مُقدمةٌ في المرأة الأهـوازيـة/ سعيد إسماعيل

img
  • مُقدمةٌ في المرأة الأهـوازيـة
  • سعيد إسماعيل

مدخل

لكل مجتمع من المجتمعات نوعٌ من الحقوق والحرية يتناسبان وهوية وثقافة وتاريخ ودين ذلك المجتمع. صحيحٌ أنَّ “الحرية” بحد ذاتها مقبولة لدی الأغلبية الكاسحة من المجتمعات، لكن مفاهيمها وحدودها تختلف من مجتمع إلی مجتمع آخر نظرًا لاختلاف الثقافات والبنى الفکرية؛ فالحرية المنشودة في الغرب لها مفاهيمها وحدودها، وهي مستقاة من رحم مجتمعاتهم وتاريخه، سواء کانت مقبولة لدينا أم مرفوضة. وما يهم هنا هو خصوصية المرأة الأهوازية، ووعي الاختلاف بين الثقافات والأرضية المتاحة لقبول الحريات في المجتمع بصورة عامة. وينبغي أنْ ندرك أنَّ التغيير لا يتحصل بين ليلة وضحاها بل بتراكم الجهود وتظافرها تدريجيًا وأيضًا بوعي يعي التحديات دون تشظي في الرؤية.

مسألة المرأة من المسائل الاجتماعية والثقافية الشائکة والمثيرة للجدل في العالم، وبالذات في العصر الحديث مع تنامي وعي المرأة وشعورها بالاضطهاد الممنهج الذي تمارسه ثقافات الشعوب تجاهها. ومع غياب مؤسسات معينة في كثير من البلدان تهتم بهذا الأمر أصبح الفکر الغربي هو من يقود هذه المسألة ويرسم حدودها ويؤطِّر مطالب المرأة وفق رؤيته ومنهجيته، لذلك، المعايير التي فُصِّلت لحقوق المرأة وحريتها هي معايير تتفق والفکر الغربي وثقافته وتاريخه، وإذا كان غير هذا لِمَ ما عدا هذه المعايير التي مقبولة في الغرب تعرف بمخالفة حقوق المرأة أو حريتها؟!

لكن، هذه القراءة في وضع المرأة الأهوازية ليست بصدد المقارنة ولا أن تنظر إلى ذواتنا من مِنظار الآخرين، بل تنظر إلى ذواتنا من منظار ثقافتنا وهويتنا وفكرنا الجماعي. لذلك، الحرية يمکن تعريفها والتأسيس لها نظرًا لثقافتنا ورؤيتنا تجاه ذواتنا والحياة والعالم. إن الکثير من الأمور التي الآن باتت من الأمور البديهيةلم تكن کذلك بالنسبة للمجتمع ولا بالنسبة للمرأة ذاتها؛ هي أمور لم يکن للمرأة أي دخلٍ أو إرادة فيها، بل أُقحِمت المرأة في هذا الوادي دون وعيٍ منها، وأن الکثير من مشاهير النساء اللاتي رفعنَ راية نصرة المرأة المضطهدة في الشرق هن أنفسهن مضطهدات، لكن، بطريقة أخرى، علی سبيل المثال الدور الاستعراضي الذي يقمن به في الإعلام واستعمالهن کسِلعٍ لتسويق منتجات کُبرَيات الشريکات التجارية والدعائية. وإن رغم الحرية المدعاة إلا أنها تُساق سوقًا مخدرة لا وعي لها وغيرها من الطرق للالتفاف على مسألة تحرير المرأة تحريرًا حقيقيًا لكي تنجز ذاتها بذاتها. وأيضًا، من جانب آخر هنالك شريحة أخرى متخلفة ومتحجرة تضيَّق على المرأة بحجج الحفاظ على شرفها وشرف العائلة أو بداعي الحرص على الإرث العرفي/الثقافي الذي وصل إليهم من الأجداد!! وبهذا يبخسونها حقها وحريتها في الحياة على جميع الأصعدة.

