أنا مثقف الأهواز
الرئيسية » القسم الأجتماعي » مقالات عربیة » الحاضر الغائب/ هل الهاتف النقال وسيلة للتقارب الإنساني؟

الحاضر الغائب/ هل الهاتف النقال وسيلة للتقارب الإنساني؟

كينيث غيرغن

Kenneth Gergen

ترجمة: أ.د. سامر جميل رضوان

 

تغير وسائل الإعلام واقعنا وعلاقاتنا: فنحن نعيش بشكل متزايد في عالم، هو في الحقيقة “في مكان آخر”. فالتلفزيون والراديو و الفيديو والكمبيوتر والإيميل والانترنت يقربون منا الغياب والغائبين

ويعمون عن الواقع المباشر. وبالنسبة لعالم النفس والفيلسوف الاجتماعي كينيث غيرغن لا يوجد إلا بديل واحد فقط: النقال التواصلي الحقيقي.

تدخل طالبة غرفة زميلاتها في سكن الطالبات لتتسامر معهن، إلا أن زميلاتها مشغولات: فواحدة تقرأ كتاباً، وأخرى تسمع الموسيقى بسماعات فوق الرأس، وثالثة تتصفح مجلة، والرابعة منشغلة بالكمبيوتر، فتخرج خائبة.

إنه موقف نعرفه جميعنا، بهذا أو ذاك الشكل: إذ على الرغم من الوجود الجسدي للأصدقاء، والأسرة والزملاء إلا أن اهتمامهم موجود في عالم آخر. وعلى الرغم من أننا موجودين هنا، إلا أنهم غير مدركين وجودنا، “فحضور الغائب” أقصانا. فمن خلال وسائل معلومات واتصالات القرن الماضي أصبحنا ننسحب باطراد إلى عالم موجود في “مكان آخر”.  فالتلفزيون الشغّال والكمبيوتر أو الحديث التليفوني أو الإيميل يحدد واقعنا، هذا الواقع الذي  أصبح فيه تواصلنا مع الحاضرين يقل باطراد.

بدأ التطور عند اختراع حروف الطباعة، الذي يعد من الناحية الثقافية واحدا من التغيرات الثورية في الألفي سنة الماضية. ومن أجل فهم هذا علينا أن نستحضر الأصل الاجتماعي للغة و وظائفها الاجتماعية: فقد أنجزت في كل مجتمع إنساني الأسس من أجل التمكن من التوجه والتصرف في العالم.  فبدون اللغة لا يوجد علم و لا قيم: ففيها تنشأ المؤسسات والتقاليد الاجتماعية  و كذلك قواعد الحياة اليومية – فنحن لا نستطيع تنسيق تصرفاتنا مع بعضنا إلا بطريقة لفظية. ولا يمكننا التعرف على العالم وعلى أنفسنا إلا من خلال اللغة.

وطالما تلح أصوات خارجية في المجتمع، نكاد نكون غير قادرين على التشكيك بالقوانين و الآراء. فإذا ما كان الجميع مقتنعون بأن الأرض مسطحة، فإنه من غير المجدي للفرد التشكيك بأنها كروية. لهذا كان حرف الطباعة ثورياً –وغالباً ما كانت الكتب حصان طروادة: فمن خلالها أمكن لأصوات التسلل من البعيد:، من عوالم “غائبة” وجعلت ما يبدو بديهياً مشكوكاً به. وتوضح عمليات حرق الكتب والرقابة عليها بأن التقليديون والمستبدون كانوا مدركين دائماً للطاقة الثورية للمطبوع بالنسبة لعالمهم. ولكن حتى لو كانت لطباعة الكتاب نتائج واسعة إلا أنها كانت مجرد الخطوة الأولى. فالتطور نحو ثقافة مسيطرة “للحاضر الغائب” لم تأخذ مداها الكامل عبر وسائل إعلام القرن العشرين: فإلى جانب الكتب أو الجرائد كان بشكل خاص الراديو و التليفون و الأفلام والتلفزيون و الهاتف النقال والكمبيوتر وتقنية الإيميل، التي أتاحت التواصل متجاوزة حدود المكان والزمان التقليدية.

