أنا مثقف الأهواز
الرئيسية » الأسرة » الطفل » الي والدي الأطفال المزدوجي اللغه /بقلم:عرفات

الي والدي الأطفال المزدوجي اللغه /بقلم:عرفات

منذ اللحظة الاولي التی عاش فيها الانسان مع صنفه بطريقة اجتماعية و مع استخدامه للألعاب الألسنية لأجل التواصل مع الآخرين،نتجت عن هذه الألعاب، الأشکال الأولية للغه . الشیء الوحيد الذی طور هذه اللغة البدائيه حتی أصبحت لغة قابلة للتکلم و التواصل و التحاور ،هو ذهن الانسان الذي (باستخدام الاصول الخلاقه)  بعد رؤية الاشياء و سماع الاصوات و من ثم تحليلها ، أنشأ لغة عامة و رسمية ليرتبط الانسان بمجتمعه.

     اذا ربطنا بين خصائص اللغة و خصائص الأمة التی تتکلمها، نجد بأن کل أمة تتکلم کما تفکر و تفکر کما تتکلم. ليس هذا و حسب بل أن کل أمة تخزن فی لغتها تجاربها بما فيها عناصر من الصواب و الخطاء ، فتنقلها اللغة الی الاجيال الناشئة و اللاحقه فيصبح الماضی أو جزءاًً منه علی الاقل من ضمن التراث الذی تنقله اللغة عبر الاجيال والذی يساهم فی تحديد نظرة اصحابه الی الکون، الی الحق و الخير و الجمال .

   إدوارد سايبر باحث لغوی و اثنولوجی يقول: أن لغة جماعة بشرية ما، جماعة تفکر داخل تلک اللغة و تتکلم بها، هی المنظّم لتجربتها و هی بهذا تصنع عالمها و واقعها الاجتماعی. بعبارة أن کل لغة تحتوی علی تصور خاص بها للعالم.

   المحيط الاجتماعي الثقافي له أهمية خصوصية في تكوين خصوصية الفكر، فالفكر العربي مثلاً هو عربي، ليس فقط لكونه تصورات أو آراء و نظريات تعكس الواقع العربي أو تعبر عنه بشكل من أشكال التعبير، بل لانه نتيجة طريقة أو اسلوب في التفكير ساهمت في تشكيلها جملة معطيات، منها الواقع العربي نفسه بكل مظاهر الخصوصية فيه. ان التفكير داخل ثقافة معينة لايعني التفكير في قضاياها، بل التفكير بواسطتها، والتفكير بواسطه ثقافة ما، معناه التفكير من خلال منظومة مرجعية تتشكل احداثياتها الأساسيه من محددات هذه الثقافة و مكوّناتها. وفي مقدمتها الموروث الثقافي و المحيط الأجتماعي و النظرة الي المستقبل. الي الكون و الأنسان كما تحددها مكوّنات تلك الثقافة. و هكذا فاذا كان الانسان يحمل معه تاريخه شاء أم كره، فكذلك الفكر يحمل معه، شاء أم كره، آثار مكوّناته و بصمات الواقع الحضاري الذي تشكل فيه و من خلاله. فإذاً الفكر بوصفه اداة للانتاج النظري صنعته ثقافة معينة لها خصوصيتها.

    لذلك عالم اللغه تشومسکی يعارض الترجمه للمفاهيم، حيث من منظاره الخاص الترجمة لم تنقل المعنی الحقيقي للمفهوم الي القاريء . بل يحث علی استخدام المفاهيم کما هی و من ثم تأويلها لکی يتعرف القارئ علی المعنی الحقيقی للمفهوم الذی انشأتها صيرورته التاريخانية و ما تحتويه من بيئه و ثقافه و ظروف خاصه،  التي تتجلي بخطاب يعکس منوياته. و بهذا الجدل تأسست علوم جديدة منها التاريخانيه ( historicism ) و هی تعنی أن السلوک الحالی للفرد هو ناشئ من العقد و الاحتکاکات و الامور التی بقيت وتکدست من الماضی فی ذهن الانسان. و الاخری الابستمولوجيا ( epistemology ) و هی تعنی مجمل المسلمات الضمنية التی تتحکم بکل الانتاج الفکری فی فترة معينه، دون أن تظهر الی السطح. أی أنها اللاوعی المعرفی لفترة بأسرها. و ..

