مكبّرات الصوت الموجّهة نحو الجدران/مريم كعبي

img
  • مكبّرات الصوت الموجّهة نحو الجدران
  • مريم كعبي

١)
فلنفترض نحن معتصمون خلف جدران سميكة وعالية٬ وتأوهات الضحايا في الداخل تجلد ذواتنا بين حين وآخر٬ وتدفع ضميرنا المتوهّج بالصراخ عاليًا: تبا لك أيها الجدار لِمَ تخنق الضعفاء في بواطنك؟ تبا لك أيها الجاني كفّ عن الجريمة! وأنتِ أيتها الضحية تسلحي بالعلم والثقافة واردعي جماح العرف مستنيرًا! وأنت أيها الشيطان عليك وعلى الثقافات التي استعارت جرأتك٬ نرمي كل الأحجار لماذا دفعت بالضحية إلى المذبحة؟ …كيف نوقظ من ينام تحت ركام السنين؟ كيف نحمي الآهة القادمة؟ نتناقش فيما بيننا٬ افتراضيًا غالبًا والواقع ذو أشواك عديدة لا يتفتّح حضنه لنغمة صوت مغايرة مصرة بأن هذا الحضن وحده من تأمل أن تنمو في طياته. تعلو أصواتنا واللغة تخلع بعض جلاليبها لترطب شفتها لا أن تسبح والنهر يخشى تاء التأنيث٬ وقد غصّ بتدفق فاطمة وغنوة وسعيدة.
الجدران لا يرمش لها طرف٬ ولا تفغر لنا جوابًا وأسئلتنا لا تقطع أشواطاً أبعد من أظافرنا المعوّجة. نواصل الطرق على الجدار٬ من يسكر بالنصوص التي تحيا قليلا في حفائر الجدار٬ من يتوهّم بأن قلمه يتسرّب في العمق ويكاد أن يلامس مسمع ضحية أو ضجة قاتل٬ ومن يبحث عن منفذ يضمره الغبار في الأغلفة الجدارية لعلّه يدلي بضوء على مسرح الجريمة٬ ويعي القاتل بأن هذه يده التي تلثّق شرف الحياة.
سيناريو يقام على السطح دونما يتوغّل إلى مسرح حقيقي. ليست الإشكالية فيما تصدح به الضمائر الحيّة من نبذ للعنف وأحلام بخلخلة الجدار٬ ولا الجدران تحجب الصوت. قد يكون القاتل سمع محاضرة عن نبذ العنف ثم أقبل على القتل٬ وغدا سيحرق بيتا ثم يصغي إلى محاضرة أخرى عن الوطن٬ ليست المعلومة ما يفتقده لتردعه عن الجريمة.
وهناك بوابه واحدة تربط الخارج بالداخل٬ بوابة واحدة يتحكّم بها حارس مدجّج بالمفاتيح٬ وكشّافات الضوء٬ والمطرقات الكبرى والأسلحة. بوابّة واحدة يخرج منها المجرمون بعد الجريمة وبوسع الحارس أن يمسك بهم بسهولة أو يدعهم أحرارًا ينشرون سمّهم في الساحات الأخرى٬ بوابة واحدة يمكنها أن تهرّب ضحية أو تعرقل درب ملاحِق. بوابة واحدة يمكنها أن تنتج ثقافة ذات فاعلية٬ ممتطية آليات التعليم والإعلام الرسمي ويصون مسيرها القانون.
ها نحن اليوم والأمس نتجاهل أو ربما نخشى البوابة التي يستغل منافذها أو تساهل حارسها المجرمون ونتساءل فيما بيننا متى ينتهي هؤلاء المجرمون؟ نطرق على الجدران السميكة بأصابعنا متوهمين بأن نقنع الجدار بأن يكون منفتحًا وبمجرد حديثنا المتنوّر يتخلّل من الداخل ويلقي الضوء على الضحايا التي يفترسها الظلام. وهناك من لا يريد أن يخدش حلمه الوردي ولا يعترف بسلطة القضاء كأننا نعيش في جزيرة عربية نملك أدوات التثقيف والعقاب والردع. وهناك من يخاف على “سمعة الشعب” أكثر من الأرواح التي تزهق على يد المجرمين الباحثين عن سمعتهم المطعونة في أجساد النساء٬ كأن هويتنا وعاء زجاجي على رأس أي واحد منا وإذا تخطينا المسار المألوف أو أصابنا حصى ناقم كتصريحات بعض العنصريين تتشظى الهوية ويعاب المصير.