مصادر النظرة تجاه المرأة الأهوازية

في كل مجتمع من المجتمعات نظرة تجاه المرأة قد تختلف عن باقي المجتمعات التي تشكلت خلال قرون من التراكمات الثقافية والتاريخية والسياسية وقد تقترب الرؤى من بعضها البعض وقد تبتعد، لكن بصورة عامة توجد خصوصية لكل مجتمع بعينه، وكذلك مجتمعنا الأهوازي يمتلك هذه الخصوصية، بخاصة أنه مرَّ بصيرورة تاريخية فريدة حيثُ أن المجتمع الأهوازي عاش –على الأقل القرون الخمسة الماضية؛ المشعشعية والكعبية- بصورة مستقلة وفاعلة بين إمبراطوريتين؛ هما الصفوية والعثمانية وهذه القرون الخمسة زادت على هذه الخصوصية بسبب وجود دولة منبثقة من البيئة ذاتها تسوس أمور الشعب.

يمكن القول أنَّ النظرة تجاه المرأة الأهوازية تنطلق من ثلاثة ركائز مؤثرة في المجتمع الأهوازي؛ العُرف والدين والقانون، وقد يكون تأثير أحد هذه الركائز أكبر من غيره وقد يختلف هذا التأثير بالوقت ذاته بين الشرائح في المجتمع باختلاف محيط الشخص ومستواه الاجتماعي.

نظرة الـعُـرْف تجاه المرأة الأهوازية

العرف أو الثقافة العامة الأهوازية من المصادر المؤثرة التي أسست للنظرة تجاه المرأة الأهوازية وكذلك لقرون متعاقبة كان العرف المصدر التشريعي الوحيد في مسألة حقوق المرأة وحدودها، غير أنَّ العرف بصورة عامة يفكر بفرض الحدود والقيود على المرأة قبل أن يفكر بحقوقها؛ فهي، بصورة عامة لا تتمتع بما يتمتع به الرجل من حقوق وحريات، ويمكن أن يُلاحظَ هذا في شتى مستويات الحياة، وإنْ تغيرت نظرة العرف قليلا بفعل ظروف اجتماعية واقتصادية وثقافية، غير أنَّ هذا التغيير لم يكن بنيويًا وجذريًا بل تغيّرات شَكلية؛ فالعقلية الذكورية برغم تراجع حدتها إلا أنها لم تعلن عن هذا بصورة رسمية بل مجرد صمت وتماشيًا مع التيار دون إزالة النظرة الدونية تجاه المرأة.
مجلس العرف هو “المضيف” ومنه تكتسب النظرة تجاه المرأة شرعيتها الاجتماعية وكما يقال –المجالس مدارس- وهو بالفعل مدرسة العرف الاجتماعي الذي تخرج منه آخر الأطروحات العرفية. والمضيف هو مكانٌ ذكوريٌ بامتياز، لا مكانَ للمرأة فيه، وهو المكان الأكثر رسمية في العرف الاجتماعي رغم أنه لم يتبع مؤسسة رسمية بالمعنى الحديث.

الرؤية التي تنبثق من العرف أحيانًا كثيرة تحاول أن تضفي هالة من التقديس لأعرافها لكي تجعل نقد هذه الأعراف تكون عملية مستحيلة، بل لا ترى بأسًا حتى في تجاوز بعض الحقوق التي أقرَّها الدين، مثل مسألة الإرث، حيث تُحْرم المرأة منه في أغلب القرى وحتى في المدن دون أن يُثار حول هذا نقاشٌ حقيقي. وكذلك مسائل أخرى مثل؛ قضايا الشرف والزواج، وحرية التعبير ومبدأ المساواة.