    للغة دور أساسي في تكوين الفكر، و هي التي تشكل نظرة الانسان الي الكون و ان اللغة ليست مجرد اداة للفكر، بل هي أيضاً القالب الذي يتشكل فيه الفكر. يقول تشومسكي : تحصل صيرورة اوعملية التمكين من معرفة اللغة في ايام الطفوله، و ستصير هذه المعرفة لاشعورياً في الانسان نسبياً مع مختلف مستوايات معرفة اللغه. كالاصوات و الصرف و النحو. وعندما يريد المتكلم أن يبين عن فكرة ما، في البدايه تنشاء الجملة في ذهنه و تكتمل هذه العملية في العمق و من ثم طبقاً للقوانين الخاصة بنقل الجمله، تنتقل الي البنية الفوقيه، و من ثم من خلال الأصوات أو الكلمات تصل الي المستمع. فالتمكن من لغة معينة أو من رطانة خاصة لا يعني بالضرورة، أن تكون قد تمت معرفة الشيء ذاته و أحكمت السيطرة عليه، ذلك أن الذكاء الحقيقي يقاس بمدي عمق التعبير الخارجي من جهة، و بمدي ماهو مضمر خلف الكلمات التي قيلت من جهة ثانيه.

    يضعف وضع لغة الأسرة، منذ دخول المدرسة و اذا لم تعتبر لغة الأصل ورقة اضافية للنجاح المدرسي، فأن عدداً كبيراً من الوالدين يميلون الي إهمال لغتهم الأم لصالح لغة البلد. و يشرعون في التحدث باللغة الرسميه(علي سبيل المثال بالفارسيه) في الأسرة، هادفين الي مساعدة طفلهم في تلاؤمه مع المدرسه. إلا أن كثيراً من الباحثين يرون أن الإنقطاع المبكرعن إكتساب اللغة الأم قد يؤدي إلي إنعكاسات علي نمو الطفل المعرفي، دون ألتطرق إلي الدور ألتربوي للوالدين ألذي يضعف حين إستعمالهما لغة لا يجيدانها.

الكل يعرف أنه في ازدواجية اللغة المتتابعه يتعلق النظامان اللغويان أحدهما بالآخر، و هذا يعني أن اللغة الثانيه تستطيع أن تنمو فقط إذا كانت اللغة الأولي مستمرة في التقدم. و علي العكس فإن تطور اللغة الثانيه يوثر في نمو اللغة الأم ، بشرط أن تتمكن اللغة الأم من أن تبلغ مستوي كافياً من المهارة كي يتيح للغة الثانيه أن تتمركز علي أساس تلك المكتسبات. إن اللغة الأولي تؤمن، إذا صح التعبير، التربة الخصبة كي تستطيع اللغة الثانيه أن تنمو. في هذه الحاله يصبح الطفل مزدوج اللغه في فترة قصيرة، فبقدر ما ينمي المهارات اللغوية و الإدراكية في لغة الأم، تستقي اللغة الثانيه من هذه المهارات بواسطه آليه النقل لتنمو بدورها و تصل الي مستوي عال من الكفاءة.

إذا كان إكتساب اللغة الأم قد توقف في فترة لم يكتمل فيها نموها. لاسيما علي صعيد تكوين المفاهيم، فلن تجد اللغة الثانية أساساً متيناً يكفي لتستقر عليه. و بتعبير آخر إذا قرر الوالدان أن يوقفا فجأة استعمال اللغة الأم مع طفلهما كي يسهلا تعلمه (علي سبيل المثال) الفارسيه ، فهما يغامران بالضبط  بعرقلة تقدم الفارسيه.

فأول مرحلة لضمور لغة ما – و هذا ما يسمي في علم اللغويات بالإرتصاص – تتصف بالتردد في ايجاد الكلمة الصحيحه، و بإستعمال كلمات من اللغة المسيطره تتكرر، لينتهي به الأمر بعد سنوات طويله من الإحتكاك باللغة المسيطره إلي أن يستحيل عليه أن ينتج جملاً في اللغة الأم.

هناك دراسات كثيره تظهر أن أهميه ارتصاص لغة ما تتوقف علي العمر الذي ابتدأت فيه. يبدو لسن المراهقة دور أساسي في عمليات الإرتصاص. فإذا تعرض طفل ما الي لغة ثانية مسيطرة و كان لا يمارس لغة الأم بشكل كاف، فإنه يتعرض الي خطر جدي و كبير من حيث اضعاف تلك اللغة، حتي إنها قد تنسي. أما إذا بقيت اللغة الأولي نشيطة، حتي المراهقه، فهناك فرص قويه كي تبقي مكتسبه، حتي بعد انقضاء عشرات السنين في محيط تسيطر فيه لغة ثانية.

