أنا مثقف الأهواز
الرئيسية » القسم الأجتماعي » مقالات أهوازیة » أبواب الحرية/سعاد الكعبي

أبواب الحرية/سعاد الكعبي

قد تضيق بك الحياة و تلفك الهموم و تحاط بالغموم فتشعر بالإختناق. قد تمر بظروف معيشية صعبة و تنظر إلى مستقبل غير معلوم. تشاهد بلادك أصبحت بلاد النكبة و الفقر و الحرمان؛ فتحتار بين الرحيل من أجل السعادة و بين البقاء في وطنك و تقبل المشاكل.
أو قد يخيفك العدو تارة فتحتار بين الرحيل لإنقاذ نفسك و بين البقاء حتى آخر ثانية من حياتك.

عندما تصاب بهذه الحيرة و تراودك هذه الأفكار قف و إفتح عينيك للحظة. تذكر إنك واقف على تربة مقدسة لوثتها حوافر العجمان منذ تسعون عام.
واقف على إحدى أقدم الحضارات العالمية و التي تكاد أن تمحى بيد الطغاة. واقف على أرض ملئت بثروات تمتصها عروق المستوطنين و الأغرباء الحاقدين و هم يريدون إخافتك و يتمنون رحيلك. فهل تحقق أمنيتهم؟
ثم أخرج من بيتك و تجول بعين البصيرة في الشوارع؛ ستجد في جانب من الشارع إحدى أمهاتنا و هي تبيع الخضار لتكسو عائلتها. سترى طفلا يبحث بين القمامة أمنية ضائعة و طفلة تبكي على أحلام طفولتها التي قمعها عدوك و عدوها. و في الجانب الآخر من الشارع سترى يونس و هو يشتعل غضبا على ما أخذوه منه من حق الحياة. فهل حياتك و مستقبلك أهم من هؤلاء؟

ثم ألق نظرة على معالم تأريخك؛ أنظر لتلك القصور التي كانت مشيدة لتظهر مجد بلدك العربي في العالم يوما ما و هي الآن تهدم بكل بساطة و أوراق تأريخك تتمزق و حبرها يمحى و أنت الوارث الوحيد لهذه الأمجاد. فهل تهاجر و تتخلى عن تأريخك العريق ليطفو على سطح الهوان في ليلة و ضحاها؟
ثم سِر نحو كارون العروبة؛ نهر كان يسقيك و يرزقك من شرائينه و ها هو اليوم يلتقط آخر أنفاسه. فكيف تتخلى عنه و أنت آخر من تبقى له؟
و أخيرا تذكر الشهداء الأبرار و الأسرى الأحرار؛ هم الذين ضحوا بكل غال و نفيس في عنفوان شبابهم من أجل الحرية لكي نسلك منهجهم المجيد المخلد.
فراجع ضميرك متسائلا:
هل نفسي أغلى من نفوس الشهداء؟
و راحتي أهم من راحة الفقراء ؟
و حياتي أهم من حياة وطني الذي منحني المجد و العلى؟
فأي ضمير هذا الضمير إذا لم يمنعك من الرحيل و لايحثك على الصمود و البقاء؟ و كيف لك أن تتهنأ في المهجر و أسياط الاجنبي على رأس أبناء جلدتك بكل عناء؟
و كيف لك بالراحة في المهجر و وطنك لن يسامح خطيئتك بالتخلي عنه من أجل الرخاء؟
و عندما ترحل بحثا عن الرفاهية و الحياة المغرية أو بهدف إنقاذ نفسك من الظالم فلاتلم من يصفك بالجبن المبرر.
و لاتقل : “أنا واحد و اليد الواحدة لاتصفق فالهجرة خير لي”.
و لاتقل: “أنا معرض للخطر فحفظ النفس واجب”.
لاتخاطيء نفسك بمثل هذا الكلام فهو تبرير و سفسطة الجبناء من أجل الرحيل.
فأجلد ذاتك و إبقى. أنت لست واحدا؛ بل صوت شعب و سند أمة و ستخلف لاحقا جيلا واعيا عربيا يسير على خير الدروب و أنت و جيلك ستمنعون دخول ألف مستوطن.
و إن راجعت ضميرك و حثك على إيفاء العهد لوطنك فأعلم إنك شجاع عاشق هائم لأرضك و هذه هي صفات العاشق الحقيقي إذ يحتفظ بحبيبته ليس في قلبه فقط بل يحتفظ بها على أرض الواقع و يكافح و يضحي من أجلها و يجعلها بين يديه و نصب عينيه، يصبح و يمسي بها و يغدو و يروح لها فداءا. فكيف يتخلى عنها حين يدعي بحبها؟!
و جميعنا نعلم أن الوطنية الحقيقية ليست حب الوطن بالأقوال فحسب؛ بل الوطنية نضال و هذا النضال يتمثل في الأفعال البطولية و التضحية و الثورة و الغضب.
فمن كان غير هذا فليس بعاشق للوطن إنما في قلبه قليل من المودة له و كثير من الجبن.
فتعال إذن أيها العربي، لنجسد العشق بأفعالنا و نغرس الوطنية الحقيقية في نفوسنا، لنبقى هنا، لنشد أيادينا و نتكاتف، لنتحمل كل مشاكل الحياة و المآسي و الضيق و نقوم بواجبنا من أجل اعلاء كلمة الحق.
لن نتخلى عن أرضنا و أمنا و حبيبتنا لكي يعثى فيها الطغاة . نحن منها و هي لنا و منذ يوم ولادتنا قطعنا عهدا معها بالبقاء و الوفاء إليها و بالحفاظ عليها.
فها هي أروحنا فداء لهذه الأرض و لإسمها.
و يقال أن “للحرية بابٌ بكل يد مضرجة بالدم يدق”؛ فلنتذكر أن أبواب الحرية ليست في المهجر، بل هنا تلوح في سماء هذا الوطن، على قاب قوسين من الشجاعة و العزيمة؛ فلندقها و نفلح.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

*