أنا مثقف الأهواز
الرئيسية » القسم الأجتماعي » مقالات عربیة » عالم الإدمان :الطريق المفتوحة نحو الدمار، فهل يمكن التخلص منه ؟

عالم الإدمان :الطريق المفتوحة نحو الدمار، فهل يمكن التخلص منه ؟

الدكتور سامر جميل رضوان:

لا يمكن للحديث عن الإدمان أن ينتهي ويجب ألا تصيبنا القراءة حوله ومعرفة عواقبه النفسية والاجتماعية المدمرة بالملل، فهذه المشكلة القديمة قدم التاريخ الإنساني تهدد اليوم المجتمعات الإنسانية أكثر مما مضى خصوصا وأن طرق الإدمان قد تنوعت واتسعت لتشمل طائفة كبيرة من المواد غير الممنوعة قانونيا والمحرمة دينيا والتي غالبا ما يتم تناولها في البدء لأسباب علاجية بدون مراقبة طبية

تاريخ المخدرات – لعنة وبركة

عرفت المواد المخدرة  في  تأثيراتها الجسدية منذ عصور ما قبل الميلاد واستخدمت لأغراض إما طبية كمواد مسببة لحالة من النشوة، أو في الاحتفالات الدينية والطقوسية من أجل إحداث تبدلات معينة في حالة الوعي وتحقيق اتصال بالعالم العلوي للآلهة،  غير أن ما يميز هذه المرحلة هو أن استخدام المواد المسببة للإدمان كان مقتصرا على مجموعة محدودة من الأشخاص كالأطباء أو رجال الدين .

وقد ارتبط تطور الطب وعلم الصيدلة ( الأذريبادين) مع ازدياد استهلاك العقاقير وانتشارها،  حيث كانت ظواهر التسمم الحادة  أو الشفاء غير المتوقع لأمراض معينة بعد تناول  نباتات معينة الدافع وراء البحث عن الأسباب.

وفي بدايات القرن التاسع عشر تمكن العلماء من استخلاص المواد  شبه القلوية الشديدة التأثير كالمورفين في عام 1805  والكافيين في عام 1820 والكوكايين في عام 1859 في صورة مركبات  مركزة من مواد طبيعية معروفة .

ومع التقدم الصناعي والإنتاج الضخم للأدوية الطبية  والعقاقير  أخذت إشكالية المخدرات تأخذ درجة نوعية أخرى لم تكن معروفة في السابق، حيث تحول الاستهلاك العالمي للمواد المخدرة إلى خطر صحي واجتماعي يهدد كيان واستقرار المجتمعات الإنسانية كافة. ففي بادئ الأمر لم تكن هناك ضوابط حول استهلاك هذه المواد،  فقد كان لأفيون مثلا يوصف  في الحرب العالمية الأولى  كمسكن ألم قبل أن يدرك المخاطر الكامنة وراء هذا.وشيئا فشيئا بدأ العالم يدرك مخاطر هذه المواد ووقعت اتفاقيات في الأمم المتحدة في عامي 1961 حول المواد المسببة للإدمان و في عام 1971 حول المواد المؤثرة نفسيا. وفي الثمانينيات من هذا القرن ظهرت في الأسواق  الأمريكية مواد تركيبية مصنعة كيماويا  سرعان ما انتشرت في أوروبا والعالم .

ما المقصود بالمواد المسببة للإدمان؟

تشترك جميع أنواع العقاقير المسببة للإدمان بأنها  تسبب في حالة سوء الاستخدام  في المجالات الجسدية والنفسية والاجتماعية  تبدلات عميقة في شخصية المستهلك وفي علاقاته بالمحيط الاجتماعي . وليست المواد المسببة للإدمان هي المواد الممنوعة قانونيا فقط كالحشيش والهيروين والكوكائين…الخ ، فالنيكوتين والأدوية  والكحول عبارة عن عقاقير أو مواد مسببة للإدمان  أيضا والتي يزداد سوء استخدامها للأسف يوما بعد يوم. وهي  تمتلك عند سوء استخدامها تأثيرات مدمرة تشبه تأثيرات المخدرات أو المواد غير القانونية. وللأسف ما تزال غالبية الناس تجهل هذا الخطر وتقلل من أهميته.  فما هو المقصود بالتحديد بالمواد المسببة للإدمان ؟

العقاقير المسببة للإدمان هي مواد تدخل في العمليات  الحيوية الطبيعية في الجسد فتغير من حالة  المشاعر والإدراك والمزاج.

