الثنائيات الثقافية في قصيدة (من نصوص الحجر الصحي/ مريم كعبي)

img


.

الثنائيات الثقافية في قصيدة (من نصوص الحجر الصحي/ مريم كعبي)

قراءة نسقية ثقافية

بقلم: د.فاضل الغزي

الملخص:

تسعى هذه الدراسة إلى البحث في الثنائيات الضدية ، وعدَّها ثنائيات ثقافية ترتبط بالنفس الإنسانية ، من خلال الوقوف على العلاقات التفاعلية بينها ، واكتشافِ أنساق الاتصال والانفصال ، والقبول والرفض بين الأنا والآخر بوصفهما ثنائيتين مهمتين تنبعث منهما ، أو ترتبط بهما ثنائيات ثقافية أخرى.

وتحاول الدراسة أيضاً أنْ تقف على أهم الثنائيات التي شكلت مساحة كبيرة في القصيدة وتوضيح مفهومها في اللغة والاصطلاح ، وأنواع العلاقات التي تستند عليها.

المقدمة :

لا يمكن لأحدٍ أنْ ينكر التفوق الشعري في الأدب العربي الأهوازي ، حيث برز شعراء كثيرونَ قديماً ، وحديثاً ، كانتْ لهم بصمتهم الواضحة في هذه المسيرة الشعرية التي أفرزت شعراء يقتربون في تميزهم من الشعراء في الوطن العربي ، فكانتْ نتاجاتهم الشعرية دليلاً كبيراً على تفوقهم في هذا الفن.

وتعدُّ الأديبة الأهوزاية مريم كعبي إحدى الشاعرات اللائي تركنَ بصمتهنَّ في هذه المسيرة الزاخرة بالعطاء ، والتي تواكب الحداثة بأسلوبها ، والجنس الشعري الذي يقتربُ من قصيدة النثر التي برز فيه شعراء تأثروا بالثقافات الغربية ، بتوظيف الرمز ، والأسطورة ، في قصائدهم ، وقد تمخضت تجربتها الشعرية عن إصدار مجموعتها الأولى (( في ساعة الشمس )) عام 2019م ، وهناك مجموعة أخرى قيد الطبع (( عشرونَ نافذة على الجسر السابع )) ، أرختها الشاعرة في عام 2020م ، فضلاً عن قصائد كثيرة متناثرة هنا وهناك في موقعها الشخصي في فيس بوك ، والتي اخترنا منها هذه القصيدة (( من نصوص الحجر الصحي )) لتكون مدخلاً لدراسات أخرى في تجربتها الشعرية ، وحتى القصصية.

لذا تشكلتْ لدينا دواعٍ كثيرة في هذه الدراسة كان من أهمها قلَّة الدراسات التي تناولت النتاجات الشعرية لـ (( مريم كعبي )) ، فضلاً على أنَّ النصَّ الذي اخترناه للدراسة ، كان نصَّاً شعرياً مكثفاً ، ويعجُّ بالثنائيات الثقافية التي نحاول رصدها والوقوف عليها ، واستنطاق مضمراتها النصية ، وإظهار علاقاتها التفاعلية.

وبذلك اقتضى المنهج أنْ تتوزع الدراسة على ملخص ، ومقدمة نوضح فيها النوايا التي تشكلت لدينا في قراءة النص ، ومن ثم ترجمة لحياة الشاعرة ، وتبيين مصطلح الثنائية الثقافية الضدية ، واستجلاء علاقتي القبول والرفض في ثنائية الأنا والآخر ، وإبراز العلاقات الوجودية والقلق الناتج عنها في ثنائية الحياة والموت ، لتنتهي الدراسة بخاتمة أنجزنا فيها النتائج التي توصلنا إليها ، ومن ثم المصادر والمراجع وملخص باللغة الإنجليزية.

مريم كعبي :

قاصَّة وشاعرة ، ولدتْ في الأهواز عام 1979م ، حصلتْ على شهادة الماجستير في هندسة الاتصالات من جامعة (( مدرس )) في طهران ، نشرتْ مجموعة كبيرة من القصص القصيرة والقصائد في عدد من المجلات والمواقع العربية ، ولها مجموعة قصصية بعنوان (( الرحلة إلى الطنطل )) ، والعنوان مأخوذ من إحدى قصص المجموعة ، التي تستدعي فيها التراث العربي الأهوازي ، واستجلاء الأنساق الثقافية في الأدب الشعبي ، ومنها حكايات الطنطل والسعلاة ، وهما كائنان يرتبطان بالأسطورة ، والخرافة ، وقد كان الناس قديماً يخافون منها ، وينسجون الحكايات حولها ، بما يتلائم مع أجواء المجموعة التي تتناول المسكوت عنه ، وما يتعرَّضُ له الإنسان العربي من خوفٍ ، وقمع.

والشاعرة ما زالتْ في أوج تجربتها القصصية والشعرية ، حيثُ استطعنا أنْ نعثرَ على هذه القصيدة في موقعها الشخصي ، بعدها أحد النتاجات الشعرية التي تستحق الدراسة والتحليل وتسليط الضوء عليها.

