أنا مثقف الأهواز
الرئيسية » تطوير الذات » جسدك مرآة نفسك

جسدك مرآة نفسك

الدكتور سامر جميل رضوان

 

أدرك الإنسان منذ القدم الارتباط القائم بين الجسد والروح ( النفس ) وكان هذا الارتباط موضوعاً أساسياً من المواضيع الفلسفية التي شغلت الإنسان في بحثه عن إجابات لأسئلة كثيرة حول نفسه والعالم من حوله.

لقد عرف أهمية الإحساس بالراحة (  النفسية ) من أجل قيام وظائفه الجسدية بعملها على أكمل وجه والعكس كذلك ، ولاحظ  هذه العلاقة القائمة في أكثر من وجه . شغلت هذه القضية   الفلاسفة والأطباء الصينيين القدماء والإغريق والعرب وما زالت حتى اليوم تشكل واحداً من أهم الموضوعات الطبية والطبية النفسية والنفسية وأكثر الموضوعات إثارة للجدل سواء من الناحية المفاهيمية أم المضمونية.

ونحن نلاحظ الارتباط بين الجسد والنفس في حياتنا اليومية من خلال بعض الحوادث البسيطة، كأحاسيس الانقباض في المعدة أو آلام الصدر أو عندما يكاد رأسنا ينفجر من شدة الحزن أو الغضب أو لأي سبب آخر. وكثيرة هي الشكاوى التي نراجع بسببها الطبيب ليقول لنا بعد إجراء الفحص بأن كل شيء على ما يرام وليس هناك من سبب للألم في القلب أو الرأس أو المعدة أو القولون ، وينصحنا بالراحة وعدم الإجهاد. وربما حوَّلنا إلى متخصص نفسي للاستفسار  عن وجود مشكلات مهنية أو صراعات أسرية .

وفي الواقع فإن بعض المشكلات و الإرهاقات  المهنية والصراعات الأسرية يمكن أن تعبر عن نفسها على شكل آلام وأوجاع مختلفة خصوصاً عندما تكون هذه المشكلات والصراعات من النوع الذي لا يستطيع الفرد التغلب عليه بسهولة . إنها تستطيع إثارة الآلام الجسدية المختلفة. وعندما تتثبت أو تتجلى  هذه المعاناة المُعَذِّبة على شكل مرض جسدي واضح فإننا نطلق عليها تسمية المرض النفسي الجسدي. ومن حيث المبدأ يمكن  لكل عضو من أعضاء جسدنا أن يستجيب بشكل مرضي على الخوف والتكدر والشعور باليأس، على الرغم من أن  الشخص غالباً ما يكون  من الناحية العضوية سليماً. ولعل تجربة ابن سينا حين ربط كل من الحمل والذئب في مكان واحد بحيث لا يستطيع الذئب الوصول إلى الحمل، والتي قادت إلى موت الحمل ، إحدى التجارب المبكرة في هذا المجال التي تحاول اكتشاف الارتباط بين الانفعالات والجسد. 

ومن جهة أخرى فإن  المشكلات والإرهاقات المهنية والصراعات الأسرية يغلب أن تتجلى على شكل  اضطرابات نفسية  كالاكتئابات والمخاوف والقسر، أي ما يسمى بالاضطرابات ذات الشكل العصابي، والتي لا يجوز هنا الخلط بينها وبين الاضطرابات والأمراض النفسية الجسدية أو التي تسمى حديثاً الاضطرابات النفسية ذات الشكل الجسدي أو الاضطرابات الفيزيو نفسية. ولكن ليس نادراً أن تختلط الاضطرابات العصابية النفسية مع الاضطرابات النفسية الجسدية.

وفي أحيان كثيرة يقف الطبيب عاجزاً أمام مثل هذه الأمراض بسبب عجز الأدوية عن تحقيق الشفاء، بل في كثير من الأحيان يمكن أن تكون الأدوية ضارة سواء من ناحية التأثيرات الجانبية وإمكانات التعود عليها أم من ناحية أنها تدفع المريض للاستسلام لآلامه وترسيخ الاعتقاد لدية بوجود خلل عضوي، وإبعاد مسؤوليته الشخصية عن آلامه. فالدواء يرمز إلى أن الأسباب خارجية وغير متعلقة بالمريض وبالتالي تعفيه من تحمل المسؤولية الذاتية.

ومن واجب المريض هنا أن يكون أكثر فاعلية  وأن يبحث عن الأسباب  الكامنة خلف آلامه وشكواه. وقد تكفي بعض التوجيهات البسيطة والمعلومات التوضيحية من الطبيب أو المتخصص النفسي الإكلينيكي كي يتمكن المريض من مساعدة نفسه. ومن المهم هنا أن يدرك المريض أنه لكل إنسان حاجات مختلفة،  وعندما يتم قمع أو  كبت هذه الحاجات وعدم الاعتراف بها فإنها ستعبر عن نفسها بطريقتها ، أي يمكن أن تقود إلى الاضطرابات النفسية الجسدية. 

 