وعلينا هنا التمييز بين وسائل الإعلام الأحادية monologue  والحوارية dialogue ، فالراديو و التلفزيون أو ناقلات الصوت كشرائط التسجيل والاسطوانات الليزرية هي وسائط أحادية: إذ على الرغم من أنها تمدنا بالمعلومات من “الخارج” ، إلا أن رسالتها غير شخصية، فنحن نكاد لا نستطيع الاستجابة لها مباشرة أو نعارضها. إلا أن القناعات الراسخة لا تتغير إلا من خلال النقاش. و أصوات الوسائط الأحادية تظل على الأغلب بعيدة خطوة عن جمهورها، وأحياناً يتم إغلاقها لأنها تسبب التشويش في الخلفية.

ومع هذا فإن التأثير الاجتماعي لهذه الوسائط قد تبدل في السنوات الأخيرة بشكل جوهري. فقد كان التلفزيون في السابق “مناسبة اجتماعية” تجتمع حولها الأسرة كلها، لمتابعة البرامج المقتصرة على قليل من الأقنية، ومناقشة البرامج بعد ذلك أو في اليوم التالي في العمل أو المدرسة. فجاءت التلفزيونات الخاصة بعشرات الأقنية التي جعلت خبرات التلفزيون الجماعية غير ممكنة إلى حد كبير. واليوم يوجد في البيوت عدة أجهزة ويستطيع كل واحد أن يشاهد في غرفته فيلم فيديو لوحده. وكذلك يسهم الولكمان  و الأقنية المحلية في الراديو في أننا نفردن     Individualizeأنفسنا باطراد كمستهلكين لوسائل الإعلام الأحادية.

بالمقابل يعتبر التليفون  والكمبيوتر والهاتف النقال والانترنت والإيميل وسائط حوارية، لأنها تعمل “على جانبين” أو بشكل تفاعلي. وعلى عكس الوسائط الأحادية فإننا نستطيع من خلال الوسائط الحوارية تشكيل علاقاتنا بالعالم الغائب بشكل أكثر مباشرية ونولفه وفق حاجاتنا. وعليه يقتحم الإنترنت بشكل خاص  الحاضر المباشر ويوسع تأثير الغائب والغياب: ففي شبكة الإنترنت العالمية World Wide Web تصل لوعينا في كل وقت أصوات بعيدة  –ونستطيع أنفسنا القيام باتصال بأشخاص من العالم كله، حيث ينمي الإيميل وغرف المحادثة الارتباط.

عموماً فقد غيرت وسائل الاتصال عن بعد الأحادية والحوارية حياتنا بشكل مأساوي. ومن أجل إعطاء لمحة سأحلل التأثيرات النفسية الاجتماعية الأربعة الأهم: ما يسمى “الغراميات الخطِرة” و “عمق العلاقة” و “بشر دون خصائص”، و “عوالم في تبدل مستمر”.

في القصة الفرنسية المشهورة بعنوان غراميات خطرة من القرن الثامن عشر يبرم محبان ميثاقاً مفاده أن يصارحا بعضيهما بكل الرغبات والشهوات السرية و يساعدان بعضيهما على تحقيقها. ومع كل غواية يسمحان بها لبعضيهما فيها، يعرضان علاقتهما للخطر. وبمعنى قريب جداً يمكننا أن نفهم تواصلنا عن بعد  مع الغائبين بأنه “غراميات خطرة”.

وعليه فنحن نحقق من خلال الراديو والكتب والتلفزيون والانترنت الكثير من الأفكار و الخيال والرغبات التي تعرض العلاقات الإنسانية الحقيقية للخطر. فاهتمامنا مصروف دائماً عن محيطنا الاجتماعي المباشر: فكلما أنصتنا لأصوات من “البعيد” بشكل أكثف ابتعدنا أكثر عن الحاضر –مع خطر عدم القدرة على مواجهة متطلباته و مشكلاته.

والانترنت بشكل خاص يتيح أطر إحساس جديدة، صحيح أنها منسجمة مع العالم الحقيقي، إلا أنها يمكنها في الغالب أن تكون مناقضة له. وعليه تفقد بشكل خاص الأسر والأزواج والأصدقاء أهميتها، وذلك عندما لا يبحث المرء إلا في مجتمعه السبراني[1] عن التبادل والاستثارة التواصلية. وتصبح أغوار عالم السبرانية أكثر ظلمة، من خلال دفنها للقيم الأخلاقية للعالم الحقيقي –كما تظهر الأمثلة القارعة للخطر لإباحية الأطفال أو الانتحارات الجماعية لحركة “بوابة الجنة Heaven’s Gate”.

