دَعوني أرى القَمَرَ /سرور ناصر

img
  • دَعوني أرى القَمَرَ
  • سرور ناصر

كنتُ خلية البال، مُستلقية على السرير الحديدي، متسمرة بالسقف دون أن أرمش رمشة تدل على علائم حياتية، ما عدا عملية التنفس البطيئة التي كنت أمارسها بثقل وبلا رغبة مني، أحدق فيما يدي اليمنى تغطي جبهتي وكأنني وجدتُ شيئًا عظيمًا في تلك البقعة الصغيرة أو اكتشفتُ ما لم يُكشف قبلي، أفكر ولا أعلم بما أفكر، أحدق ولا أعلم بما أحدق، تتقاذف الأصوات حولي؛ ضوضاء لا تطاق، أجيل بنظري من السقف إلى قرص الساعة الذي يزين الجدار بلا أي زينة تُذكر، تتزحلق عقربة الدقائق على حافة التاسعة مساء، تُغيِّر مكانها من غصن إلى آخر وأنا بقيت كما أنا، متشبثة بالماضي، توقفتْ جميع عقاربي في عصر ذلك اليوم المجحف، توقفتْ بلا رجعة، أو هكذا ظننتُ في تلك البرهة حينما وطأت قدمايَّ مكانًا لا يُذكر منه سوى الحلكة، تهتُ تمامًا عن الجلبة الآتية من هذه وتلك وانهمكت في الاستماع إلى ضجيج دواخلي، “يا الله ما يعج بجوانحي أشد دموية ووحشية من الحروب العالمية” هذا ما قلته بعد تنهيدة تلتها رؤية وجهها الصغير أمامي، كانت قد صعدت إلى سريرها المتصل بسريري _الأسرة من طبقتين وكنا أنا وإياها ننام بامتداد بعض على سريرين عُلويين_ تريد أن تصر وتلح، عرفت هذا منذ أن رأيت ابتسامتها وهي تشير بحاجبيها إلى الرواق، أغمضت جفنيَّ وقلت لها بنبرة عارية من الحياة أن تدعني وشأني.


