الأدب الأهوازي بين سندان الأدب الملتزم وأدباء البرج العالي/ خليل حمداوي

img
  • الأدب الأهوازي بين سندان الأدب الملتزم وأدباء البرج العالي
  • خليل حمداوي (من التميمية)

باديْ ذي بدء من الضروري تقديم تعريفا موجزا للمصطلحين: يقال عن أدباء البرج العالي، أولئك الذين ينظرون إلى المجتمع بنظرة فيها نوعٍ من استعلاء واستكبار و يضعون أنفسهم في دوائر ضيّقة ومغلقة ويبحثون عن مجتمعات مثالية، صعب بل يستحيل تحققها في العالم الواقعي. كما أن الأدب الملتزم هو مشاركة الأديب الناس هموهم الاجتماعية في الدرجة الأولى و مواقفهم الوطنية والوقوف بحزم واقتدار لمواجهة ما يتطلبه ذلك. يشير سارتر ألى الدور الكبير الذي يبرزه الأدب الملتزم في مستقبل المجتمعات وتحديد مصيرهن. من وجهة نظر سارتر فالأدب مسؤول عن الحرية وعن الاستعمار وعن التطور وكذلك عن التخلف ” مما لا ريب فيه أن الأثر المكتوب واقعة اجتماعية و لابد أن يكون الكاتب مقتنعا به عميق الاقتناع حتى قبل أن يتناول القلم و هو مسؤول عن كل شئ، عن الحروب الخاسرة أو الرابحة، عن التمرد والقمع، إنّه متواطئ مع المضطهدين إذا لم يكن الحليف الطبيعي للمضطهدين.” ( سارتر، الأدب الملتزم: 44-45)


يقال إن الأديب ابن بيئته و المقصود من الأديب، الكاتب و المترجم والقاص والروايي والناقد. ” في العصر الحديث أصبح للأدب معاني عديدة، بمعني أخرى يطلق على الأدب معنى شامل وعام ويدرج كل ما يكتب في اللغة تحت مفهوم الأدب وأيضا للأدب مفهوم خاص ويشمل العديد من أساليب الكتابة الشعرية والنثرية والقصص والروايات والترجمة والنقد و… .” ( مفهوم الأدب، mowdoo3.com بتصرف) هدف الأدب تجسيد مشاركة الأديب الناس همومهم الاجتماعية ومأساتهم كما أشرنا سالفا.
نواجه اليوم ظاهرة مخيبة للآمال في الأدب الأهوازي وهي النظرة الاستعلائية على المتلقي و ربما علي الشعب، حيث أصبحت هذه النظرة واضحة من قبل بعض الأدباء إن صح التعبير، هذه الظاهرة لا تتوافق مع فلسفة الأدب الملتزم، لأن التواجد بين الناس وفهم معاناتهم واستيعاب آلامهم ومصائبهم يعتبر الأمر الضروري بالنسبة للأديب وهذا الأمر لا يتناسب مع النظرية أدباء البرج العالي التي تحدثنا حولها في بداية المقال. النظرة الاستعلائية لا تتوافق بأي حال مع الأدب الملتزم تجاه شعب يعاني الكثير من الأزمات الاجتماعية والثقافية والمعيشية.
على الأدباء أن يعيشوا تجربة عصرهم وهم لديهم وظيفة اجتماعية وأخلاقية نحو القضايا الاجتماعية في مجتمعهم لأنّ المقصود من الأدب الملتزم انصهار الأديب في مجتمعه وانشغاله بقضايا التي تعد جزءا من يومياته المستمرة. الأديب مسؤول أمام الكثير من التحديات التي يواجهها في المجتمع، هو مسؤول عن الفقر والظلم والقضايا المرأة والتخلف والتفشي الأمية. لا يمكن للأديب أن ينظر إلى مجتمعه بنظرة استعلائية واستكبارية وعليه أن يتواجد مع شعبه في السراء والضراء. في الحقيقة نحن نواجه واقع أن بعض الأدباء الأهوازيين محاصرون في غرفهم الحقيقية أو الخيالية وتلك الأمر واقع من قبلهم وليس من قبل المجتمع و هم يبررون ذلك لأسباب خاطئة مثل عدم تقدير المجتمع لهم أو الخوف من الظروف السياسية و الاجتماعية. إذن النظرة استعلائية إلى المجتمع، حب الذات، التقليل من شأن المتلقي والاختباء في زاوية و عدم الظهور في المجتمع وبين أوساط الجماهير تعتبر من أهم ميزات الأدباء البرج العالي.
يقول إرنست همينغوي ” إذا تم وضع كاتب بجانب مجموعة أخرى من الكتّاب، فمن المؤكد أن حافزه للعمل سيزداد” من هذا المنطلق نقترب إلى حالة أخرى من ميزات الأدباء البرج العالي وهي الفرار من العمل الجماعي التي هي الأخيرة تعتبر الحلقة المفقودة في الأدب الأهوازي. لدينا الكثير من الأدباء الأهوازيين لا يعترفون بالعمل الجماعي وهم يحبذون العمل الفردي، لهذا الأمر أسباب كثيرة منها سوسيولوجية و منها سيكيولوجية ومنها النظرة الاستعلائية والتأثير من هذه الحالات تؤدي إلى عدم القبول بالنقد وفي ظل هذا الوضع من الطبيعي أن نرى إن النقد الأدبي مهمش في ظل النظرة الفردية ولم يتمكن من إيجاد مكان جدير في الوسط الأدبي. مادام الأديب يعتقد بالنظرة الاستعلائية و يعتبر نفسه متفوقا على الغير فالعمل الفردي مستمر وبدوره يذهب بالأدب الأهوازي إلى الوضع الثابت وغير ديناميكي. العمل الجماعي و قبول بالنقد والترحيب به وعدم الاستياء من الآراء حول الأعمال الأدبية مهما كانت شريطة أن تلتزم بإطار العمل يؤدي دون أدنى شك نحو التغيير والخروج من الجمود. نظرية الأدباء البرج العالي لا تتوافق مع الأصول العمل الأدبي لأنها تريد الانفراد بالساحة والتركيز على أنا بدل نحن. ربما يمكن القول أن حب الذات أو ما يسمي الصيت أو السعي للوصول للشهرة من الميزات التي تحول دون القبول بالنقد من قبل الأدباء البرج العالي لأنهم يحبذون الانفراد بالساحة ولا يريدون أي صوت يعلو على صوتهم.
يجب نقد كل عمل أدبي بعناية والتركيز وعلينا أن نشير أن النقد هنا يصب في مصلحة النقد البنّاء بدل النقد الهدّام والتمييز بين الناقد والمنتقد. المجتمعات الراكدة أو شبه راكدة لاتنجب إلا الاعتداء والكراهية وعدم القبول بالغير. نحن في المجتمع الأهزازي كنا و ما زلنا نواجه الركود الفكري والثقافي ورأينا سلبيات هذا الركود بوضوح. المجتمع الراكد يخلّف النظرة الاستعلائية وهذه النظرة تبرز نفسها بالأدب الأهوازي بسبب أنه لا يجري الاختلاف حول كتابة أو نظرية أو مفردة إلا وينتهي صوب العراك والزعل والقذف بالكلام المشين. هذه الخصوصية السلبية لها علاقة مع تلك الميزات التي ينفردون به أدباء البرج العالي لهذا نرى أن الأدباء البرج العالي يعتبرون عقبة أم التقدم بالساحة الأدبية وتواجدهم هو السبب لعدم وجود ديناميكية وحيوية في المجتمع. النقد والمعارك الفكرية والحيوية الثقافية والفكرية من أهم الوجوه للغلبة على الركود الفكري؛ والابتعاد عن نظرية الأدباء البرج العالي هو السبيل الأمثل للوصول إلى السير إلى الأمام نحو الخروج من هذا الركود.