٢)
قتل الفتاة الشمالية رومينا قاد النشطاء والإعلام الإيراني إلى مطالبة السلطات القضائية بتعديل القوانين التي تتساهل مع جرائم الشرف٬ الجهود التي آلت إلى ردود فعل مناهضة للتساهل في أعلى مستويات الحكم في إيران وطلب رئاسي للتسريع في إعداد مشروع قانون حماية وضمان أمن المرأة٬ لكن في قضية فاطمة القتيلة العبادانية والقتيلة الأخرى التي لم ينج أسمها من القتل كأنه هناك تأييد ضمني بين كل الأطياف المهتمة بأنها تستحق الموت٬ كل الأصوات العربية المتأثرة من هذه الفجائع توجه كل مكبراتها نحو الداخل في حلول ثقافية٬ في حوار جاد٬ في نقد متواصل للمنظومة القيمة٬ وهذا ما لا شك في صحته ولزومه٬ لكن ما مدى فاعليته على المدى القصير؟ ولو افترضنا بأن المثقفين يبدؤون بطرق الأبواب واحدًا بعد الآخر ويقيمون مؤسسات ثقافية في كل بيت٬ هل تنتهي جرائم الشرف؟ التغيير يحدث لكن يتطلب نفسا طويلا وأدوات اقتصادية واجتماعية لا يملكها المثقف الأهوازي٬ مثل تفتيت الهوية القبلية وتعزيز الهوية الفردية والهوية الأهوازية٬ ونظام تعليم جاد يعمل على تعزيز القيم الإنسانية٬ وإنشاء دور أمان للنساء المعنفات وتأهيلهن لتكوين حياة جديدة بعيدة عن بؤر العنف.
حتى هذه الأصوات الحالمة بخرق الجدران لم يخل طريقها من مطبات حادة٬ هناك أصوات معارضة ولها منصاتها العدة ترى أي دعوة لمساءلة الأعراف والحاضنة القبلية لها خروج على الهوية العربية. إذن الاعتراف بالحق الإنساني للمرأة (مثل التعليم والزواج٬ العمل والزي و.) ظلّ لسنوات عديدة يؤول بأنه خروج على الهوية والثقافة العربية٬ وفي العقود الأخيرة التي بدأت تتكون تلك الطبقة من المثقفين المعتزين بالهوية العربية ذي النظرة النقدية للأعراف والتقاليد لم يقامروا بعد بنقد عملي وخروج كامل على المنظومة العرفية والحاضنة القبلية التي ترفد الجرائم بالتبرير.
تاريخيا ندرة فرص التعليم والتوظيف٬ والتغيرات التي أُفرضت علينا وأبعدت نسبة كبيرة من أسلافنا من التحديث الذي تستبطنه حياة المدينة٬ ربطا هويتنا بالقبيلة والأعراف وطاب بمذاق الآخر المتربّص بالبوابة والسلطة٬ وظلّ يسمينا العشائر والطوائف وكل ما يُصنف في العالم الحديث حتى في حدود القانون الإيراني عدوانًا على الحريم الإنساني امتثل له الحارس بأنه عُرفنا وسمة هويتنا. لم يهمه نزفنا إلا إذا مسّت أبراجه ورقة صفراء ضائعة من العواصف التي تزعقها القبيلة والأعراف وتنسف الحياة والأخلاق. خلافا لما يقال الهوية العربية لم تعد بحاجة للخيمة القبلية٬ الهوية بحاجة إلى أعمدة علمية وثقافية واقتصادية في قلب المجتمع المدني لتصمد أمام شتى العواصف التي تهدد وجودها. العقلية القبلية تدفن الهوية الفردية والروح الإبداعية وعلى قبرها تجتر القناعات البالية٬ احتفظت بالأغلفة الهوياتية وشحنت الإنسان القبلي بالسبات الفكري والعدائية٬ صارت فزاعة تصون الصحراء من المطر والبذور.
توجيه الأصوات نحو القانون لا يعني بأن هناك قانونا عادلا يعاقب ويمنع جرائم قتل النساء٬ وكما نعلم قوانين إيران وكثير من البلدان العربية والإسلامية توفر الأرضية لهروب المجرمين من العقاب وتعطي الضوء الأخضر للمجرمين القادمين٬ بل توجيه مكبرات الصوت نحو السلطة القضائية هو الانضمام لحركة شاملة لديها حُماتها من الأوساط الحكومية والثقافية وضغوطات عالمية للحد من تساهل القانون مع القتلة. إلقاء اللوم على ما يلوح من الجبل الثلجي للأعراف والتقاليد القبلية٬ والانكفاء على الذات وتضخيم أثر توصيات أخلاقية لا يقرأها سوى مجموعة محددة من الكتاب٬ والتوهم بأن التغيير المنشود سيحدث فكل هذا ليس إلا مجلس تأبين متنوّر يقام بعد كل جريمة وسرعان ما ينسى الميت ويفتعل الموت من جديد.