بعد دقائق وجدت نفسي أنساب خلفها بإكراه مني وطبعًا بلا رغبة، استسلمتُ لإصرارها شريطة أن لا تقترب مني في اليوم التالي لتلك الليلة، قبلتْ شرطي بكل سرور وتركتها تأخذ بيدي اليمنى، تلك التي قبيل ذلك كانت تغطي جبهتي، تركض أمامي وأسير خلفها بتثاقل بينما تتوسطنا يدانا البريئتان؛ يدي الكاتبة ويدها القاتلة…
عرفتها منذ أول يوم دخلت لهذا المكان، تصغرهن جميعهن، يشع وجهها ببراءة غريبة لا تشبه ما لامسته خارج ذلك الجحر أبدًا، دنتْ مني لتقول لي: “إن الحياة سائرة لا تنتظرني ولا تنتظرك”.
أول خطاب دار بيني وبينها عندما كنت متقرفصة في زاوية الفناء أنظر لنقطة ولا أنظر لها. إصرارها العجيب لمواصلة الحياة حتى وإن كان أملها للبقاء ضئيلًا يدهشني ويفتح لي آفاقًا ليست بحسباني، تصغرني بثلاثة أعوام ولكنها سبقتني بأشواط، بل سبقتْ الحياة برمتها، هكذا هي! أحسستها تعيش في عصر ما بعد عصرنا وكلما تقدم الزمان كانت قد تخطته في سباقه المحموم! لم أعر اهتمامًا لجريمتها! جريمة! وأي جريمة؟ ليس كل ما يكتبونه على الورق يُعَد جرمًا، قد نكون كلنا مجرمين بنظر غيرنا، لكن في الواقع نحن لسنا سوى مساكين نستجدي الكرامة.
منذ ثلاثة سنوات كانت تقطن في السجن، تقول أنها جربت جميع العنابر الموجودة ولا تعلم إلى متى ستبقى هناك، مازالت معلقة، بلا أي حكم يضع الحياة على راحة كفها، قالت أن الحياة تفر منها وتمسكها هي الأخرى بقوة، وأن الحياة تخشاها بل تخشى عليها وتخشى على كل امرأة تود أن تعيش بكرامة.
دخلتْ إلى السجن وهوويتها تشير إلى الثلاثة عشر ربيعًا، لا! لنقل خريفًا، حياة صفراء، تتساقط منها أوراق العمر بلا هوادة، هكذا كانت حياة خديجة! فتاة من حي الهويرة! قبيل هذه الأحداث كلها كانت طفلة تستجدي المحبة من زوجتيَّ والدها، لم يسبق وأن شاهدتْ والدتها بأم عينيها هكذا كانت تقول لي بكل ظهيرة اجتمعنا مع بعض نسرق الأمل من أشعة الشمس المطلة على ساحة الفناء؛ إن الحياة تجري هنا عندها كما تجف عندي.
مازالت الضوضاء مستمرة جراء غسل الرواق الذي يفصل العنابر عن بعضها البعض، أتخبط بين الحشود التي ملأت الرواق وأغرقته بالأجساد الكئيبة، أرجوها بيأس أن تترك يدي. غير أنها لا تستجيب لي، توعدني أنها ستريني شيئًا مغريًا، شيء يحث الحياة على الجريان بين شرايني! أترك نفسي تخضع لإرادتها كما تركت نفسي خاضعةً واهنةً للقدر. اكتسى جسمها النحيل بجروح عميقة، جروح قد لا تذهب مرارتها حتى وإن كان مسببها ميتًا تحت كومة من التراب. كانت تضربها بشدة وبلا أدنى رحمة، أعني زوجة أبيها المنشغل بسفراته الطويلة، راحت الشروخ العميقة دليلًا تبرر بها فعلتها أمام الله، لكنها قالت لي بكل براءة أنها أرادتْ أن تعيش بسلام! أ يتطلب هذا ثمنًا؟ قالتْ وقد صدقتها وصدقتُ نبرتها الطفولية.
ناشدتني أن أحمل النفايات معها! استغربت، ألهذا اقتلعتني من قاع أفكاري؟ وهل النفايات شيئٌ مغرٍ؟ حدقتُ بها بنظرة استفهامية! قيل لي أن كل يوم في التاسعة مساء تخرج النفايات إلى الفناء بواسطة السجينات هذا لأن السجينة قبل غروب الشمس تُرغم على ترك الفناء عنوة! لا أعلم إن كانت تلك الليلة ليلتنا أم أنها تقدمت لأخذ المهمة من كاهل غيرها؟ سؤال مازال يرن بمخيلتي حتى يومي هذا. لفحتنا برودة جردتني من تشاؤمي بعدما سمعنا صرير الباب إزاء صوت القفل الذي أزاحته المسؤولة بتبجح _باب الرواق الذي يؤدي إلى الساحة_ وصوتها الذي حدد لنا وقتًا لا يتجاوز الدقيقة الواحدة! طلبتْ بطريقة مرحة أن أرفع رأسي، كأنها تخبرني عن عرضها المغري.
كانت السماء قَفرة لا يُلحظ فيها سُوى قَمرٍ مُفَتت وباهِت…

Author : أنا مثقف الأهواز

أنا مثقف الأهواز

RELATED POSTS

2 دیدگاه برای “دَعوني أرى القَمَرَ /سرور ناصر”

تعلیقک حول الموضوع

*

تطبيق الواتساب
1
تواصل معنا عبر تطبيق الواتساب
مرحباً
تواصل معنا عبر تطبيق الواتساب
او ارسل لنا رسالة عبر البريد الأكتروني التالي:
anamothaqaf@gmail.com