التفاعل بين الجسد والنفس

ليس هناك اتفاق حتى الآن حول مصطلح (( النفسي الجسدي )) الذي ظهر في ثلاثينيات وأربعينيات هذا القرن على يد المحللين النفسيين الألمان المهاجرين إلى الولايات المتحدة الأمريكية والطب النفسي  الأمريكي ، ويوجد حول هذا المصطلح رؤى مختلفة تتمثل في الرؤية التقليدية للطب ، أي  بشكل مبسط البحث عن علاقة سبب بنتيجة والرؤية المنطلقة من الوحدة البيولوجية والنفسية والاجتماعية للإنسان. وترى الرؤيا التقليدية للطب أن المرض النفسي الجسدي يتمثل في أنه على الرغم من عدم وجود مرض عضوي محدد فإن المريض يشكو من أوجاع وشكاوى مختلفة ليس لها سبب واضح ( بعد ) ، أو أن    العوامل النفسية تسبب بوضوح حدوث مرض جسدي ما ، كالقرحة الهضمية مثلاً. وهي أمراض يمكن معالجتها بالطرق التقليدية للطب كالأدوية وحدها أو بالتدخل الجراحي. فالطب التقليدي من هذه الزاوية يرى أن المرض النفسي الجسدي عبارة عن فئة من الأمراض كأمراض الاستقلاب أو الأمراض المعدية. وقد قادت هذه الرؤية الطب التقليدي إلى أزمة في الربع الثاني من هذا القرن بسبب عجز هذا المفهوم للمرض من الإجابة عن تساؤلات كثيرة ونشوء التحليل النفسي الذي قلب المفهوم التقليدي السائد حول المرض . أما الرؤية الأخرى فتنطلق من كلية الإنسان ، من أنه عبارة عن وحدة تفاعلية بين العوامل الجسدية والنفسية والاجتماعية.إنها تنظر للإنسان ككائن بيولوجي مغروس في شبكة اجتماعية معينة تحدد له في كثير من الأحيان  الكيفية التي عليه أن يستجيب بها لإرهاقات وتفاعلات معينة و الطريقة التي عليه أن يمرض بها ويسهم هو كذلك بدوره في هذه التفاعلات من خلال أسلوب استجابته  ووفق هذه الرؤيا يؤثر كل اضطراب نفسي  أو اجتماعي على الجسد وكل اضطراب جسدي على النفس ولكن ليس بطريقة خطية وحيدة الاتجاه وإنما بطريقة تفاعلية دائرية متشابكة التقاطعات. . وعندما يتم تجاهل أحد هذه الجوانب فإن العلاج غالباً ما لا يقود إلى نتائج مثمرة  مهما بلغت دقة التقنية المستخدمة وفاعلية تأثيرها.ومعروفة هي مثلاً التأثيرات المختلفة للمادة نفسها على أشخاص مختلفين. فمن يحقق مكاسب ثانوية مثلاً عن طريق المرض كالحصول على مزيد من الاهتمام والرعاية وتنازل الآخرين عن حقوقهم له فلن تؤثر فيه الأساليب العلاجية التقليدية التي لا تأخذ هذا التشابك البيولوجي النفسي الاجتماعي بعين الاعتبار. كما وهناك تشكيلات أو منظومات  اجتماعية وأسرية تحافظ على العرض المرضي من أجل تحقيق توازن معين في المنظومة لأن الشفاء سيولد بلبلة في توزيع الأدوار والتوازنات.  ولا توجد حدود بين هذا التفاعل الدائم من ناحية الشخص، ولكن من ناحية المعالج لابد من وجود حدود ضرورية  بسبب عدم وجود أي مجموعة مهنية تستطيع الادعاء بأنها تمتلك وحدها الكفاءة اللازمة لمراعاة جميع الجوانب. وهنا ينبغي على من يتعامل مع مثل هذه الأمراض أن يكون على دراية جيدة بحدوده وإمكاناته، سواء أكان طبيباً  أم معالجاً نفسياً، وأن يقوم  بتحويل المريض الذي يشكو من أوجاع نفسية جسدية كل إلى المتخصص  الآخر إذا ما وجد أحدهما   أن مساعدته  لم تأت  بالنتائج المرغوبة.

وهناك رؤية تقول بأن كل مرض هو في النهاية مرض نفسي جسدي، غير أن هذه الرؤيا عبارة عن رؤية أحادية الجانب. فليس وراء كل إصابة بالأنفلونزا  مثلاً مشكلة نفسية إذ أن كثير من الأمراض تكون عضوية خالصة كما وأن بعضها يكون موروثاً. وعلى العكس كذلك فإن بعض المشكلات ذات طبيعة  اجتماعية – نفسية.  والرؤية الكلية للوحدة التفاعلية بين الجسد والنفس وحدها تتيح لنا  إمكانية معرفة الحدود التخصصية والطبيعة البيولوجية الاجتماعية – النفسية للأمراض.

وفي الواقع فإن كل مريض يعرف بنفسه فيما إذا كانت شكاواه وآلامه على علاقة  بطبيعة حياته أو بعلاقاته المُعاشة. ولا يحتاج المتخصصون سوى إلى تأكيد ذلك له في غالبية الأحيان ( ويتجلى ذلك من خلال جمل وعبارات مثل لقد ” طقَّت مرارتي من شدة قهري ” ” مديري سيسبب لي الجلطة بتصرفاته “) . وفي أحيان أخرى يتمثل دور المتخصص في مساعدة هذا الشخص على إدراك  هذه المعرفة و تقبلها. والمؤشرات التي يمكن للمتخصصين وللمريض والأقارب تفسيرها تتمثل في  علاقة الشكاوى ونموها بأزمات معينة في الأسرة أو في الحياة الزوجية أو في المهنة بشكل خاص. و انطلاقاً من النظرية المنظومية في فهم التشكيلات الأسرية والاجتماعية والتي تفسر هذه العلاقات بما يشبه نظرية الأواني المستطرقة، أي كل خلل في جانب ما سيقود إلى محاولة التوازن من الجانب الآخر، يتضح اليوم أكثر فأكثر بأن المريض حامل العَرَضْ ليس وحده  المسؤول عن مثل هذه الأزمات وليس وحده هو المريض  وإنما للآخرين كالأسرة والزوج  مسؤوليتهم في المشاركة بذلك أيضاً  وأن المنظومة ككل قد تكون مريضة وما المريض إلاّ حامل لعَرَضْ المنظومة ككل وبشكل خاص لدى الأطفال الذين غالباً ما يعبرون عن أزماتهم النفسية الناجمة عن خلل العلاقات الأسرية من خلال الأعراض المرضية التي تهدف إلى تخفيف حدة الصراعات والمشاحنات وإعادة التوازن للمنظومة  من خلال الاهتمام بالمرض أكثر من المشكلات. وفي واقع الأمر تشير الدراسات في هذا المجال إلى انخفاض نسب الطلاق وحدة المشكلات النفسية في الأسر التي تمتلك طفلاً مريضاً بمرض نفسي جسدي مزمن على الرغم من أن حدة الإرهاقات والمشكلات الناجمة عن المرض أكبر مما هو الأمر عليه لدى الأسر التي لا تمتلك طفلاً مريضاً . وعلى المعالج هنا فهم هذه الارتباطات، بدون اتهام أي شخص بها وتحميله الذنب . وهذا الشيء بالذات أمر صعب جداً.