العرف في الأهواز بمرور الوقت تأثر بمظاهر الحداثة والتطور وهذا طبيعيٌ أن يحدث، لكن العقلية الذكورية لم يتخللها تغيير ملحوظ وكذلك عقلية المرأة القانعة بمركزية الذكورية في الحياة، بل لا يوجد أي خِطاب نقدي انبثق من العرف ذاته لإصلاح النظرة تجاه المرأة، ولا أُتيحَ المجال للمرأة ذاتها أن تؤسِّس خِطابها بنفسها، لأن القيود العُرفية مازالت تلقي بثقلها على أغلبية النساء الأهوازيات ولم نشهد تبلور أي خطاب نسائي أو نِسوي أهوازي. بل عدد لا يستهان به من النساء يساهمن في إعادة صياغة المفاهيم العرفية والذكورية في المجتمع والتي لا تستند إلى عقلانية أو رؤية عميقة في الحياة.

نظرة العرف تاريخيًا لم تكن محايدة تجاه الجنسين، بل هنالك تهميش واضح في الخطاب العرفي للمرأة. وكذلك تقزيم دورها الإيجابي وتضخيم الأخطاء التي تقع فيها. وإذا حدث محظور عرفي فالمرأة هي التي ستدفع الثمن، وعلى سبيل المثال لا حصر حول صدق مقولة تهميش حق المرأة في العرف هو عدم تداول محاسبة الرجل إذا فعل محظور عرفي بل العقاب للمرأة فقط حتى إذا اشتركا في هذا الفعل.

الدين والمرأة الأهوازية

الدين من المصادر المشرِّعة للنظرة تجاه المرأة في المجتمع الأهوازي، غير أنه يأتي بدرجة ثانية في التأثير، بل حتى يتم توظيف الخطاب الديني لتسويق العرف الاجتماعي، لكن بصورة عامة أن للدين تأثير لا يمكن الاستهانة به، غير أنها ليست رؤية دينية منبثقة من النص الديني كما هو، بل أن النص الديني يخضع إلى تفسير ذكوري بامتياز ليتناسب والرؤية الذكورية للمرأة وللحياة. هذا التفسير الذكوري للنص الديني لا يختص بالمجتمع الأهوازي فقط بل يشمل أغلب المجتمعات التي تعاني من تضخم الذكورية في المجتمع.

التفسير الذكوري يُخضِع النصوص لرؤيته بل ويقدم الآيات مبتورة لتناسب رؤيته لاستمرارية الهيمنة الذكورية وهكذا يتداخل ما هو ثقافيٌ بما هو ديني في المجتمع.
المشكلة الكبرى التي تحدد المرأة وتبخسها ذاتها هي التفسير الذكوري للنص القرآني، وكذلك الفقه الإسلامي، وينبغي لنا أن نميز الفرق بين الفقه الذي يستند على الأحاديث والروايات والتي هي محل جدل وبين النص القرآني الذي هو الأصل. والنقاشات المتعلقة بالدين هي؛ تعدد الزوجات، العمل، العنف الأسري، الإرث، تحمل تبعات الزوج غير السوي، وغيرها من النقاشات.

القانون والمرأة الأهوازية

القانون يقع في درجة أقل من العرف والدين في التأثير في المجتمع بل ظلَّ “المضيف” هو الذي يُشَرعِن ما هو مطلوب ومرفوض بالنسبة للمرأة وحياتها، ولهذا أسبابٌ عدة؛ منها أن القانون الحالي لا يمثل المجتمع الأهوازي، والمحكمة تعد آخر طريقة لفض الاختلافات التي تحدث. فالمحكمة الحديثة في الأهواز منذ تأسيسها لم ترمز إلى العدل بالنسبة للإنسان الأهوازي، وهذا الذي جعل المشكلات تُفض عُرفيًا لا قانونيًا برغم أن القانون المعتمد خليط من الفقه الإسلامي والقانون الغربي. ومن المستبعد أن القانون يتمكن من إحداث تغيير في هذا الشأن نظرًا للرفض الاجتماعي للدوائر الرسمية، فالتغيير مأمول أن يحدث في بِنْية العقل الأهوازي والثقافة.