Author : أنا مثقف الأهواز

أنا مثقف الأهواز

RELATED POSTS

2 دیدگاه برای “الأدب الأهوازي بين سندان الأدب الملتزم وأدباء البرج العالي/ خليل حمداوي”

  1. ممتاز جدا، أدباء البرج العالي لا يريدون صعود مواهب جديدة في الساحة الأدبية

  2. احمد صاكي

    تحية لك حبيبي استاذ خليل

    أظن أن فكرة المقال تدور حول بعض الآفات التي تصيب الكتاب والنخب الأهوازية وهي التعالي على الآخرين . أراك صائبا فيما كتبت و إن كانت هناك نماذج استثنائية تطعن في ذلك. على سبيل المثال كان المتنبي يرى نفسه الأعلى مرتبة عن الشعراء والأدباء في عصره مع ذلك كان ومازال الادب العربي مدين لابي الطيب إلى حد كبير. قال المتنبي في نفسه:
    أمط عني تشبيهي بما وكأنه
    ما أحد فوقي ولا أحد مثلي
    وهناك آخرون من أمثال المتنبي فهذا أمر قد يكون طبيعيا . لكن الطامة الكبرى ظاهرة أخرى بدأت تتفشى في مفاصل النشاط الأدبي يروج لها بعض الأشخاص وهي ظاهرة يمكنا تسميتها ب ” الأدب المايع” . هناك محاولات خبيثة لتحريف الأدب العربي في الاهواز عن مساره الصحيح وهو معالجة الواقع و نقده . يحاول مروجو هذا الادب ابعاد الشباب عن القضايا التي تمس الواقع واتجاهها نحو امور فردية بحته كالحب و … وأظن أن هناك جهات معينة تحفزهم على ذلك لاسيما وان الأخر يرغب في ذلك بغية امتصاص وعي النشطاء الشباب في الساحة الادبية . والحديث طويل والزمن كفيل بايضاح الغامض من الأمور

    تحياتي

تعلیقک حول الموضوع

*

تطبيق الواتساب
1
تواصل معنا عبر تطبيق الواتساب
مرحباً
تواصل معنا عبر تطبيق الواتساب
او ارسل لنا رسالة عبر البريد الأكتروني التالي:
anamothaqaf@gmail.com