إلا أنه علينا ألا نطرح سيناريوهات متشائمة جداً. فما زال من غير الواضح إلى أي مدى وضمن أية ظروف، يسرق عالم الوسائط الافتراضي شخص ما كلية. وفي الوقت نفسه تنمي كثير من المجتمعات السبرانية القرب الإنساني التواصلي –عندما يقوم على سبيل المثال المعوقون أو السجناء أو كبار السن بالتواصل عبر الإنترنت مع الآخرين.

في العالم الغربي تولى تقليدياً العلاقات العميقة أهمية كبيرة: فبالنسبة لكثير من الناس لايمكن تصور وجود حياة سعيدة وغنية دون رابطة وثيقة وعميقة. ويمكن تصنيف العلاقات البين إنسانية على محور عمودي وأفقي، العلاقات العميقة عمودياً والعلاقات السطحية أفقياً. ومن الناحية النفسية يعكس هذين المحورين الخبرات الراهنة: إذ تتطلب العلاقات العميقة الاهتمام و السعي و التضحية. ومن يتمكن من الاقتراب من ذلك فإنه ليس بحاجة على الأغلب للبحث عن معارف كثر. وبالمقابل فمن يقيم علاقات سطحية واسعة فإنه لا يملك الوقت والطاقة للعمق.

والتأثير المتزايد للغائب ينمي العلاقات الأفقية و يكبح العلاقات العمودية: وبما أن الوسائط توسع طيف العلاقات الفعلية منها أم الوهمية، فإنها بالتالي تضيِّق من عمقها. وهكذا تحل  على سبيل المثال المحطات الرياضية عند  بعض الناس محل الرفقة الحقيقية-التي ربما كان المرء في السابق يمارس معها الرياضة بالفعل، أو كان يذهب معها للملعب-،  و كثير من المراهقين يعتبرون عن سوء فهم نجوم المسلسلات أصدقاء مقربين لهم. وفي الإنترنت يمكن لشبكة العلاقات الأفقية أن تنمو عملياً دون حدود: فمن يبحر في الإنترنت يستطيع أن يقيم كم كبير من العلاقات –سواء كانت أقصر أم أطول، من الاتصال السطحي في غرف المحادثة إلى “العلاقات الغرامية السبرانية”.

تواجهنا رواية القرن لروبرت موسيل Rober Musil  الرجل دون خصائص بمجتمع من البشر دون سمات أو دون شخصيات حقيقية. وعلى الرغم من أنه لم يتمكن في بداية القرن العشرين من معرفة ثورة الوسائط بتوسيعها الراهن للغائب،  إلا أن موسيل كان متنبئاً بأن الوسائط ستدفن هوية الإنسان.

فالعلاقات البين إنسانية تعتبر أساساً لنمو هوية الإنسان: فمن نحن لا نخبرها إلا  في المواجهة الحقيقية مع الآخرين دائماً – ولا نستطيع تنمية صورة متماسكة إلى حد ما لشخصيتنا إلا ضمن جماعة اجتماعية إنسانية. بالمقابل فإنه في عالم خبرة و علاقات وسائطنا فإننا نرسم باستمرار متكرر ذات “غائبة” جديدة. وسواء نكتشف هنا السيد ريبليMr. Ripley، أو سكارليت أو هارا، Scarlett O’Hara  أم أدوار الأبطال لكثير من ألعاب الكمبيوتر والفيديو –فكلما تعمقنا أكثر في هذه العلاقات الافتراضية ازدادت الهوية الذاتية هشاشة.

وتقدم الإنترنت بشكل خاص كثير من الإمكانات لتبني هوية جديدة: صفحات الدعارة و غرف المحادثة و اتصالات الإيميل تدعونا  للتجريب بالإجابة عن  السؤال “من أنا بالفعل، إلا أنه باطراد يصبح أصعب لأن أساسها البين إنساني مفقود على الغالب. ومع ذلك فالوسائط تدل في كل الأحوال على طرق في مجتمع تصبح فيه الهوية الشخصية أكثر تعلقاً بالموقف و أكثر صدفة.

فمن وجهة نظر علم النفس الاجتماعي تقود الوسائط بحاضرها الآخر الغائب إلى إضعاف متنوع: للعِشِّرة التواصلية  أو للذات أو للشخصية و لعمق العلاقات المعنية.