ويمكن القول بشكل مبسط أن الأمراض والاضطرابات النفسية الجسدية تنشأ كتعبير عن أن أسلوب الحياة والتفكير السائد حتى الآن عند الشخص  لم يعد صالحاً  لحل المشكلات الجديدة الناشئة أو لهذه المرحلة من الحياة. إنها تنشأ كنتيجة مباشرة أو غير مباشرة لنمط الحياة المتبع حتى الآن، والخَطِر في كثير من جوانبه بدون أن يعي الفرد خطورة هذا النمط بالضرورة، لأنه ربي على هذا الأسلوب وتعلمه فأصبح جزءاً منه، جزءاً من شخصيته وعاداته. كما و تنشأ نتيجة أسلوب الحياة العصرية التي تجبرنا على قمع انفعالاتنا ومشاعرنا ولا تسمح لنا بالتعبير الصريح عنها إلى درجة لا نعود ننتبه فيها إلى هذه المشاعر وكيفية عملها وتأثيرها فينا، بل وننساها أحياناً لتعود وتعبر عن نفسها بأسلوبها الرمزي وفق مبدأ الحتمية النفسية في التحليل النفسي أو التنافر بين ما هو قائم وبين ما يرغبه الفرد وفق رؤية روجرز. بالإضافة إلى ذلك يعتقد بوجود  مناطق ضعف مبرمجة بيولوجياً تسهم في أن هذا الشخص يصاب بصداع وآخر بالقرحة المعدية أو بالتحسس الجلدي وهي رؤيا نادى بها الكسندر في أواسط هذا القرن و تقول بوجود تشكيلات معينة من الصراع تقود إلى أمراض نفسية جسدية معينة وبوجود مناطق في الجسد قليلة الإثارة ومناطق أخرى مفرطة الإثارة  محددة بنيوياً .  وهناك جدل حول هذه الرؤيا ، غير أن لها ما يبررها بشدة أيضاً. وهناك كذلك عوامل البيئة كالظروف المهنية غير الملائمة والمشحونة بالصراع والظروف السكنية غير المناسبة والعلاقات الأسرية والاجتماعية والظروف الاقتصادية  ووجود ملوثات معينة في الأرض والماء و  الهواء. ويطلق العلماء على هذا تسمية التسبيب متعدد العوامل.

أما كيف يحصل التثبيت أو تمركز العرض ، أي التجلي الواضح للمرض الجسدي وأحياناً التضرر العضوي الفعلي فذلك يتعلق بالتمسك  الأحادي الجانب حول أسباب المرض وبالطرق القديمة من الحلول، أي  من خلال مكافحة الأعراض بالأدوية أو بالبحث عن المذنب والتوقعات المبالغ بها التي يحملها المريض تجاه الطبيب صانع المعجزات . كل هذه الأشياء تعيق تحمل المسؤولية الذاتية  اللازمة للمريض وللأقارب في البحث عن الحل.

تــمـرد الجــســد

عندما تصل الصراعات اللاشعورية  إلى مرحلة يصبح فيها الجهاز النفسي غير قادر على الحفاظ على الضغط الداخلي ضمن سيطرته وعندما يرفض الجسد الاستمرار في اللعبة اللاشعورية  التي نمارسها وتفشل  وسائل دفاعنا  في الحفاظ على التوازن ، أو عندما يصل التنافر إلى مرحلة عدم إمكانية تحقيق الانسجام بين مفهوم الفرد لذاته وبين الممارسة الواقعية لهذا المفهوم أو عندما يتهدد نظام المنظومة بالانهيار نتيجة عدم التوازن في علاقات المنظومة الاجتماعية أو الأسرية  يتمرد جسدنا  علينا بأسلوبه الخاص بإجبارنا على حل الصراعات أو التنافر المسبب للصراعات  وإن كان ذلك بطريقة رمزية ولا شعورية على الغالب، و على حساب إحساسنا الجسدي بالراحة والعافية أيضاً. إنه يتمرد حتى لو كان في ذلك إحساس بالألم الجسدي، ولكن ربما كان الألم الجسدي أخف وطأة من الألم النفسي. وفيما يلي أمثلة عن أشكال هذا التمرد:

عصاب القلب  بين الاستقلالية والاهتمام

عصاب القلب تسمية قديمة صنفها فرويد ضمن عصابات القلق وشهدت في سبعينيات وثمانينيات هذا القرن جدلاً كبيراً حول تصنيفها كصورة مرضية مستقلة، ويطلق عليها البعض آلام القلب الوظيفية وتتمثل في مخاوف المريض  المتمركزة حول القلب و يمكن أن تؤدي إلى الإصابة بأعراض شبيهة بالذبحة القلبية بدون أي سبب عضوي لذلك، أي بتسرع مفاجئ للقلب ( نوبات هلع ) وارتفاع في ضغط الدم وارتجاف وتعرق واضطرابات في النظر وتنفس متسرع ودوار ولكن بدون الإصابة بالإغماء. ويعاني المريض من خوف مرعب وخوف من الموت بالقلب، حيث تستمر النوبة بين دقائق معدودة حتى عدة ساعات أحيانا. وغالباً ما يظهر بين سن 18 -40 لدى كلا الجنسين مع ميل لغلبة الأعراض بين الذكور. و تظهر النوبات بفواصل تتراوح بين بضعة أيام حتى بضعة أسابيع.

وتظهر بين الفترات الخالية من النوبات مجموعة من الآلام كأوجاع القلب وعدم الاستقرار الداخلي والأرق  والضعف وآلام في الجهاز المعدي والمعوي وخوف من مواقف متنوعة وانحطاط عام. وعلى الرغم من أن الأعراض تشبه أعراض الذبحة القلبية إلاّ أن القلب وجهاز الدورة الدموية يكونا سليمين كلية بل أن الدراسات تشير إلى   العكس  من ذلك. فاحتمال أن  يتطور الأمر إلى ذبحة قلبية حقيقية لدى مرضى عصاب القلب أمر نادر الحدوث، على الأقل ليس أكثر من احتمال إصابة أي شخص آخر سليم بذبحة قلبية من السكان ككل. ولا يوجد أدوية فعلية لمعالجة عصاب القلب،  أو لإزالة نوبات الخوف والقضاء عليها، بل أن كثير من الأدوية يمكن أن تسبب كتأثير جانبي لها أعراض آلام قلبية عصابية.

وتكمن أسباب الخوف المرعب الذي يعيش فيه عصابي القلب في الخوف من الانفصال والفقدان. و ينشأ خوف الانفصال هذا   منذ الطفولة بسب التعلق الشديد بين الطفل والوالدين ( الأم بشكل خاص ) ، التي تعيق نمو الاستقلالية عند طفلها من خلال خوفها المفرط الذي تعاني منه  لا شعورياً هي أصلاً   وينعكس في خوفها المبالغ به على طفلها . وفي مرحلة الرشد يتم نقل هذه التعلقية إلى الشريك  ( الزوج أو الزوجة ) أو إلى أي شخص موثوق آخر يحل محل الأم رمزياً. فعصابي القلب تعوزه الشجاعة للاستقلالية هذه الشجاعة التي يمكن أن يستمدها من أم تحبه ، ولكنها غير خوافة ولا مفرطة الاهتمام به. وهذا هو في الواقع جوهر الصراع اللاشعوري لدى عصابي القلب ، أي الرغبة في التعلق بشخص يحبه وفي الوقت نفسه  الرفض اللاشعوري لهذا التعلق الحامي والمفرط القلق  وبالتالي الرغبة بالاستقلالية. وهو ما نطلق عليه تسمية صراع الإقدام الإحجام . وغالباً ما يكون منطلق الأعراض أو النوبة المفاجئ  من خلال التهديد الفعلي أو المتصور بانفصال الشريك ( كالطلاق أو موت الزوج أو الزوجة أو حتى مجرد تصور هذا أو التلويح به ). فعلى الرغم من أ، المريض يخاف من زوال تعلقيته بالآخر ، إلاّ أنه يأمل دائماً  بالاستقلال وتذوق طعم الحرية .

