أنا مثقف الأهواز

لا تبيع الحب

وقف أندرو في المحطة مزهواً ببدلته العسكرية الأنيقة ، وراح يراقب وجوه الناس وهم ينحدرون من القطار واحداً بعد الآخر…

كان في الحقيقة يبحث عن وجه المرأةِ التي يعرفها قلبه ، لكنه لم ير وجهها قط…

قالت له بأنها ستُعلّق على صدرها وردةً حمراء ليتمكن من أن يُميّزها من بين مئات المسافرين ، لقد بدأت معرفته بها منذ حوالي ثلاثة عشر شهراً ، كان ذلك في المكتبة العامة في فلوريدا عندما إختار كتاباً وراح يقلب صفحاته…

لم يشده ما جاء في الكتاب بقدر ما شدته الملاحظات التي كُتبت بقلم الرصاص على هامش كل صفحةٍ…

أدرك من خلال قرائتها بأن كاتبها إنسان مرهف الحس دمث الأخلاق ، وشعر بالغبطة عندما قرأ أسمها مكتوباً على الغلاف باعتبارها السيدة التي تبرعت للمكتبة بالكتاب…

ذهب إلى البيت وراح يبحث عن أسمها حتى عثر عليه في كتاب الهواتف ، كتب لها ومنذ ذلك الحين بدأت بينهما علاقة دافئة وتوطدت عبر الرسائل الكثيرة التي تبادلوها…

خلال تلك المدة إستُدعي للخدمة وغادر أمريكا متوجهاً إلى إحدى القواعد العسكرية التي كانت تشارك في الحرب العالمية الثانية…

بعد غياب دام عاماً ، عاد إلى فلوريدا وأستأنف علاقته بتلك السيدة التي أكتشف فيما بعد أنها في مقتبل العمر وتوقع أن تكون في غاية الجمال…

أتفقا على موعد لتزوره ، وبناءً على ذلك الموعد راح في الوقت المحدد إلى محطة القطار المجاورة لمكان إقامتهِ…

شعر بأن الثواني التي مرت كانت أياماً ، وراح يمعن في كل وجه على حدة ، لمحها قادمة باتجاهه بقامتها النحيلة وشعرها الأشقر الجميل ، وقال في نفسه : هي كما كنت أتخيلها ، يا إلهي ما أجملها…!

شعر بقشعريرة باردة تسللت عبر مفاصله ، لكنه أستجمع قواه وأقترب بضع خطوات باتجاها مبتسماً وملوحاً بيده…

كاد يُغمى عليه عندما مرّت من جانبه وتجاوزته ، ولاحظ خلفها سيدة في الأربعين من عمرها ، أمتد الشيب ليغطي معظم رأسها وقد وضعت وردة حمراء على صدرها ، تماماً كما وعدته حبيبته أن تفعل…

شعر بخيبة أملٍ كبيرةٍ وقال ـ في نفسه ـ : ياإلهي لقد أخطأت الظن…!
توقعت بأن تكون الفتاة الشابة الجميلة التي تجاوزتني هي الحبيبة التي إنتظرتها أكثر من عام ، لأفاجئ بامرأةٍ بعمر أمي وقد كذبت عليّ…

أخفى مشاعره وقرر في ثوان أن يكون لطيفاً ، لأنها ولمدة أكثر من عام ـ وبينما كانت رحى الحرب دائرة ـ بعثت الأمل في قلبه على أن يبقى حياً…

أستجمع قواه ، حياها بأدب ومدّ يده مصافحاً : أهلاً ، أنا الضابط أندرو وأتوقع بأنك السيدة مينال…!

قال ـ يحدث نفسه ـ : إن لم يكن من أجل الحُب ، لتكن صداقة…

ثم أشار إلى المطعم الذي يقع على إحدى زوايا المحطة وقال لها : تفضلي لكي نتناول طعام الغداء معاً…

فردت : يابني ، أنا لست السيدة مينال ، ولا أعرف شيئاً عما بينكما ، ثم تابعت تقول : قُبَيل أن يصل القطار إلى المحطة أقتربت مني تلك الشابة الجميلة التي كانت ترتدي معطفاً أخضر ومرت بقربك منذ لحظات ، وأعطتني وردةً حمراء وقالت : سيقابلك شخص في المحطة وسيظن بأنك أنا ، إن كان لطيفاً معك ودعاك إلى الغداء قولي له بأنني أنتظره في ذلك المطعم ، وإن لم يدعوك أتركيه وشأنه ، لقد قالت لي بأنها تحاول أن تختبر إنسانيتك ومدى لطفك…!!!

عانقها شاكراً وركض باتجاه المطعم…

  • اللحظات الحرجة في حياتنا هي التي تكشف معدننا وطيبة أخلاقنا الطريقة التي نتعامل بها مع الحدث ، وليس الحدث بحدّ ذاته ، هي التي تحدد هويتنا الإنسانية ومدى إلتزامنا
    بالعرف الأخلاقي….

ظن ذلك الشاب في أعماقه بأن تلك المرأة التي تبدو بعمر والدته قد غشته ، ولم تكن الفتاة التي بنى أحلامه على لقائها ، ومع ذلك لم يخرج عن أدبه ، بل ظل محتفظاً برباطة جأشه…

تذكر كلماتها التي شجعته على أن يبقى حياً ومتفائلاً خلال الحرب ، وحاول في لحظة أن يتناسى غشها ، فكان لطيفاً ودعاها إلى تناول الغداء…

  • هناك مثل صيني يقول : إذا أستطعت أن تسيطر على غضبك لحظة واحدة ستوفر على نفسك مئة يومٍ من الندم…

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

*