هناك عدد من المؤشرات تسرع في نسيان لغة الأم : الموقف تجاه اللغة الأولي و مكانتها في المجتمع، و كذلك العوامل النفسية التي تؤثر في عملية الإرتصاص في لغة ما. فيمكن لتوتر انفعالي احدثته ظروف استثنائية (كإضطهاد، علي سبيل المثال) يمكن أن يسرع في إرتصاص لغة ما. أمين معلوف الكاتب اللبناني الفرنسي يقول: حين يشعر المرء بأن لغته محتقره، و ديانته مهانه، لاقيمه لها، فإنه يشعرعلانيه بعلامات اختلافه عن الآخرين.

إن مواقف سلبيه نحو اللغة الأم، من جهة، و تقييم مطلق للغة المسيطرة من قبل اولياء الامور، بمن فيهم والدي الطفل من جهة أخري، تؤدي الي عدم إهتمام الطفل بلغته الأولي. و قد يقترن ذلك أحياناً بشعور بالدونيه. إن أحد ردود الأفعال الممكنه هو الإنطواء علي الذات، أو العدوانيه.

إن الشعور بالدونيه يمكن أن يتحول الي حقد تجاه اللغة المسيطره، فيؤدي الي رفض تعلم تلك اللغة، و الي إنطواء الأسرة الي ذاتها. يجب أن يغذي دافع النطق بلغة الآخر بالإحترام المتبادل، لأن ذلك يذكرنا مرة أخري بأمين معلوف الذي يقول : إذا كان من أدرس لغته لا يحترم لغتي، فلن يعد التحدث بلغته بادره انفتاح، بل ولاءاً و خضوعاً.

    يؤكد علماء الاجتماع اللغوي أن اللغة ليست مجرد أداة تواصل، لكنها رمز إنتماء الي مجموعة. إننا نجد هويتنا في اللغة التي نتحدث بها، تلك التي نشارك فيها عدداً كبيراً من الناس، الذين يسكنون البلد ذاته. فلكي نكون منسجمين مع أنفسنا، متناغمين مع لغتنا، نحتاج أن ننشيء مقارنات مع أعضاء ينتمون إلي جماعة أخري، إلي بلد آخر، يتحدثون لغة أخري. إننا نجد بالطبع ميزات كثيرة للغتنا و بالتالي لبلدنا. نتمني موقفاً ايجابياً تجاه ما نحني عليه، تجاه لغتنا و تجاه ثقافتنا و تجاه بلدنا. كما نكوّن في الوقت ذاته رأينا عن البلاد الأخري، و عن سكانها و لغاتها، و نحن نستمد من المخزون تصورات اجتماعيه تتداول حولنا.

ان اللغات المتحدث بها حالياً في ايران تمثل مجموعة من المواهب يكفي اعطائها قيمة بدل من التضحية بها في مذبح الاحادية اللغوية.كم من مصلحين و مترجمين و مدرسين يمكن تأهيلهم اذا ما منحنا لغات الأصل قيمة.

ان ما يقوله اللغوي جيل كومينز ينطبق كذلك علي ايران : فالرصيد الثقافي و اللغوي و الفكري لمجتمعاتنا سيزيد بطريقة ملحوظة حين نكف عن اعتبار الأطفال المختلفين، علي الصعيد اللغوي و الثقافي كنوع من مشكلة يجب معالجتها، و حين سننفتح علي الموارد اللغوية و الثقافية و الفكرية التي يأتي بها هولاء الأطفال الي مدارسنا و الي مجتمعاتنا.

في انتظار أن تتحقق هذه المثاليه، علينا أن نقبل – نحن مزدوجو اللغة، و المتعددو اللغة أو والدا الأطفال المزدوجي اللغه- أن نكون رواد مجتمع أكثر تسامحاً و انفتاحاً علي العالم.


المصادر :

·       زبان شناسي دكارتي – تأليف: نوعام تشومسكي – ترجمه: احمد طاهريان

·       مباحثي در دوزبانگي – تأليف: د.إميليا نرسيسانس

·       تحدي الاطفال المزدوجي اللغات – تأليف: برباره عبدالاله-بوير

·       تكوين العقل العربي – تأليف: د.محمد عابد الجابري

 مصدر المقال: اضغط هنا

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

*