ويمكن التمييز بين نمطين من الشخصية ضمن بنية الشخصية لدى مرضى عصاب القلب يتميز الأول بالتعلق القلق والواضح بشخص ما و يسعى للحفاظ على صحته ويتجنب أي نوع من الإرهاقات الجسدية  ويراقب  بقلق وبشكل دائم نشاط قلبه بكل تفاصيله ، ولا يندر أن يقود نفسه من خلال هذه المراقبة إلى حدوث نوبة الهلع. ويمتلك هذا النمط القناعة المطلقة بأنه مريض جداً. أما النمط الثاني فيتميز  بأنه يحاول الدفاع عن نفسه ضد أي شكل من أشكال التعلق ويتميز أصحابه بالنشاط ومحاولة برهان إمكاناتهم الذاتية  وبشكل خاص من خلال النشاطات الرياضية، ولا يستطيعون تحمل كونهم ضعفاء أو مرهقين أو تعبين  ويكافحون باستمرار ضد هذه المشاعر. وغالباً ما تقود السلبية والاسترخاء  والأدوية المهدئة لديهم إلى تزايد في عدد النوبات. وخلف هذه الارتكاسات غالباً ما تكمن الرغبة بالدفْ الانفعالي والأمان والثقة والخوف من العالم المرعب.

وتتمثل الخطوة  الأولى للشفاء من إقرار المريض بأن سبب آلامه يكمن في النفس وأخذ ذلك على مأخذ الجد. فبقاء عصاب القلب بدون علاج يقود في النهاية إلى الاكتئاب . ومن المهم أن يصبح المريض أكثر استقلالية ويتمرن أكثر فأكثر على تحمل مسؤولية ذاته. وهنا يمكن لطبيب متفهم أو لمعالج نفسي أن يقدم المساعدة . وللأسف فإنه مع التقدم الحديث في الأجهزة التقنية الطبية التي غالباً ما يتم استخدامها للبحث عن  أسباب عضوية وخصوصاً من الطب العضوي التقليدي يتم تجاهل الأسباب النفسية ومفاقمة التمركز العضوي بلا نتيجة. وغالباً ما تطلق على هؤلاء المرضى عندئذ تسمية مرضى المراق ( التوهم المرضي ) أو المرضى الكاذبين مع تجاهل العوامل النفسية في فهم المرض.

ويمكن لأفراد الأسرة والأقارب أن يساعدوا  المريض على الشفاء من خلال اهتمامهم به ومساعدته على تخطي مرحلة الانفصال. ولكن لابد من الحذر هنا من عدم جعله يتعلق بهم  من خلال الاهتمام الزائد عن الحد . ومن المهم جداً إتاحة الفرصة للمرضى وخصوصاً الشباب منهم لاختيار طريقهم بأنفسهم وعدم تقييدهم بقيود الأهل ورغباتهم ومساعدتهم على تنمية الاستقلالية خارج المنزل.

ارتفاع ضغط الدم وارتباطاته النفسية

يعتبر  ارتفاع ضغط الدم من الارتكاسات الطبيعية على المتطلبات من جميع  الأنواع وخصوصاً في المواقف المثيرة والمسببة للتوتر. ولكن الارتفاع المستمر لضغط الدم يحمل معه عواقب وخيمة. ومشكلة ارتفاع ضغط الدم أن المريض لا يلاحظ ذلك على الإطلاق، حيث يشعر على الأغلب بالصحة والعافية. لذلك يغلب أن يتم اكتشاف وجود ضغط دم مرتفع في أثناء إجراء الفحوص الروتينية أو في سياق مرض آخر . فإذا ما تم التأكد بعد سلسلة قياسات مختلفة من وجود ارتفاع في ضغط الدم فلا بد من البدء بالعلاج بسبب الآثار المضرة المحتملة لارتفاع ضغط الدم كتبدل جدران الأوعية أو اضطراب التروية الدماغية التي تسبب الشعور بالدوار  وتراجع الذاكرة واضطرابات في الرؤية . كما ويمكن أن يسبب الضغط المرتفع  الذبحة القلبية أو السكتة الدماغية. وقد ساد الاعتقاد لفترة طويلة أن ضغط الدم يرتفع بشكل طبيعي مع التقدم في العمر، غير أن هذه الفرضية باتت اليوم غير صحيحة ، ومن هنا   لابد من أخذ ارتفاع الضغط الشرياني في سن الشيخوخة مأخذ الجد وعدم إهماله.

وتتصف شخصية مرضى ارتفاع الضغط الشرياني بأن هؤلاء المرضى يعيشون مع الشعور بأن عليهم توكيد أنفسهم وإثبات ذاتهم. وغالباً ما لا يستطيعون العيش إلاّ تحت ضغط الوقت. وهذا الاتجاه الحياتي لا يتم اكتسابه من خلال التربية فحسب وإنما من خلال مجرى الحياة ككل. وكثير من المرضى يقومون بإخفاء مشاعر كالخوف والغضب والحنق عن المحيطين بهم وبالتالي يسهمون بتضخيم توترهم الداخلي. ويتحررون  بشكل مؤقت عندما يتمكنون من تفريغ غضبهم ، إلاّ أن هذا التفريغ غالباً ما يكون عندئذ شديداً لدرجة أنهم يصطدمون بارتكاسات المحيطين بهم ، وبالتالي تزداد سيطرة المريض على نفسه أكثر فأكثر كي لا يصطدم بمثل هذه الارتكاسات . وحتى عندما يكون مفرط النشاط ومستعد للبذل والعطاء فإنه يعتقد أن الآخرين يستغلونه أو أنه لا يلقى الاعتراف المناسب من قبلهم، الأمر الذي يقود إلى ارتفاع شدة الميول العدوانية تجاه الأشخاص المحيطين به.