كما أن تقنية التواصل والمعلومات قد  مهدت لتطور يمكن تسميته “عالم في تحول مستمر”: فباستمرار تخلق الوسائط واقعاً جديداً أو مختلفاً، ولكنه غائب دائماً. ومن أجل فهم هذا فإنه من المفيد التمييز كما هو الحال في اللغة بين المستويات الملموسة والمجردة. وعليه فنحن يمكننا لغوياً الاستناد إلى تصرفات وأهداف عملية كلية مباشرة – على نحو عندما نسأل عن الوقت، أو نطلب من شخص أن يناولنا  علبة السكر أو عندما نسأل شريكنا عن مفاتيح السيارة. إلا أننا غالباً ما نتواصل حول سياقات شديدة التجريد: فنحن نتناقش على سبيل المثال حوا “العولمة” أو التطور الاجتماعي التاريخي للأقليات أو  للأغاني الشعبية.

وكلما كانت مثل هذه الظواهر أكثر تجريداً، ابتعدنا أكثر عن التصرفات الملموسة لواقعنا المباشر –ونتحرك في عالم من المعاني “المطاطة”. وتنمي الوسائط هذا التجريد بطريقة لايمكن تصورها حتى الآن.  –فسواء كنا نقرأ كتاباً، أو نتابع في التلفزيون نقلاً لمباراة أو نشاهد فيلماً أو نتمزق من العروض في الإنترنت: فإننا نعيش أكثر أو أقل بشكل مكثف في “عالم مليء بالروعة” كما قال غوي ديبورد Guy Debord،  في عالم انتقده جان بودر Jean Baudrillard، على أية حال بأنه مفرط الواقعية hyper real : فكلما تحدد واقعنا أكثر بعوالم من المعاني المطاطة الأخرى الغائبة هذه أصبحت الحياة اليومية أكثر إشكالية بل حتى أكثر وهمية. فعندما يتم خلق على سبيل المثال في الإيميل لغة خاصة من أجل التباحث بمواضيع بعيدة كلية عن الحياة اليومية، فإنه يمكننا أن نقارن هذا مع فلسفة أخلاق بعيدة عن الواقع، تنتهي في نقاشات أكاديمية بحيث أن مفاهيمها تكاد لا يكون لها علاقة مع المشكلات الأخلاقية للحياة اليومية أو حتى ليس لها علاقة على الإطلاق.

ولتوضيح هذا يمكن القول أن عالم الوسائط وأطر معانيها وأفعالها المطاطة تغربنا عن واقع الحياة. وبصورة شبيهة تندثر قدرتنا العملية و كفاءاتنا التواصلية البين إنسانية، وذلك  عندما لا نفكر ولا نتكلم إلا بشكل مجرد فقط، فإن  “الواقع المفرط”  للوسائط يقلل من قيمة حضورنا في العالم الواقعي- ففي وقت ما تصبح متابعة حرب النجوم السبرانية أو ألعاب افتراضية أخرى أكثر أهمية وجذباً من الانشغال بأمور “مملة” كالتسوق أو دفع الضرائب أو الالتزام المهني أو تربية الأولاد.

في تحليل تحول ثقافة “الحاضر الغائب” من خلال الوسائط ظل التليفون لأسباب وجيهة حتى الآن مستثنياً. فعندما تم إدخال التليفون في بداية القرن العشرين، اتسع في البداية التواصل المباشر وجهاً لوجه: فاستطاعت الأسرة أو الجيران أو الزملاء التواصل مع بعضهم حتى عندما لم يكونوا قريبين جسدياً من بعضهم.

وبالطبع فقد تطلب التليفون من الإنسان أن يصرف انتباهه عن المحيط المباشر. إلا أنه على عكس محتويات الوسائط المحددة من الخارج للراديو أو التلفزيون استخدم المرء التليفون بشكل موجه من الداخل، واهتم “بالغائبين” من المحيط الاجتماعي المباشر.

أما اليوم فقد تغيرت وظيفة التليفون: فالوسيط الحواري الذي كان موجها في السابق من الداخل جعل البعيد وغير المعروف يقتحمنا. و يرجع ذلك إلى أن التليفون أصبح يستخدم لأغراض تجارية، أصبحت المكالمات الخارجية أرخص وأصبح الحصول على أرقام التليفونات سهلاً. وعليه نحصل على اتصالات من أية أمكنة واتصالات من زملاء عابرين من نحو “لقد تقابلنا قبل سنة في مؤتمر” أو “ابنتك متزوجة بابن أحد أصدقائي”. وينعكس هذا التطور في الوظيفة المتغيرة للمجيب الآلي: فإذا كانت وظيفته في الماضي أن يقوم  بتسجيل كل أخبار حبنا، فهو اليوم يستخدم كمصفاة للاتصالات غير المرغوبة.

