أنا مثقف الأهواز
الرئيسية » القسم الأدبي » قصص قصیره » يوميات شارع 14 الجزء الثاني/بقلم مريم لطيفي

يوميات شارع 14 الجزء الثاني/بقلم مريم لطيفي

كان الصيف الذی لاتنتسی ذكرياته الجميلة من ذهني لكثرة الحوادث المفاجأة التي حدثت في شارع ١٤، كان الصیف له مذاقه الخاص آنذاك على رغم ذلك كانت هواياتنا بسيطة جدًا و لكن ممتعة لحدٍ ما اوله كنا نلعب في الشارع، شتى انواع اللعلب،من رسم الخرابيش على حائط الجيران الإسمنتي الى المطاردة و اللعلب في مجموعات، و كنا نخطط ليومٍ ثاني ماذا نلعب و ماذا نفعل إلى ان يسل الظلام سيفه و لكن كنا نلعب الغميضة بعد العشاء،كانوا بعض الأولاد يقضون عطلتهم الصيفية بتعلم حرفةٍ عند كاسب او نجَّار او تلميذٍ في ورشة مكانيكي و على هذا المنوال كانوا يكتسبون الخبرة و في نفس الوقت يجمعون المال لشراء ملابس المدرسة للسنة الجديدة، كان هذا الأمر يوفر المصاريف للعائلة.

مع حلول العصر و قبل ان ًُتُعقد جلسة السيد فرحان مع الجيران في وقتٍ تكاد فيه الشمسُ ان تغيب و يصبح لونها ورديٌ فاتِح و أصفر على لوحة السماء الأرجوانية مع تغريد عصافير المساء و كأنهن يعلننَ موعد الأذان.

