماله بلمح البصر …
يحدث نفسه : مالهؤلاء .. ألا يمعنون النظر جيداً ؟؟
: إنه يحرك العبوات ببطئ شديد .. !!
: يستطيع كلنا ملاحقة العبوة المنشودة .. !!
: لن أفوت على نفسي الفرصة .. سأدخل الرهان .. سأربح الرهان ..
لن أراهن بكل مالدي ..
سوف أراهن بربع مالي .. و إن وجدت فائدة من ذلك سأراهن بالباقي ..
سوف أربح مبلغاً لا بأس به .. بل سوف أضاعف مالي .. سوف تقر عين أم جابر ..
سوف أشتري لها ثوباًجديداً .. سوف تفي حتماً بنذرها ..
سوف آخذها لسوق الطيور وأعوضها مكان دجاجاتها الست بسرب دجاج كامل ..
وستنعم بأقراطِ كانت تحلم بها منذ زواجي منها .. وحليً جديدة .. و … و .. و
وسط تلك الأفكار والأحلام .. وبتلقائية شديدة .. يخرج أبو جابر من جيبه قماشة بيضاء .. لفها بحرص حول ماله ..
إستّل أبو جابر مبلغ خمسة آلاف ليرة من المبلغ .. و وضع الرهان ..
ابتسم الشاب صاحب الطاولة في وجه أبو جابر المتحدي الجديد .. !!
حركّت العبوات حول بعضها .. وضع الرهان .. ربح أبو جابر ..
نشوة الطمع في قلبه .. دفعته ليضع المال فوق المال ..
ويربح أبو جابر مرة أخرى .. وتزداد الغبطة .. ويتزاحم الناس حول الرابح الجديد ..
خمسة آلاف .. ثم ثلاثة .. ثم يخسر .. ثم يفوز .. ويبدأ السجال ..
فوز يضاعف ماله .. ثم يخسر.. ويفوز ويخسر ..
وبين الكر والفر .. يخسر أبو جابر كل ماربح في رهانه الأخير ..
إصراره على المتابعة وغبطة الطمع فيه جعلته ينسى تعب شهوره الخمسة ..
إصراره على إستعادة ما خسر من مال أنساه تعب زوجته وبناته ..
أنساه أحلامه .. كان همه أن ينتقم لخسارته ..
يستل قماشته البيضاء مرة أخرى ويخرج منها عشرة آلاف ..
ويستمر السجال .. وفي ذروة غبطته .. وفي ذروة السجال .. خسر أبو جابر كل ماله ..
مد يده وأخرج قماشته البيضاء فوجدها بيضاء .. !!
التفت يميناً ويساراً .. ليقرأ الشفقة في عيون المتزاحمين ..
بحث مجدداً .. لم يجد سوى مئة ليرة .. لن تثير طمع سائق سيارة الأجرة اللذي سيقله لبيته على أقل حساب ..
لن يخاطر بها .. لأنه لو خسرها سيضطر للعودة مشياً على قدميه لبيته ..
سحب نفسه للخلف .. استل نفسه من بين المتزاحمين ..
مشى مبتعداً عن الزحام .. مكسوراً .. مخذولاً .. واسودّت السماء في عينيه ..

خسر أبو جابر الغبطة والفضول والخيلاء .. فكر كيف سيعوض زوجته دجاجاتها ..
وكيف سيوفي الديون .. وكيف سيتدبر أمره إلى أن يحين الموسم القادم ..!!

خسر أبو جابر كل شيء ..خسر ماله .. خسر ثقته بنفسه ..
كلام قاله لنفسه في محاولة للتبرير .. ( التجارة ربح وخسارة )
تتباطئ دقات قلبه .. ويشعر بالرود في كل أحاسيسه ..
يخرج قماشته البيضاء ( الخزينة المتنقلة ) .. يجدها فارغة ..
يمسح جبينه بقماشته ..
ويمسح بها الدمعة الخجلة اللتي تحاول الخروج من خدرها ..

يتابع أبو جابر مسيره ليمر بجانب بائع الكاسيتات اللذي اعتاد الشارع على ذوقه في الأغاني الشعبية وأغاني الدبكة .. على الرصيف القديم ..
صوت الفنان عمر سليمان (2) المشهور إقليمياً يغني بصوته المألوف جداً :
انتا تتعب وتشقى …. وغيرك يستلم الراتب ..
يسمع أبو جابر الأغنية .. يبتسم بعبرة ..
يقول في داخله المكسور : صدقت .. ويكرر ما سمع بصوت خافت ..
يجلس أبو جابر على حافة الرصيف .. يخرج القماشة البيضاء مرة أخرى ..
يمسح جبينه .. ويمسح دمعته .. يلقي نظرة عتاب في وجه الشارع .. يحاول شتم الواقع ..
يحاول إفراغ آخر شهقة في وجه مستغليه .. يحاول أن يصيح بأعلى صوته أنا مخدوع ..
يحاول الإعتذار لعائلته اللتي تنتظر عودته .. لكن قلبه توقف عن الكلام ..
ويحاول أبو جابر أن يثبت عقاله على رأسه جيداً .. خوفاً على كرامته من السقوط .. !!
وتنساب القماشة البيضاء بهدوء من بين أصابعه المتيبسة ..
ويسقط العقال من فوق رأسه ..
ويشتد الزحام حول أبو جابر .. وتستمر كلمات الأغنية تصخب في الشارع :
( إنتا تتعب وتشقى .. وغيرك يستلم الراتب )

كانت تلك آخر الكلمات اللتي سمعها أبو جابر ..

(1) كشتبان : الكشتبان هي نوع من الألعاب انتشرت في مجتمع ما .. تقوم على وضع ثلاث عبوات صغيرة أو كؤوس معدنية وإخفاء خرزة صغيرة تحت أحد الكؤوس من ثم تحرك الكؤوس حول بعضها .. الرابح هو الشخص اللذي يستطيع ملاحقة الكأس اللذي يغطي الخرزة .. كانت تستخدم هذه اللعبة في رهانات .. ويقوم صاحب الكشتبان بحركة خفية بخداع الناس .. وأخذ أموالهم ..
( 2 ) عمر سليمان : فنان سوري شعبي يغني أغاني الدبكة المنتشرة هناك .

منبع: موقع منابر الثقافی

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

*