جلّ ما يستطيع تقديمه المثقف الأهوازي إزاء هذا الجبل الموغل في القدم إضافة إلى نتاجه المعرفي هو خرق تلك المنظومة العقائدية وزعزعة قدسيتها عبر تقديم نمط حياة يحتفي بالتسامح والقيم الإنسانية وينبذ العنف٬ وغير هذا لا سلطة له ولا أدوات تمكنه من التضييق على البيئات المشحونة بالعنف ونظام التقييم المبني على الجسمانية الذكورية.
المنافذ الموجودة في السلطة والقانون هي البوابة التي تملك الأدوات للعقاب٬ والردع ٬ والحماية٬ والتعليم الجاد٬ إذن هي الأخرى من النائمين أو المتجاهلين التي تلتحف بالجدران والتي يتوجب على ذبابة سقراط أن تلسعها كما يقول جورج طرابيشي بأن المثقف هو ذبابة سقراط ليوقظ ليلسع لا أن يخدر. وهناك أصوات أقوى منا في طهران وكردستان ومناطق أخرى تشاركنا هذا الهمّ ولها آلياتها للضغط على الحكومة. الاستعانة بإمكانيات هذه الأصوات الرافضة للعنف ضد المرأة تدفع بأي حراك ثقافي في الأهواز خطوات إلى الأمام.
خلافا لما يبدو هوة الاختلاف بين الآخر العربي الذي يعتبر الأنثى ملك القبيلة وسلوكها الجنسي مرآة شرف رجالها٬ والمثقف الذي يروج للحياة والمسامحة والحقوق المتساوية أكثر بكثير من أن يدخلا حوارا ونقدا ذا فاعلية. القاتل بدافع الشرف ليس بحاجة إلى معلومة لتذكره بقذارة فعله، هو نفسه ربما يرتبط بامرأة متزوجة اليوم ويقتل أخته غدا إذا خانت زوجها. ليس الأخلاق همّه بل الأعراف التي تتحكم في لا وعيه ووعيه وتحدد رؤيته للحياة كمنظار التصق بعيونه عبر رسوبات ثقافية لم تتعرض إلى أي هزة قوية تخلّ في الرؤية المعتادة٬ وعقله غير المتدرب على التعامل مع الأحداث بنمط مغاير للعقل المجتمعي٬ وعوامل عدة تتطلب دراسة متخصصة في هذا الشأن قادته كعضو من منظومة دوغمائية يستسيغ الجريمة والقتل للحفاظ على هويته وشرفه المستعار.
ليست النساء وحدهن من نسمع صراخهن خلف الجدران العالية وحارس البوابة لا يحرك ساكنا٬ هناك الرجال الذين تهرس أرواحهم ماكينة الصراعات القبلية وكثير منهم يجرون إلى الصراع أو تهدر حيواتهم لمجرد انتماءهم القبلي وليس هناك إرادة من السلطة للقضاء على دورة العنف الذي يقف العقل القبلي عاجزا عن اجتثاث جذورها.
كما أن هناك حالات اغتصاب أطفال وأولاد يتم السكوت عنها وحلها بالفصل خوفا من التشهير بهم رغم أن نص القانون واضح في هذه الحالة وربما تصل العقوبة إلى الإعدام. طغيان الحلول القبلية على الحلول القانونية وعدم اهتمام السلطة بالصراعات العربية-عربية يحولان دون الانتقال إلى مجتمع مدني٬ لهذا لم يزل عنصر القوة الجسدية وعدد رجال القبيلة هو العنصر الأساسي الذي يزعزع الأخلاق والفضائل في حلول المضيف. هناك أحداث نسمع بها تحذرنا مما هو أسوا من جريمة قتل بلا حاضنة اجتماعية٬ هناك انجرار نحو الرذائل ربما تقوده أيادي خفية تستعين بجمود العقلية القبلية٬ المغتصِب في معية أعمامه يدفع لأهل المغتصَب وتحل المشكلة٬ هكذا السارق٬ والقاتل٬ لا جريمة موجهة إلى عربي آخر تسحب المظلة القبلية من رأس مجرم. وحدها المرأة العربية بلا قبيلة تساق إلى مذبحة الأعراف بلا مظلة تعطف عليها. إذن خلافا لما يروج ليس المنظور الديني والأخلاقي في تجريم العلاقة خارج الزواج هو من يقود المتطرفين إلى جرائم الشرف بل المرأة الحلقة الأضعف في هرم السلطة الذكورية تعد المصطبة التي يرممون شخصياتهم المقهورة فوق ركونها.