ويمكن للتوتر والغضب في الأسرة أو مع الزملاء في العمل أن يجعل الضغط الدموي دائم الارتفاع. ويشكل التبديل المستمر لمكان العمل والسكن  خطراً إضافياً لارتفاع ضغط الدم مقارنة بالأشخاص الذين يعيشون ضمن شروط حياتية مستقرة . في كل هذه الأشياء يشعر المريض بالخيبة ويحاول تحقيق تعويض بديل عن خيبته من خلال ازدياد الطعام والشراب . وبالتالي يزداد إرهاق القلب والدورة الدموية وبالتالي خطر الإصابة بالذبحة القلبية.

وبسبب عدم شعور المريض بارتفاع ضغط الدم بالمرض فإنه على الغالب لا يقوم بتناول الدواء بصورة منتظمة. وهذا الأمر على غاية الخطورة فالتناول المنتظم للأدوية يخفف من العواقب الخطيرة لارتفاع الضغط. غير أن الدواء ليس هو الإمكانية الوحيدة بحد ذاتها لتخفيض ضغط الدم فالتغذية الصحيحة المتوازنة  والنوم الكافي وتنظيم أوقات الفراغ يمكنها خفض ضغط الدم. كما ويمكن تعلم طرق الاسترخاء الذاتي وطرق سلوكية أخرى تساعد على تخفيض ضغط الدم واستقراره.

البحث عن الأمان والرعاية لدى مرضى القرحة المعدية

تغلب ملاحظة القرحة المعدية والإثنى عشري في أواسط العمر تقريباً وغالباً ما تظهر بشكل مفاجئ أو تعود للظهور بعد مرحلة من الشفاء. وفي القرحة المعدية يشعر المريض بمشاعر الضغط والشعور بالامتلاء بعد الطعام وآلام في المنطقة العليا من البطن بالإضافة إلى التجشؤ و التقيؤ. أما في حالة قرحة الإثنى عشري فتظهر الآلام عندما تكون المعدة فارغة و تشتد الآلام ليلاً، وتتراجع عند تناول الطعام.

وغالباً ما يشعر المرضى بالتعب السريع وآلام في الأعضاء وصداع وأرق. أما الوضع النفسي فيتميز برغبات الأمان المكبوتة والحنين والشعور بالوحدة.

تسهم في الإصابة بالقرحة المعدية عوامل البيئة كالضجيج والعمل في ورديات ومتطلبات الإنجاز المتزايدة ونقص الدفء الانفعالى الإنساني والأمان. إلاّ أنه لدى غالبية الناس يمكن أن يظهر الاضطراب نتيجة وجود استعداد ولادي . فمن خلال فرط النشاط في منطقة البطن والأمعاء يصعب على الطفل الاسترخاء في أثناء تناول الطعام. ويصح هذا بالتحديد عندما لا يراعي الأهل فرط حساسية طفلهم، عندئذ فلن يشعر هذا الطفل بالارتباط بين تناول الطعام والإحساس بالأمان . إن الإحساس بعدم امتلاك الشعور بالأمان ولو لمرة واحدة  بشكل صحيح يمكن أن يستمر طوال الحياة  ويتجدد باستمرار في أثناء الطعام بالتحديد ومن ثم يتم         ” ابتلاعه ” ثانية …وهكذا.

يتعرض الأشخاص الذين يهاجرون  من وطنهم لأسباب مختلفة للإصابة بالقرحة الإثنى عشرية وكذلك الذين يشعرون بالوحدة الشديدة أكثر من غيرهم. ويعيش المرضى في صراع دائم . ففي المهنة يتنافسون مع الآخرين باستمرار على الرغم من أنهم يبحثون في الآخرين عن القرب والتعلق. إنهم يريدون الاستقلالية و مودة الآخرين في الوقت نفسه ويشعرون بأن عليهم دائماً إثبات قوتهم لشريكهم الذي يشعرون بأنهم متعلقون به.

وبالنسبة للشفاء من المرض فإنه من المهم أن يفهم  المريض رغباته ويتعلم التعبير عنها أمام الآخرين . وعلى الرغم من أن البذل المهني مرغوب ، إلاّ أنه ينبغي عدم المبالغة به . ولابد للمنافسة المستمرة مع الآخرين من أن تحمل الكثير من الخيبات في طياتها، التي لا يستطيع المريض تحملها ، كما وأن الخوف من فقدان العمل يمكن أن يقود إلى إرهاقات شديدة. وعندما تفشل الوسائل الطبية والحمية في تحقيق التحسن لابد من إعادة النظر في الوضع الحياتي .

القولون المتهيج والتعبير عن المشاعر

غالباً ما يستجيب القولون ( جزء من المعي الغليظ ) على الاضطرابات النفسية . ويظهر هذا المرض الذي يكون فيه القولون سليماً من الناحية العضوية لدى الراشدين في أواسط العمر وأواخره  وكذلك لدى الأطفال أيضاً ، حيث يعاني المرضى من التبادل المستمر بين الإسهال والإمساك، ويترافق القولون المتهيج بآلام مختلفة الأنواع كالآلام في أسفل البطن والغازات والشعور بالامتلاء  والتشنجات ووخز الصدر وآلام في القلب من خلال ابتلاع الهواء  وأرق وانحطاط في الجسم وصداع وعصبية وعدم استقرار داخلي. وبما أن الآلام في أسفل البطن يمكن أن تشير إلى أمراض مختلفة يقوم المرضى بإجراء فحوصا داخلية متنوعة إلى أن يصبح المرض مزمناً ومعاندا  على المعالجة الدوائية في أغلب الأحيان.ذلك أن المرضى يبتعدون أكثر فأكثر عن رؤية الأسباب النفسية.

  يمكن لخبرات القلق كمواقف الامتحان و المعلمين والمديرين أو الرؤساء  والأهل …الخ. أن تسبب تهيج القولون. وغالباً ما لايتم إدراك التعلق بممثلي السلطة شعورياً ، بل وتتم إطاعتهم بشكل خواف. وبدون المساعدة الخارجية يبدو أنه من غير الممكن تحقيق الإشباع من هذا التعلق. وبعض المرضى يبدون بأنهم مقدامون ومتلائمون ومسيطرون على ذاتهم. إنهم يموهون خوفهم من خلال الظهور بمظهر الجرىء الفعال.  وعلى الرغم من أنهم يرغبون بالتقارب المنسجم مع ممثلي السلطة فإنهم يبدون  غامضين لمحيطهم .