بالمقابل فإن الهاتف النقال له تأثيرات تواصلية مختلفة: إنه ينمي في عالم تحول إلى نقال العلاقات لأشخاص قريبين من بعضهم إلى درجة أن التواصل وجهاً لوجه قد “عاد للحياة ثانية”. فعبر الهاتف النقال يستطيع الأقرباء والأصدقاء و الزملاء الاتصال باستمرار ببعضهم. وفي الوقت نفسه علينا أن نختار و أن نفكر بدقة من يستطيع في أي وقت وكل مكان أن “يحصِّلنا” –مستخدمو الهاتف النقال يشكلون نوعاً من الدوائر الداخلية يضمن فقط لأشخاص محددين فقط الدخول.

ويوضح رفض المحيط المتكرر لمستخدم الهاتف النقال مدى شدة تقوية الهاتف النقال للارتباط بالأشخاص المقربين.  فالمحيطين لا يتوترون لمجرد أنه قد تم التشويش على جلستهم فقط، بل أن مكالمة الهاتف النقال تبني “مجالاً داخلياً” ينفصل فيه الشخص المعني عن محيطه، لهذا غالباً ما نستجيب بحساسية عندما يكون مستخدم الهاتف النقال قريباً منا: فعلى الرغم من أننا نكون معه إلا أننا نشعر بأننا أثناء المكالمة مستبعدون.

وبما أن مستخدم الهاتف النقال يتواصل مع عدد قليل من الأشخاص المنتقين، تزداد العلاقات العمودية الأعمق أهمية: فمستخدمي الهاتف النقال يقضون الوقت مع الذي يكون على هواهم. ومن هنا وعلى عكس الوسائط الأخرى تنمي الهواتف النقالة الهوية الشخصية – والقيم الأخلاقية: فكل مكالمة هاتفية نقالة تفعِّل حقوقنا و واجباتنا، التي نمتلكها تجاه الآخرين. فرب أناس في البداية كانوا متفاخرين بهاتفهم النقال سرعان ما أصبح مزعجاً لهم، لأن إمكانية إيجاد الشخص في أي لحظة تجعله يشعر “بالإرهاق”.

وكما هو الحال في الوسائط الأخرى فإن الهواتف النقالة تصرف الاهتمام بالحاضر المباشر: فالمشاة ورواد المطاعم وسائقوا السيارات المتهاتفين لايستطيعون إعطاء انتباههم الكامل لمحيطهم. فمنذ فترة تم إلقاء القبض على شخص لأنه كان يقود سيارته بقدميه ويحمل هاتفين نقالين بيديه في الوقت نفسه. بالإضافة إلى ذلك تستطيع الهواتف النقالة دمج الغائبين في الحاضر بطريقة جديدة.

فقد كنت منذ فترة وجيزة شاهداً على الكيفية التي كانت تتناقش فيها مراهقة مع والديها، حول إلى متى سيسمح لها البقاء خارج المنزل. فقد قامت الفتاة بسحب الهاتف النقال والاتصال بصديقاتها اللواتي أهلهن أكثر تسامحاً- والنقاش سار في اتجاه جديد.

وفي موقف آخر رن جرس الهاتف النقال لسيدة كانت تنتظر بالدور في محل للشراء. ومن المحادثة يمكن الاستنتاج بأن أحد معارفها قد توفي. وما كادت المكالمة تنتهي حتى التفت إليها أحدهم في الصف معزياً لها لموت الرجل الذي يعرفه هو أيضاً، فتدخلت محاسبة الصندوق قائلة أنها قد قرأت الخبر في جريدة الصباح.

يؤثر الهاتف النقال بشكل معاكس للتغيرات الثقافية للحاضر الغائب لوسائط القرن العشرين مباشرة: فبما أنه ينمي العلاقات العميقة و معنى الجماعة و الهوية والقيم الأخلاقية، علينا أن نرحب باستخدام الهواتف النقالة. إنها تقرب الأمل بأن أشكال التواصل التقليدية و المهمة نفسياً ستصمد حتى في عصر الوسائط.

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

*