حينذاك كان اولاد الجيران قد خرجوا من منازلهم و هم ينتظرون أصدقائهم كي يلعبوا معًا و البنات معا و اذا خرَجتَ و القيت نظرة تجد الشارع مزدحمًا تروح به غوغاؤهم و ضحكاتهم الى اوج السماء و تأتي الأهالي دون أن يكترثوا لهم ،كانوا يلعبون الى ان يستولي عليهم العجز، كنا انا و صديقاتي نجتمع عند الرصيف او بالقرب من منزلنا او بيت السيد فرحان، أحياناً كان السيد فرحان و زوجته يتشاركان معنا برأيهما او مدح إحدانا او تذكير قانون للعبة المصقلة (الصگلا) عندها كانت زوجة السيد فرحان تروي لنا و هي مسترخية بجسمها الممتلأ على عتبة بابهم و هي تمغض علكتها البستي المُر، تقول لنا :كم كانت محترفة او كيف كانت تلعب مع صديقاتها و يتشارك معنا السيد فرحان نظراته المفرحة و عندها يرسم ابتسامةً عريضةً علي وجهه كنت أتصور كيف كان شكلها وهي صغيره….و كنت اتساءل هل كانت تلبس الشيلة و الكلاب(چلاب) الأزرق و یتلاشا تفکیري مع صوت صرخة احدی البنات لإستمرار اللعب،
فريقنا كان يتشكل من كبرى بنت جارنا الأمامي و بنت السيد فرحان و ليلا بنت عم كبرى و عالية، المحترفة بيننا كانت كبرى و تلعب بحرفيةٍ و إطمئنان كنا ننتظر طويلا حتى ياتي دورنا لأنها لا تخسر بسهولة كنت أتابعها حتى أتقن حيلها كان ذلك ممتعًا،حيث كنا نختار الحجارة(الصلابيخ) من حاشية الشارع او على ضفة النهر او من الساحة الخارجية لبيت سيد مهدوي ، الذي كان يشرف علي الشارع بمبناه العالي من قمة الشارع و كان هو اعلى بيوت شارع ١٤،كنا نجمع و نغسل الحجارة (الصلابيخ) إلى أن تجف و من ثم نلعب ،انا کنت انجذب لهن کثیرًا و انظر بدّقةٍ حتى اختارالحجر (الصلبوخ) المناسب لا صغیرًا و لا کبیرًا جدًا و طبعًا لونه کان مهمًا بالنسبة لي، أمشي رويدًا رويدًا و على اقل من مهلي فوق كومةٍ من التراب الذي يقع أمام بيت سيد مهدوي الثاني الذي كان يعمره(يبنيه) فأجده مليئًا من انواع الحجارة (الصلابيخ )سید مهدوي رجلٌ أعجمي و يعملُ موظفًا في البنك، کنت اخاف منه کثیرًا وأتجنبه منذ ان طرد زوجته من البیت، کانوا الجیران یهمسون بانه مختلٌ عقليًا او فقد عقله ،.هو قصیر القامة قريبٌ من الأرض و شعره قلیلٌ علی رأسه الصغیر و لحیته بلون شعره رمادیة لا يبشر شكله بالخیر و كان عبوسًا دائمًا كأنه لم يبتسم قطُ ابدا و حواجبه ملتفةٌ معاً ،لا یطیق اطفال شارع ۱٤، كنت اتمنى أن أدخل بيتهم لأن بيتهم وسيعًا جدا و مبنيٌ على الطراز الجديد و مع ذلك لم يزُرهُ احدٌ من الأهالي ،ما كان يختلط مع الجيران و ياللأسف على ابناءه الثلاثة كانوا يجلسون أمام البيت و ينظرون إلينا بحسرة، كيف نلعب و نضحك و نركض مع هبة رياح الصيف الحارّة؛ انصدامٌ و صرخة تلتقي عند بابهم و تذوب في قلوبهم الحسره و تندفن آمالهم عند عتبة باب منزلهم العالي من خوف ابيهم،كان المرور من امام بيتهم يُرَدُ بعبوسيةٍ منه ،كنا نتجنبه.
انا امشي و أسمع همسة الحجارة(الصلابيخ ) و لمضة بريقهن كأنني اسمعها تقول:انا !اختاريني انا! ،کنت انحني أخذها وبعد ذلك ابدل رأيي فأختار الأخرى ولمّا اجمع الحجارة اخبئهنا من أبي الذي کان يرفض أن نلعب المصقلة (الصگلا) لإنه يعتقد أنها تجلبُ سوء الحظ و نحسةٌ (كقصة الأرنب) کنت اخالفه الرأي و انا کنت أستمتع بطقطقةالحجارة (الصلابیخ) مع بعضهن و التقطهن في الهواء عندما امسک بحجرٍ والتقط الآخر من الأرض دون أن أنظر الیه عندها ينتابني حسُ الحرفة و الكِبَر .
کنا أنا و بناتُ جیراننا نجتمع علی شکلٍ دائري و کانت لدينا قوانینٌ خاصةٌ بنا ،المخطئة تنسحب و الدور یصل الی الأخرى أما بالنسبة للأولاد، یحبون المطاردة و
کرة القدم،في بعض الأوقات کنا نجتمع أولادًا و بنات مع إحساس الطفولة البريئة و نلعب معًا في فِرَقٍ و حُماسٍ عالي.
و أما بالنسبة للعبة التي كنا نلعبها جميعا و كانت تجمع البنات مع الأولاد اللعبة المفضلة و الممتعة “المحيبس”، نجلس على شكل رديفين من كل فرقة، تختار الفرقة المحترف من فريقها الخاص من الأولاد و البنات، و نجلس واحدًا امام الآخر بالكاد نتحمل هزة شفاهنا من شدة الضحك المُفرط من جلوسنا واحدًا أمام الآخر و من ثم بسبب الإنزعاج و الغوغاء و ضجة الآخرين ينكسر النظم و بعد دقائق يرجع الهدوء للفرق و بالطبع الاقوى كان يتولى قائد الفرقة و يعيّن لمن يذهب الخاتم (المحيبس)الذي كنا نختار حجرًا صغيرًا او غش او ورقة لنضعه بين ايدينا فهناك كانوا كثرةً من يغشون في اللعبة و يضعون اكثر من خاتم بايدي اكثر من عضوٍ من الفريق المقابل و ذلك كان حجةً لصراعٍ آخر و مطاردة بعضنا البعض في الشارع و ضحكاتٍ متتالية من المشاهيدين.
كنا نتسلي و نلعب و غرقاً في أحلام ليوم غدٍ او بعد يوم غدً كالعاده و نطارد و نحلق احلامنا علي طائرة النسيم المنعش تحت السماء الزرقاء الممتددة على الشارع مع خطوط الغيوم البيضاء الرفيعة و كأنها ممدودةٌ و مرسومةٌ على السماء بيد رسامٍ محترف، و فجأة صوت صرخة ادهشت و اكمشت الحُلم الجميل من فوق رأسي العريان و شعري الموال في الهواء و التف نظري على عتبة الباب للسيد فرحان ،فرأيت وجهه مصفرًا من شدة الحزن و يكاد يلتقي انفاسه، و هو متكئٌ على الباب خرجت إبنته و هي تبكي و من ثم إبنته الاخرى.
يتبع…….

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

*