رؤية الرجل الأهوازي تجاه المرأة الأهوازية

نظرًا لما ذكر آنفًا فإن رؤية الرجل الأهوازي بصورة عامة تتشكل في إطار العرف ولم تتغير كثيرًا بل ظلَّت تجتر الترسبات والتراكمات دون انفتاح ملحوظ إلا لدى الطبقة المتعلمة وأيضًا بصورة محدودة وشكلية. والنقاش حول حقوق المرأة وحريتها ليس نقاشًا ساخنًا في المجتمع الأهوازي، بل حتى ليس من المواضيع المطروحة أصلا، وهذا يظهر مدى ركود الحراك الثقافي وبُعده عن الوعي المتكامل تجاه أسباب تحديث المجتمع وتقدمه وتأهيله لخوض قضايا كبرى.

الرؤية الذكورية المتجذرة في تعامل الرجل مع المرأة لها مقبولية اجتماعية من قبل أغلب الرجال، ومن الغريب، القول، إن أغلب النساء أيضا يدافعنَ عن الذكورية أحيانًا كثيرة بصورة مبالغة أكثر من الرجل ذاته، وهذا بسبب الجمود الذي تعيشه المرأة الأهوازية دون بوادر خطاب يلوح بالأفق لإحداث تغيير ملحوظ ينتشل المجتمع من الواقع المزري الذي يعيشه.

المرأة مازالت في مخيال الرجل هي الجنس الضعيف الذي يجب رعايته دون معرفة هواجسه وأهدافه، وهذا يشمل حتى الشباب الذي يشتغل بالعمل الثقافي الهادف! فالرجل لم يتصور امرأة أهوازية مستقلة عنه اقتصاديًا واجتماعيًا بل هي هامش تابع للمركز/ الرجل؛ وهذا لا يعني أنَّ تغييرًا إيجابيًا لم يحدث بل يعني أن التغيير لم يكن كما ينبغي بل بمستويات متدنية ويقتصر بطبقات اجتماعية محددة.

رؤية المرأة تجاه ذاتها

للأسف، أنَّ رؤية المرأة الأهوازية تجاه ذاتها يشوبها شيء من الضبابية والتماهي مع الرجل المركز؛ فهي تشارك في ترسيخ الهيمنة الذكورية من خلال التواطُؤ معه للنيل من حقوق المرأة ذاتها، إنها تشارك من دون وعي في تهميش نفسها أكثر فأكثر عندما تخضع لعاطفتها على حساب عقلها وطموحها.

الوعي النسوي بين جمهور النساء الأهوازيات لا يكاد يُذكر؛ فهي خاضعة تمامًا للرؤية الذكورية وقد تدافع عنها أكثر من الرجل ذاته، وهذا لأسباب تاريخية حالت دون انعتاق المرأة من ربضة التخلف. بصورة عامة أنَّ كل جماعة مشتركة تحتاج إلى دافع قوي ومقنع لكي يجمع أفراد الجماعة يؤطرهم ضمن خِطاب قادر على إحداث التغيير الإيجابي في بنية هذه الجماعة. ومن المأمول أن الحراك النسوي الأهوازي أن يكون واعيًا بالتحديات التي تعترض طريقه ليتمكن إيصال رسالته التقدمية وخلق مجتمع صحي ومتناسق ومتماسك.

سعيد إسماعيل 2018

Author : أنا مثقف الأهواز

أنا مثقف الأهواز

RELATED POSTS

2 دیدگاه برای “مُقدمةٌ في المرأة الأهـوازيـة/ سعيد إسماعيل”

  1. مقاله جرئه جدااااااً ‏وصادقه وهي ‏من المقالات التي لا يجادل عنها الكثيرون ! مع أنها ضرورية وأساسيه لمجتمعنا الحاضر و مفيدة جدا، أتمنى أن تستمر ‏بالكتابة اكثر حول هذا الموضوع شكراً لك👏🏻‏نتمنى لك التوفيق👏🏻👏🏻👏🏻👏🏻💐💐🌸🌸🌸🌻🌻🍀🍀🍀🍀🍀🍀

تعلیقک حول الموضوع

*

تطبيق الواتساب
1
تواصل معنا عبر تطبيق الواتساب
مرحباً
تواصل معنا عبر تطبيق الواتساب
او ارسل لنا رسالة عبر البريد الأكتروني التالي:
anamothaqaf@gmail.com