ولو حاولنا تعريف الإدمان لوجدنا أنه  لا يوجد في الواقع تعريف محدد مقبول للإدمان ، غير أنه يمكن القول أن الإدمان عبارة عن تعلق مرضي وقسري بمواد مسببة للتعلق،   والطلب  أو الاحتياج الذي يتجدد باستمرار لتناول هذه المادة من أجل تحقيق حالة من المشاعر المزاجية  أو لتجنب حالة من المشاعر المزعجة .وتظهر هذه الحالة  بعد مرحلة طويلة من الاعتياد عندما يقود الاستهلاك المنتظم أو الدائم إلى تعلق جسدي أو نفسي أو كليهما معا .

ونتحدث عن التعلق الجسدي عندما تدخل المادة ضمن استقلابات الجسد  أي عندما تصبح المادة جزءا أساسيا من العمليات الحيوية للجسد  وعندما تظهر على الجسد أعراض الحرمان من المادة ،  كالتعرق والحرارة  وآلام العضلات والإقياء عندما يتم التوقف عن تعاطي المادة.

أما مصطلح التعلق النفسي فقد أدخل لأنه في بعض المواد كالكوكائين والحشيش و LSD  لا يظهر التعلق الجسدي ،  غير أن الرغبة في مواصلة الاستهلاك تكون كبيرة ولا يمكن السيطرة عليها.  وعندما يتم التوقف عن تعاطي المادة تظهر مشاعر مزعجة واكتئاب.

وفي كلتا الحالتين من التعلق يعني الإدمان العبــودية ،  إذ أن الإنسان لا يعود يستطيع التعامل مع المادة المسببة للإدمان ويصبح عبدا لها تحدد له حياته .

ويحدد الدليل التشخيصي والإحصائي  الأمريكي في طبعته الثالثة المعدلة الصادر عن الجمعية الطبية النفسية الأمريكية المعايير التالية لوجود الإدمان حيث يكفي توفر  ثلاثة منها لتشخيص وجود حالة إدمان:

n  تناول كميات أكبر من العقار في فترات متكررة أو لفترة زمنية أطول مما كان ينوي الإنسان بالأصل  تناوله

n  تـوق مستمر أو محاولات متعددة فاشلة للحد من استهلاك العقار أو للسيطرة عليه

n  الاستهلاك الكبير للوقت من أجل الحصول على المادة واستهلاكها أو من أجل التخلص منها

n حالة غالبة من النشوة أو من أعراض سحب المادة  في أثناء ممارسة المهنة أو في المدرسة أو في البيت ومواصلة التعاطي على الرغم من  المعرفة  بالمخاطر الجسدية الممكنة

n إهمال أو انخفاض النشاطات المهنية والحياة الاجتماعية ووقت الفراغ بسبب استهلاك العقار أو المادة المسببة للإدمان ( ظواهر أو أعراض الاغتراب).

n الاستمرار بتعاطي المواد المسببة للإدمان على الرغم من ازدياد المعرفة حول العواقب النفسية والجسدية والاجتماعية الناجمة عن ذلك

n ظهور الاعتياد ( ارتفاع القدرة على تحمل المادة و رفع كمية المادة المتناولة إلى حوالي 50%)  من أجل  تحقيق الشعور بالنشوة أو بالتأثير المرغوب

n  ظهور أعراض السحب( عدا في القنب والمواد المسببة للهلوسة و مادة PCP)

n  استهلاك العقار للتخلص أو مكافحة أو تخفيض أعراض السحب  ( عدا في القنب والمواد المسببة للهلوسة و مادة PCP)

 

الســــلوك الإدماني

هناك الكثير من الوسائل التي يمكن أن يتحول التعلق القسري فيها إلى إدمان.  والشائع غالبا هو الحديث حول إدمان المواد المخدرة أو الكحول أو الأدوية التي نتحدث عنها بالمعنى الطبي ونصنفها في خانة الأمراض  .غير أن هذا شكل من أشكال الإدمان و هناك أشكال أخرى من الإدمان  كإدمان اللعب ( القمار ،  لعب الورق والطاولة الألعاب الإلكترونية ….الخ) وإدمان الشراء   وإدمان العمل  وإدمان الكمبيوتر والتلفزيون  وإدمان الطعام أو الإقياء  وحتى إدمان الآخر ( أي التعلق بشخص ما إلى درجة لا يستطيع فيها الشخص العيش من دونه). فأشكال التعلق غير المرتبطة بمواد لا تبدو لنا من النظرة الأولى بأنها أنماط سلوك إدمانية ،  إلاّ أنها يمكن أن تشكل  ”  عكاكيز ” للتغلب على متطلبات الحياة أو للتكيف تماما مثلما يمكن أن تكون المواد المسببة للإدمان مدمرة للحياة.

