أنا مثقف الأهواز
الرئيسية » لغتی » إلى صاحبة الجلالة/بقلم الأستاذ یاسر زابیه

إلى صاحبة الجلالة/بقلم الأستاذ یاسر زابیه

صاحبةَ الجلالةِ! تبقين الأنيقة السّمراء، فسيحة الأنحاء،واسعة الأرجاء،كثيرة العطاء،شديدة الوفاء،زاهية الأزياء،جميلةً هيفاء،نضرةً خضراء،عُشّاقك اليك فُقراء،قد تحيّر في وصفك الكُتّاب والشعراء،وقد شفّ وجدك أهل الفصاحة والبلغاء،ولك دوماً شأو جليل قد بيّنه الخطباء ،ودانت له رقاب الملوك والأمراء،واعترف به جلّ أصحاب الرأي والعلماء.

صاحبة الجلالة ! على مَن أحبّكِ أن يكون مُتيّماً ،حازمَ الرأي ،نافذَ الحكم،قوى الأوراد،ثابت الجأش، ذا عزمٍ وحزم ،لايخاف في حبّك لومة لائم، ولا يكون
في عمل مَن نصبَ لك العداء بمساهم،العطوف الحنون المثابر الودود،يرى في حبك الحياة و الخلود، ولايخشى قسوة الهجر ومرارة الصدود، يرعاك دائماً وفي أيّ لحظة عنك يذود، ولايبخل عليك بنفس ولابمال حينما يجود.

صاحبة الجلالة !خزائن علومك لاتنفد،وكنوز معارفك لا تُفنَى ولا تُعَدّ ،وبدور فصاحتك لا تُحجَب،وعيون بلاغتك لا تنضب، وأزهار مفرداتك لا تذبل،وأنغام عباراتك لا تملّ، انت تعنين لنا الحسن والجمال، ونجد فيك النزاهة والكمال، والحفاظ عليك هو غاية الآمال،يا منارة ترصدها العيون والأحداق، بك يجتمع الشمل بعد الهجر والفراق.

صاحبة الجلالة !أنتِ لغة الأمّ، ولغة الأفكار والأحلام، و الإحساس ،والتدوين، والعلم، وعلى مَن يحبّك أن يواظب عليك دون هوادة وانقطاع ،لأنّ بلوغ الأماني يحتاج الى الثبات وتوطيد العزم والمثابرة ،والإبتعاد عن اليأس والإهمال ،لأنّ “مِن كثُر إهماله ضاعت أمواله”، و ” مَن دامَ كسله خابَ أمله”ولا تتحقق الآمال إلّا من خلال الجدّ والعمل والحزم والعزيمة.
ليس الحياة بأنفاسٍ نُردّدُها،
إنّ الحياةَ حياةُ العلمِ والعملِ.

صاحبة الجلالة !يا لغة العلم والأدب، صدّقيني انّنا نجد صعوبة في تطوير
أنفسنا إن ألزمناها لغةً غيرك ، وبما أنّ عزّة الإنسان في عقله وأدبه فلانستطيع الإستغناء عنك في جميع شئون حياتنا، خاصة العلمية والأدبية ومحادثاتنا اليومية ودراستنا وكتابتنا ،وبيان مايدور في خلجات نفوسنا،لأنّ التكلّم بك حقّ قد تكفّلته الشرائع السماويّة ،والقوانين الدوليّة، والمنظمات العالميّة.

رأيت العزّ في أدبٍ وعقلٍ،
وفي الجهل المَذلّة والهَوانُ،
وما حُسنُ الرجالِ لهم بحُسنٍ،
إذا لم يسعدِ الحسن البَيانُ،
كفى بالمرء عيباً أن تراهُ،
لَهُ وجهٌ وليس له لسانُ.

صاحبة الجلالة !كفى الذين يتشبثون بغيرك جهلاً أن يجروا وراء ماهي دونك شأناً ومقاماً،ويُضيّعون بذلك حزمهم،ويولون غيرك عزمهم،وبجفائهم يوجّهون الى قلبك سهمهم،كي،يستغرقوا في هواجسهم، ويسترسلوا في زيف أحلامهم،غير أنّ نفوسهم بهذه الفعلة قد آن حمامها ،وحان دثورها،وحلّ دمارها ،وقرُبَ انصهارها ،حيث لا تجدين لها ذكراً حتى في جُهينة الأخبار،وذخائر الأفكار،و رفوف
الصحف والأسفار.

صاحبة الجلالة !ماذا تقولين لمتفاوتي المشارب، مُحاربي الأقارب، متبايني الأخلاق والرغائب،الذين ساء فهمهم،فنزعت نفوسهم الى غيرك، ومالوا الى سواكِ ،فماعرفوا غير اشباع نهمتهم ،وماعملوا غير العمل لأهوائهم ،ظنّاً منهم أنّك لاتُمثّلين الحضارة والمدنيّة ،وتقاعسوا عن فهمك وادراكك ،فأصبحوا فاشلين لا خير منهم يُرجَى ،ولا تعود على المجتمع من ورائهم منفعة و لابُشرَى،يتصرفون كأنّهم ليسوا من أبنائك ،لا يشمّون رائحة أريجك ،ولا يتذوقون عذوبة كلامك ،ولا حلاوة بيانك ،ولايهتمون لشأنك ،ولايعملون على اسعادك وهنائك.

صاحبة الجلالة! مَن فقد لغته قد فقد هويته و شعوره،وضيّع دينه وتأريخه وفخره، ومات احساسه وتراثه وادبه ومجده،وجلب لنفسه ولأمّته الويل والثبور، والويل ثمّ الويل لأمّةٍ أضاعت لغتها،والثبور ثمّ الثبور لأمّةٍ أضاعت منعتها وعزّتها،لأنّ اللغة هي عنوان الأمّة ،وحياة كلّ أمّةٍ بلغتها.
كلّ المحاولات نحو اندثارك يا صاحبةَالجلالة فاشلة،وكلّ الذرائع لتبرير طمسك باطلة، لأنّك أمّ اللغات رفدتِ جميعها بمفرداتك وفصاحتك وبلاغتك ،وستبقين حيّة متألقة طالما هناك لغة ودين وكلام وتواصل وحياة.

لسانُ الفتَى نصفٌ ونصفٌ فؤادهُ،
فلم يبقَ إلّا صورة اللّحمِ والدّمِ.

ياسر زابيه

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

*