على الأصدقاء والطبيب مساعدة المريض في التعبير عن مشاعره وعلى إعادة التفكير بتلاؤمه المفرط . وعلية التعرف على عدم ثقته والاعتراف بالضعف. بل ربما عليه كذلك أن يدرك أن سلبيته قد تكون نقطة قوة وبشكل خاص في عصر يعد فيه للأسف الإنسان العملي ( أو الذرائعي ) أفضل من الإنسان الأمين والموثوق.

اضطرابات الطعام ونداء الاستغاثة

الطعام هو أكثر من مجرد تناول الغذاء ، إنه يرمز للصداقة والترابط ويجمع الأسرة والأهل والأصدقاء  معاً.  ويشكل وسيلة من وسائل التواصل بين البشر بل ويثير هذا التواصل أيضاً وفي الوقت نفسه يمكن للإنسان أن يجد في الطعام تعويضاً لإحباطاته ومشكلاته.

فإلى جانب فرط الشهية للطعام التي ترتبط بنوبات من الأكل الشره  و مع الوزن الزائد و مع التقيؤ في غالبية الأحيان يمكن أن يظهر في الجانب المقابل نقص الشهية للطعام، الذي يمتنع فيه المرضى عن تناول الطعام و يقومون بتقيؤ الطعام كذلك. ويشكل مرضى الضوَّر الفئة الثالثة من هؤلاء المرضى. وهؤلاء عبارة عن أشخاص يمتلكون وزناً طبيعياً، إلاّ أنهم يعانون من نوبات فرط الأكل يتناولون فيها كميات كبيرة من الطعام دفعة واحدة يعقبها بعد ذلك تقيؤ الطعام الذي تم تناوله. ونوع رابع يلاحظ في منطقتنا العربية يتميز بالفقدان المتطرف للشهية  مع عدم القدرة على تناول كمية وافية من الطعام لسد حاجات الجسد ولا يعاني فيه المرضى من نوبات  الأكل ولا يقومون بالتقيؤ . ويظهر هذا الاضطراب بشكل غالب لدى النساء أكثر من الرجال  فحوالى 90% من مرضى هذا النوع هن من النساء لذلك تتحدث المراجع المتخصصة حول هذا الاضطراب بصيغة المؤنث في وصف المرضى. ويسير المرض بصورة مزمنة وغالباً دون ملاحظة المحيط لنوبات الأكل والتقيؤ. ويشكل هذا الاضطراب تهديداً حقيقياً للحياة وخصوصاً في فترة المراهقة، وعامل خطر على القلب والدورة الدموية  لأنه يسبب ارتفاع ضغط الدم كما ويمكن أن يؤدي إلى الإصابة بالسكري.

غالباً ما يعاني مرضى فرط الشهية للطعام من الاكتئابات ومشاعر الذنب، لأنهم  يتمردون على والديهم من خلال نوبات الطعام والتقيؤ. وفي كثير من الأحيان يصبح هؤلاء سمان بحق . وبما أن السمنة الزائدة لا تلقى الاستحسان ( عند الفتيات اليافعات وقبل الزواج بصورة خاصة في مجتمعاتنا العربية ) لأنها لا تتطابق مع معيار الجمال السائد الذي تغذيه كل يوم عشرات الإعلانات والصور  يعاني المرضى بهذا الاضطراب من إحباطات إضافية.

وبالمقابل فإن فاقدي الشهية  قلما يشعرون بالمعاناة  من اضطرابهم، إنهم يشعرون بالراحة الجسدية والنفسية حتى في الحالات المتطرفة من انخفاض الوزن فإنهم يعتبرون وزنهم طبيعياً. ويشعرون بالانزعاج من كل ما هو جسدي ، بل أن اهتماماتهم غالباً ما تكون ذهنية خالصة، يقومون بحمايتها من خلال المرض، ذلك أن التجويع يعطي تأثيراً مخدراً . فتحت تأثير الجوع يطلق الدماغ الاندروفينات وهي مواد مخدرة يتعود عليها الجسد ويطلب كل مرة المزيد من الأندروفينات التي تعني مزيداً من التجويع.

وفي كثير من بلدان العالم يلاحظ ازدياد فرط الشهية مع التقدم في السن. وبشكل خاص لدى الأشخاص الذين يعيشون ضمن ظروف اجتماعية غير مناسبة فهؤلاء  يفترسون همومهم . ويشعر المرضى بأنهم معزولون ومغبونون في بيئتهم. إنهم يعانون من الخوف من الوحدة  ويشعرون بالملل ويجدون في الطعام تنفيساً لاشعورياً. وإذا ما فقدت النسوة شريك حياتهن بالموت أو الطلاق يمكن لفرط الشهية أن يظهر لديهن. والأم التي تميل إلى مواساة هموم طفلها اليومية من خلال تقديم الطعام له بدون محاولة فهم ما يقلقه أو يزعجه، فإنها بذلك تشجع الميل لدى طفلها لأن يعاني في سن الرشد من الوزن الزائد، لأن تخفيف القلق سيرتبط لديه مع تناول الطعام. كما وأن الفتيات والنسوة اللواتي يبالغن في مثال النحافة غالباً ما يصبحن من مرضى فقدان الشهية . فكثير منهن قد مررن بخبرة الرفض من الآخرين عندما يزداد وزنهن قليلاً، وبالتالي يغرقن في قسر التجويع، الذي يعني التقبل. وهناك مواقف أخرى  يمكن أن تثير السمنة  وفقدان  الشهية كالصراع على السلطة بين الأم وابنتها، ورفض الدور الأنثوي، وعدم وجود انفصال  داخلي عن منزل الوالدين، الذين غالباً  ما يكونا قد قمعا وكبتا  رغبات الاستقلالية عند الفتاة في فترة المراهقة.

ويمكن للمعالجة النفسية المتمركزة حول المتعالج أو العلاج السلوكي أن يساعدا على إيجاد أسباب فرط الأكل . أما فقدان الشهية العصبي فهو مرض شديد و معاند ويحتاج للعلاج في مشفى متخصص بالطب النفسي الجسدي . ولكن في حالة عدم وجود نحافة شديدة زائدة كثيراً عن الحد الطبيعي يمكن للأهل والأصدقاء مساعدة الفتاة من خلال الحديث حول المعيار المثالي للنحافة. كما ويمكن لتشجيع الصداقات مع الأتراب وتنمية الاستقلالية عن الأهل  أن تساعد في هذا المجال.إلاّ أنه في يغلب في أحيان كثيرة وجود صراعات أسرية  يتم التعبير عنها من خلال النزعة للطعام ، وعندئذ لابد من العلاج الأسري الذي يمكنه أن يقدم المساعدة في هذا المجال.