الإصلاح الثقافي بصحبة القانون يأتي كالحصان وبدونه يدبي كالخنفساء٬ فلنفترض أن الحكومة تتخلى عن وظيفتها٬ الإمساك باللصوص ومعاقبتهم٬ وعلينا أن نحمي بيوتنا وأموالنا بأنفسنا؟ ماذا سيحدث؟ إما نفلس ونهرب إما نتصادم مع المجرمين٬ ونجر إلى سلوكهم.
لا ننسى بأن السرقة في قديم ليس ببعيد لم تكن من الرذائل الأخلاقية٬ و”دواس الليل” كان الرجل الشجاع والقوي الذي يسطو على أموال القبيلة الأخرى ويتصدّى لسطوات القبائل الأخرى.
قتل فاطمة في عبادان فعّل حوار حول جرائم الشرف وألقى الضوء على الضحيات العربيات لكن غالبية النصوص والآراء العربية التي أطلعت عليها كانت محافظة ومختبئة خلف كلمات ملتبسة: المرأة التي يختارونها ويصممونها للدفاع عن حقها هي امرأة مظلومة عذراء أكثر ترجيحا٬ ترغم على الزواج من أبن عمها وفي أفضل الحالات أنها فتاة عاشقة تحلم بزواج فارس أحلامها. لكن الأخرى الخاطئة الأخرى الخائنة٬ مثل القتيلة الأخرى في عبادان٬ وقتيلة أخرى في تستر قبل عامين وأخرى في معشور والأهواز وكثيرات من يخطئن٬ هن مودعات للموت بتأييد شامل بين السلطة والأعراف والإعلام٬ وخطيئة المرأة لا تغفر ولا عقاب أقل من الموت يزيح أثرها.
يبدو شريحة كبيرة من المثقفين لم يؤمنوا أو لم يتجرأوا على الإفصاح بعد أن المرأة كائن إنساني كالرجل قد تخطئ قد تخون قد تغدر وكل هذا لا يبرر قتلها. كثير منهم متصل بالمنظومة القبلية والقيم العرفية وغير قادر أن يحدث طنينا يعبث بنوم العرف الأبدي.
المضائف الحديثة والأقنعة التنويرية التي تحاول توجيه الأصوات الرافضة للعنف نحو تفسير ضيق من حقوق المرأة٬ وتؤدلج الأصوات المناهضة للعنف وتجرها إلى خيمة أخرى أكبر بقليل من خيمة القبيلة تناسب تعريفها الضيق للهوية العربية٬ كأن الهوية العربية قبعة موروثة لا تضم إلا الأدمغة التي تنمو بحجمها٬ تناست بأننا لم نعد في بدايات القرن العشرين وحرية المرأة ليست هدية فكرية جاءت بها متعلمة من باريس وعليها أن تؤسس خطاب خاص يتناسق والبيئة العربية. حقوق المرأة هي حقوق الإنسان أولا وآخرا. ما تصرخ به المرأة الحرة في طهران والأهواز والرياض من طينة واحدة٬ حقوق الإنسان بمعزل عن جنسه٬ وعرقه٬ ودينه. هل هناك حقوق خاص بالرجل العربي تميزه عن الرجل الكردي أو الفارسي أو حتى الغربي؟
كل الأصوات التي تنعي الضحايا بدون أدوات لخرق الجدران هي رياح تهب أثر الحوادث وسرعان ما تخفت لكن المرض الأكبر بلا أدوات قانونية لمعالجته يبقى رهين أجيال حتى يضعف أو ربما يستفحل. الحلول العرفية وغياب القضاء العادل من الصراعات هو اللحد الذي يخر إليه الضعيف غصبًا.

Author : أنا مثقف الأهواز

أنا مثقف الأهواز

RELATED POSTS

تعلیقک حول الموضوع

*

تطبيق الواتساب
1
تواصل معنا عبر تطبيق الواتساب
مرحباً
تواصل معنا عبر تطبيق الواتساب
او ارسل لنا رسالة عبر البريد الأكتروني التالي:
anamothaqaf@gmail.com