وفي البدء يتخيل الإنسان  أن المادة تسبب له الارتياح والهدوء في المواقف الصعبة .  ولكن بعد مضي وقت محدد يستنتج الإنسان

بأنه ليس هو الذي يسيطر على المادة وإنما المادة المخدرة هي التي أصبحت تمتلكه ،  لقد تحول إلى عبد  لها.

كيف ينشأ الإدمان ؟

لماذا يصبح الشخص مدمنا ؟ لماذا يدخن هذا وذاك على الرغم من معرفتهم بمخاطر التدخين ؟ لماذا أدمنت هذه السيدة على الأدوية؟  هذه الأسئلة وكثير غيرها يطرحها الناس ويرغبون بمعرفة الإجابة عنها،  غير أنه ليس هناك من إجابة موحدة عن هذه الأسئلة . فليس للإدمان سبب واحد وإنما ينشأ عن مجموعة مركبة من الأسباب عبر فترة زمنية طويلة ولا ينشأ فجأة.

ويمكن لجذور الإدمان أن تكمن في شخصية المعني ، إذا لم يكن قد تعلم  التغلب على المواقف المرهقة والصعبة التي يمر بها وعندما لا يستطيع الدفاع  عن نفسه ضد مشاعر الخجل والخوف والغضب والملل والوحدة ويجعل هذه المشاعر  تتغلب عليه وتجرفه. كما ويمكن للأسباب أن تكون في المحيط الاجتماعي أو في خبرات الطفولة أو في الأحداث التي تبدو مهددة ولامهرب منها كالانفصال عن شخص محبوب  أو فقدان العمل  أو الأزمات المادية  أو المشكلات المدرسية  أو مشكلات أسرية أو الفقر أو الحروب والتهجير. وعندما تلتقي مجموعة من هذه العوامل   المرهقة مع بعضها  يمكنها أن تسهل الطريق نحو تناول المواد المسببة للإدمان،  وهنا يلعب توفر المادة وسهولة الحصول عليها دورا . فعندما  يواجه المرء موقفا صعبا  ويستنتج  بأن العقار أو المادة المسببة للإدمان قد أزالت  المشاعر المزعجة  ومنحته مشاعر سارة ،  فإن خطر  اللجوء إلى هذه المادة في كل مرة تواجه الإنسان فيها صعوبة حياتية  يرتفع من أجل الحصول على الراحة ”  بكبسة  زر ” إن صح التعبير،  إلى أن يصل الأمر إلى لدرجة لايمكن فيها الشعور بالراحة بدون هذه المادة.

بالإضافة إلى ذلك يمكن للتعامل الطائش وغير المسؤول مع المواد المسببة للإدمان والمبالغة بتقدير الذات ( … إني قادر على السيطرة على نفسي ….أنا لايمكن أن اصل إلى مرحلة الإدمان لأني قوي الإرادة وأعرف كيف أتوقف…الخ)  أن تكون مسؤولة عن الوصول إلى حالة الإدمان.

كيف يسير طريق الإدمان؟

يتشابه طريق الإدمان  عند كل المدمنين ،  ففي البدء يتم إشباع الحاجة نحو  مشاعر الراحة والسعادة والثقة بالنفس والهروب من مواجهة المشكلات الحياتية من خلال تعاطي المادة المسببة للإدمان،  بعد ذلك ترتفع الحاجة للمادة ويتم رفع الجرعة .  وفي هذه المرحلة تنشأ مشاعر الذنب  ويبحث الإنسان عن مبررات لنفسه  ويخدع نفسه والآخرين ،  ويتم الإخلال بالالتزامات والوعود،  وكذلك خداع  وسرقة الأهل والأسرة وتتحول كيفية  الحصول على المادة المسببة للإدمان  وتأمينها إلى مركز الحياة اليومية . وهنا تطغى مشكلة الإدمان على المشكلات الحقيقية ويفجر في الوقت نفسه مشكلات جديدة تبدو غير قابلة للحل.

هل يمكن التخلص من الإدمان؟

يبدأ التخلص من الإدمان عندما يقر الشخص بينه وبين نفسه ويعترف بأنه مدمن وأنه لايمكن له أن يستمر في هذا الطريق فالثمن الذي يدفعه غاليا. وتترافق الرغبة بالتخلص من الإدمان في العادة بالبحث عن المساعدة و البحث عن البدائل الممكنة لهذا السلوك  وتعلم وتجريب أنماط سلوك بديلة وتنمية اتجاهات ومواقف إيجابية نحو الحياة.