الاعتراف والشرح في اضطرابات الدورة الشهرية

غالباً ما تكمن  الأسباب النفسية الجسدية  خلف الاضطرابات الجنسية واضطرابات الإنجاب لدى الجنسين . أما أكثر الشكاوى التي تشكو منها النساء عادة فهي اضطرابات وأوجاع الدورة الشهرية. يقع المجال الزمني الطبيعي  للدورة الشهرية بين 20 و 40 يوماً وذلك حسب الحالة النفسية . ومن هنا يصعب تحديد متى يكون عدم انتظام الدورة طبيعياً ومتى يكون مرضياً بالفعل. فلدى المرضعات مثلاً تنقطع الدورة خلال فترة الإرضاع . و لدى اللواتي يمارسن الرياضة القاسية يلاحظ وجود اضطرابات في الدورة الشهرية بسبب الإجهاد الشديد للجسد.  إلا أنه عندما تنقطع الدورة الشهرية لأشهر عدة أو تبدأ دائماً بشكل متأخر  فيمكن أن تكمن اضطرابات ما خلف ذلك. وغالباً ما تترافق الدورة عندئذ مع شكاوى أخرى كالتعب والتوتر والدوار وآلام تشنجية وصداع واكتئابات خفيفة تظهر قبل بدء الدورة بقليل.

تتعرض المرأة في كل مكان إلى ضغوط اجتماعية شديدة ومتنوعة. و إذا ما كان  الزوجان  غير قادرين على إنجاب الأطفال تحمل المسؤولية في بداية الأمر للمرأة، على الرغم من أن الرجل يمكن أن يكون غير قادر على الإنجاب أيضاً. وحتى عندما تتحطم الأسرة أو يحدث حمل غير مرغوب به فالمرأة هي التي تحمل مسؤولية ذلك بدون جدال. وبشكل عام فإن التوقعات الاجتماعية من المرأة عالية جداً، ويضاف إلى ذلك الإرهاقات المضاعفة من خلال الدور المزدوج في المهنة والأسرة.

ويرمز  نزيف الدم الشهري إلى الخصب والأنوثة ، ومن هنا يمكن لاضطرابات الدورة الشهرية أن تشير إلى الخبرة السلبية للدور الأنثوي . ويضاف إلى ذلك أن غالبية النساء يمتلكن خبرات سيئة من خلال المرة الأولى التي حدثت فيه الدورة  بسبب عدم التوعية المسبقة والخوف والمفاجأة الناجمة عن ذلك.

والنساء اللواتي يعانين من انقطاع الدورة أو عدم انتظامها غالباً ما يشعرن أن الدم عبارة عن شيء قذر أو شيء مريض. وهن يرفضن جسدهن من حيث المبدأ. وعندما تكون المرأة واقعة تحت ضغط شديد للإنجاز ، وقلما تحظى بالاعتراف، يمكن لذلك أن يؤثر على الدورة . وكثير من الفتيات اليافعات لا يردن تقبل دورهن كامرأة ناضجة، ويرغبن بالبقاء أطفالاً أو أن يكن رجلاً.

ولدى النساء الأكبر سناً أيضاً يمكن أن تكون اضطرابات الدورة الشهرية تعبيراً عن عدم الرضى عن دور المرأة في زواجها أو أسرتها. وتبدأ السن الحرجة ( ما يسمى خطأ بسن اليأس ) بين سن 42 و 55 ، ولكن ليس لذلك تأثير على الرغبات الجنسية.

ينبغي للأهل من التوعية المبكرة للفتاة حول الدورة الشهرية كي تستطيع الفتاة تقبل دورها الأنثوي وإتاحة الفرصة لها بالتساوي مع الذكور لتقرير مصيرها بالشكل الذي يناسبها. فالمرأة السعيدة يندر أن تعاني من مشكلات في العادة الشهرية  وبالتالي يمكن أن تؤثر بشكل إيجابي على تربية ونمو أطفالها.

النشاط والمتعة في الروماتيزم

تشكل الأمراض الروماتيزمية طائفة من أشكال الألم، التي ينبغي على الطبيب بالدرجة الأولى القيام بتشخيصها بدقة ذلك أن نفس الآلام يمكن أن تكون موجودة في أمراض عضوية مختلفة.  وحتى اليوم مازالت أسباب الأمراض الروماتيزمية غير معروفة بكاملها. وقد أمكن  استنتاج وجود ترابطات نفسية جسدية بشكل خاص في التهاب المفاصل الروماتيزمي  وروماتيزم البطن ( روماتيزم العضلات الوظيفي ).

ويتمثل تمرد الجسد هنا في أن المريض يعاني من آلام مبرحة في المفاصل والعضلات. وغالباً ما يلزم المرضى الفراش ولا يستطيعون النهوض بدون مساعدة الآخرين.

أما الأسباب الكامنة فتتمثل أنه منذ الشباب المبكر كان كثير من مرضى الروماتيزم قد شهدوا خبرة أن العالم بالنسبة لهم قاس وجاف. إنهم يعتقدون أن البقاء لا يمكن أن يدوم إلا من خلال النشاط والبذل والسيطرة. وتنشأ مشاعر الذنب لديهم عندما يخشى هؤلاء من أن بذلهم ونشاطهم يجعلهم غير محبوبين من قبل المحيطين بهم. ويخشى مرضى الروماتيزم دائماً من المنافسة المهنية ووقت الفراغ ، إنهم يريدون توكيد ذاتهم في النشاطات الرياضية  والحصول على الاعتراف . كما ويمكن أن يكون الأمر على عكس ذلك تماماً، وذلك عندما يرغب المريض بالروماتيزم خدمة محيطه والتضحية من أجل الآخرين فقط.

ويتميز مرضى روماتيزم المفاصل بشدة النشاط.  ويمكنهم أن يعبروا عن عدوانيتهم عن طريق الألم المستمر . وغالباً ما يتميزون بالدقة ووعي المسؤولية، ويعتقدون بالإضافة إلى ذلك بأنهم غير ناجحين . وبالمقابل فإن مرضى روماتيزم البطن يبدون دائماً بمظهر المحافظ على صحته ويتجنبون بمساعدة الألم التعرض لإرهاقات إضافية. غير أن هذا السلوك يمكن أن يقود إلى أن يزداد الألم  والتشنج شدة بسبب عدم الحركة. ويغلب أن يشكل المرض إمكانية للتملص من المسؤوليات.