وبغض النظر عن الوسائل التي يتم فيها سحب المادة فإن العملية تترافق دائما بالقلق والتوتر وعدم الثقة والخوف من الانتكاس .  وهذه المشاعر يمكن أن تقود إلى رفع حدة الأعراض الجسدية إلى درجة شديدة. ويشكل الدعم الاجتماعي والنفسي  المتفهم من قبل المحيط ضرورة لابد منها في هذه المرحلة الذي تقع على عاتقه مهمة التشجيع والمواساة والتقبل والمساعدة.

ويشبه سحب الهيروئين مرض الأنفلونزا أو نزلة برد شديدة تستمر بين 3 إلى 7 أيام ،  غير أن أعراض السحب التي تظهر على الشخص يمكن أن تكون شديدة وذلك حسب الجرعات ومدة تناولها وحسبما إذا كان الشخص يتناولها مع مواد أخرى (  الكحول ،  الأدوية …الخ). وينبغي إجراء سحب تعلق الكحول والأدوية والتعلق بأكثر من مادة في المستشفى بسبب المضاعفات التي يمكن أن تحدث كالتشنجات مثلاً.  وبعد إنهاء عملية السحب الجسدي ينبغي البدء بعلاج نفسي لضمانة عدم الانتكاس على المدى البعيد.

الـــــــعـــــلاج

مثلما ينشأ التعلق والإدمان خلال عملية طويلة تختلف من فرد لآخر لابد من فهم التوقف عن التعاطي على أنه  عملية طويلة مختلفة فرديا أيضا.. وفي هذه العملية تنمو القدرة على مقاومة الواقع بشكل أكبر وتعود القدرة على التبصر والتفكير والحكم الصحيح ويتناقص الخوف من المستقبل وينخفض الهروب من مواجهة المشكلات  وتزداد الثقة بالنفس  وصولاً إلى تقبل حالة الصحو الدائم بدون عقاقير. وهناك مجموعة كبيرة من البرامج العلاجية التي تم تطويرها في السنوات الأخيرة والتي يعمل فيها متخصصون نفسيون وأطباء  ويمكن إجراء المعالجة في مع الإقامة في المشفى أو على شكل علاج بدون إقامة كاملة وذلك حسب الحالة.

ما  الذي يمكننا فعله من أجل تجنب الإدمان ؟  القول بصورة عامة أنه لابد لإجراءات الوقاية أن تهدف إلى تمكين الأطفال واليافعين من تحمل المسؤولية الذاتية عن النفس والمحيط وإتاحة الفرصة لهم في التغلب على المشكلات والصراعات التي يواجهونها  وإكسابهم معنى إيجابي للحياة. وينبغي هنا ألاّ تتصدر المواد المسببة للإدمان مركز الصدارة وإنما الإنسان بمخاوفه  وحاجاته  ببحثه عن معنى الحياة  ورغبته بتحقيق حاجاته الأساسية  والأمان والاعتراف والإنسانية . وينبغي تعليم الأطفال واليافعين تحمل الإرهاقات ،  أي التغلب على المواقف غير المرغوبة والمزعجة . ودور التربية  يكمن هنا بشكل خاص في منح الأطفال الشعور بالأمان وتشجيعهم  على مواجهة التحديات والصعاب . كما وتتضمن التربية على الاستقلالية  وضع الحدود .  فالحدود الواسعة جدا تقود إلى صعوبات في التوجه  بينما  تؤدي الحدود الضيقة إلى إعاقة الأطفال من إمكانية اختبار الأطفال لإمكاناتهم في مجال محدود جدا وإلى عدم وضوح الحدود من خلال تبنيهم لسلوك غير سلوكهم الذاتي  و صعوبات التوجه والضياع وعدم الثقة.

وعندما يلاحظ الأهل والمربون أن ابنهم قد تناول أحد أنواع المواد المسببة للإدمان عليهم تجنب ردود الأفعال العنيفة.  فالتناول أو التجريب لمرة واحدة لايعني بعد أن الطفل أو اليافع قد اصبح مدمنا .  ومن المهم هنا عدم استخدام العنف وإبقاء خط التواصل والحديث مفتوحا وعرض تقديم المساعدة  ومناقشة مشكلات المعني بالأمر ومحاولة حلها،  وفي كل الأحوال ينبغي عدم التهوين من الأمر .  بالإضافة إلى ذلك ينبغي على كل إنسان أن يسأل نفسه حول الكيفية التي يتغلب فيها على مشكلاته ،  ومدى البساطة التي يتم  فيها في كثير من الأحيان التعامل مع السيجارة أو الكحول  أو الأدوية  .  وكل من يعمل مع الأطفال واليافعين عليه أن يدرك أهمية وظيفته كقدوة لهم  وبالتالي مدى تأثيره بهم من خلال سلوكه ودعمه لهم وتشجيعهم على الوقاية.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

*