ويمكن تخفيف الألم الشديد من خلال العلاج الفيزيائي. أما العلاج الدوائي بالأدوية المخففة للألم والكابحة للالتهاب  فلها عواقب سلبية على المدى البعيد. وحدها مضادات الاكتئاب  يمكن أن تكون ذات فائدة. ولكن ينبغي استخدامها باستشارة الطبيب. وهناك بعض الأدوية الطبيعية التي يمكنها المساعدة. ومن ناحية أخرى على المرضى أن يتعلموا التعبير عن رغباتهم  وأن يختاروا نشاطات تقدم لهم المتعة وليس تلك القائمة على المنافسة . وقد يقدم التعبير الصريح عن العدوانية الراحة لبعض المرضى . وقد  يقدم الاستشفاء الاستجمامي في منابع المياه الحارة الفائدة لأولئك المرضى الذين يفتقدون للدفء الإنساني والذين يرغبون أن يشعروا بمتعة الاعتناء بهم، شريطة أن يتم اختيار الاستشفاء وليس بناء على رغبة الطبيب .

تغيير إيقاع الحياة اليومية في الشقيقة

حوالي 90% من أنواع الصداع ككل لا يوجد لها أي سبب جسدي. وصداع الشقيقة يظهر لدى النساء أكثر من الرجال. وتعني الشقيقة  أن أحد نصفي الرأس لا تتم ترويته بشكل سليم، ذلك أنه في حالة التركيز المرتفع يعمل نصف الدماغ بشكل أكبر من النصف الآخر.

يعاني مرضى الشقيقة من ألم مبرح يستمر لساعات ويترافق ببرودة في الأقدام والأيدي وفرط حساسية للضوء والضجيج وبدوار وتقيؤ.  وبشكل خاص يستجيب المرضى بحساسية لسوء  التأقلم المترافق غالباً مع تبدلات الطقس  والتغذية غير الصحيحة  وعدم انتظام النوم  والإرهاق في العمل أو في الأسرة . وعادة ما يتم في الشقيقة  تناول المسكنات  التي ترفع مع الزمن من الحساسية للألم وبالتالي يمكن أن تقود للإدمان.

وتكمن  أسباب الشقية في أن مرضى الشقيقة يتوقعون من أنفسهم منذ الطفولة تحقيق إنجازات عالية، ويجهدون أنفسهم  عقلياً في العمل بشكل خاص وخصوصاً إذا كان العمل مرتبط بنقص في الحركة.  بالإضافة إلى ذلك يخافون من  عدم القيام بدورهم   بصورة كافية كآباء أو كأزواج أو في المهنة  إنهم لا يستطيعون الاسترخاء  حتى في أثناء النوم.

علاقتهم بالمحيطين بهم غالباً ما تكون غير شخصية ومتوترة. إنهم يتمنون  الاهتمام بهم أكثر ، غير أنهم من جهة أخرى يصدون الأشخاص الذين يتقربون منهم كثيراً. إنهم يحتاجون لمساحات كافية من الحرية  أنهم طموحون و دقيقون وشديدو   الصبر ويتحملون المسؤولية وينزعجون بسهولة. ولأنهم يريدون باستمرار  الكفاح و توكيد ذاتهم فإنهم غالباً ما يشعرون بالذنب تجاه المحيطين بهم.

إذا ما كان مرضى الشقيقة منذ الطفولة يسعون نحو الإنجاز وبالتالي يضعون أنفسهم تحت الضغط فإن العلاج النفسي يمكن أن يساعدهم هنا.  كما وينصح بتمارين الاسترخاء والتدليك والإبر الصينية. وينبغي تخفيض الأدوية بالتدريج. كما ويمكن لتغيير ظروف الحياة أن يساعد هنا.

افحص الغذاء والبيئة  في التحسس

ليس كل فرط في الحساسية  عبارة عن تحسس. فهناك ثلاثة أنواع من فرط التحسس تتمثل  في التسمم  والخاصية المزاجية أو البنيوية idiosyncrasy  والتحسس.  وفي التحسس يكون جهاز المناعة الجسدي مفرط النشاط. وعندما يصاب أحد الأشخاص بتحسس حاد ( أي تحسس يظهر بسرعة ودون سابق إنذار و يصل إلى قمته خلال وقت قصير ) فقد يرتبط ذلك مع حالة صدمة مهددة للحياة. إلاّ أن غالبية أشكال التحسس غالباً ما تظهر على شكل تحسس احتكاك مزمن يتجلى على شكل  ربو والزكام التحسسي  والإسهال وأمراض الجلد وحمى القريص  وتغيرات في مستوى الدم. وهناك مواد مختلفة تطلق عليها تسمية المُحسسات أو مولدات الحساسية يمكن أن تثير هذه الارتكاسات. فالغضب والحزن المقموعين يقويان من ارتكاسات التحسسس. بالإضافة إلى ذلك غالباً ما يكون هناك ضعف في الاحتكاك بمواد معينة ترهق المريض بصورة إضافية  وبالتالي تحدث فرط إثارة بالعضوية  تضعف من قوة الدفاع أو المناعة ، فترتفع شدة فرط الحساسية.

وفي بعض الأحيان يتم الخلط بين التسمم والارتكاسات التحسسية . فكثير من سموم البيئة  ( في الطعام والملابس …الخ ) تسبب اضطرابات شبيهة بالارتكاسات التحسسية.  وإلى جانب ذلك هناك الخاصية المزاجية أو البنيوية ، أي فرط الحساسية الجسدية للاتصالات البين إنسانية . فالمرضى هنا يرتكسون على روائح معينة أو أشخاص أو مواقف ما  بتغيرات في الجلد  أو في التنفس أو في محيط المعدة والأمعاء.  ويمكن للأنواع الثلاثة هذه أن تظهر مع بعضها. وأحياناً يختلط الأمر على الجسد إلى درجة أنه لا يعود يعرف كيف يحمي نفسه من الجراثيم والفيروسات. كما وتنشأ التهابات مزمنة لأن الجسد يستجيب بشكل   “تحسسي” على نفسه.

وأول خطوة في الشفاء هي البحث عن المواد التي يمكن أن تسبب التحسس للمريض ( صابون معين ، عطور،  روائح  ، الألبسة…الخ ).  وفي حالة الخاصية المزاجية أو البنيوية فلا بد من العلاج النفسي. وفي حالة التحسس الغذائي لابد من تجنب الأطعمة المسببة للحساسية ومن بينها حليب البقر  والبيض والسمك والحمضيات. وفي كل الأحوال لابد من تجنب إعطاء الكورتيزون بسبب العواقب الوخيمة ، وهو لا يساعد إلاّ في الحالات الحادة التي تهدد باقتراب الصدمة. وهنا لابد من أن يكون ذلك تحت إشراف الطبيب.

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

*