 

الثنائيات الثقافية :

تعدُّ الثنائيات الضدية ، ثنائيات ثقافية ، وذلك لارتباطها الكبير بالحياة الإنسانية ، والاجتماعية ، والذات البشرية ، بؤرة تجتمع فيها هذه الثنائيات ، والأضداد ، يحكمها التباين تارة ، والتقابل في الأخرى ، حتى أنَّ مظاهر الحياة كلها تقوم على ذلك التجاذب بين قطبي هذه الثنائية.( 1 )

وترتبط فكـــرة الثنائيات بالجاحظ ( 150 – 255 ه ) ، إذ يُعدُّ من أوائل النقاد العرب ، الذين تطرقوا إليها ، بقوله : (( إنَّ العالمَ بما فيه من الأجسام على ثلاثة أنحاء : متفق ، ومختلف ، ومتضاد ، وكلها في جملة القول جماد ونام ))( 2 ) ،إلاَّ أنه اكتفى بذلك ، ولم يبن ما النامي ، وما الجامد ، ولم يظهر الحركة والسكون والأبعاد النفسية فيها.

وتشيرُ الدراسات إلى أنَّ الثنائيات الضدية ، ظاهرة فلسفية ، سُحبت على النقد الأدبي ، وأول من طبقها البنيويون ، والمصطلح من مفردات الثقافة الغربية ، له أبعاده الفلسفية ، والأيديولوجية ، والنفسية.( 3 )

يدلُّ المعنى اللغوي للثنائيات على التكرار ، والتوالي ، والتتابع ( 4 ) ، والعطف ، وردّ الشيء بعضه على بعض ( 5 ) ، ومن الثنائيات ما كان ذا شقين ، وهذا يعني أنَّ دِلالتها تشيرُ ، وتفترضُ وجود طرفين ، تربطها علاقة من التوالي ، والتتابع ، والعطف ، والتزامن.( 6 )

ويشيرُ المعنى الاصطلاحي إلى (( أنَّ الثنائي من الأشياء ، ما كان ذا شقين ، والثنائية هي القول بزوجية المبادئ المفسِّرة للكون ، مثل : ثنائية الأضداد وتعاقبها ، أو ثنائية الواحد والمادة ، أو ثنائية عــــــــالم المثــــــــل ، أو ثنائية عـــــالم المحسوسات ))( 7 ) ، ولا شكَّ أنَّ التباين واضح بين المعنيين في اللغة والاصطلاح ، من جهة عمقها ، وأبعادها الفلسفية والعلمية والثقافية ، لأنَّ هذه الثنائيات المتضادة تعدُّ نظرة فلسفية ، تتجاوز الجمع المباشر ، والسطحي بين طرفي الثنائية.( 8 )

وفي هذه القصيدة نحاول أنْ نستنطِقَ مضمرات النص الشعري ، وبيان الثنائيات الثقافية التي شكلتْ مساحة شعرية فيها ، واستنطاق ما وراء النص من مسكوت عنه ، في هذه الثنائيات.

وقبل أنْ نبحث في هذه الثنائيات ، لا بدَّ من قراءتنا للعنوان ، بعده عتبة نصية مهمة في القراءات الثقافية ، فهو (( ليسَ عبارة منقطعة ، أو إشارة مكتفية بذاتها ؛ بلْ هو مفتاح تأويلي ، أساسي لفكّ مغاليق النص ))( 9 ) ، كذلك يمكن عدَّه (( مصطلحاً إجرائياً في مقاربة النصَّ الأدبي ، ومفتاحاً أساسياً يتسلَّحُ به المحلل للولوج إلى أغوار النص العميقة قصدَ استنطاقها ))( 10 ) ، وقد وسمت الشاعرة عنوان قصيدتها بـ (( منْ نصوص الحجر الصحي )) ، ولا شكَّ أنه يرتبطُ ارتباطاً وثيقاً بعالم النصّ الشعري ، عنوان يوحي أنه مؤقت ، وظرفي ، ومرحلي ، يبحثُ في علاقة قائمة على أطرافٍ ثقافية مختلفة ، ويطرحُ أبعاداً وجودية ، لها علاقة بالفناء والموت ، وأخرى نفسية تتمثلُ بالقلق ، والتوتر ، والخوف ، وأخرى إنسانية تبوح بعلاقات تفاعلية بين الأنا ، والآخر ، في بناء مكاني ، وزماني ، فالحجر يشيرُ إلى دلالة مكانية معينة ، ترتبط بالزمن ، وأكثر ما يكون وقتياً ، أو مرحلياً ، فضلاً على أنَّ العنوانيلمح إلى وجود أبعاداً مضمرة تشير إلى حضور نصوص أخرى تخفي قلقاً ، وتوتراً، أو تستشرفُ أملاً ، وتفاؤلاً.

وبذلك يمكن القول أنَّ العنوان ضرورة نصية يمكن من خلالها الدخول إلى النص ، واكتشاف عالمه ، وصوره ، وأنساقه التي تقوم على كثير من الثنائيات الضدية ، لكننا سندرسُ منها ، ما يشكل مساحة في النص ؛ وهي :

أولاً – ثنائية الأنا والآخر :

تعدُّ هذه الثنائية من أهم أنساق الثنائيات الضدية حضوراً في الأدب العربي والعالمي شعراً ، ونثراً ، لأنها تشكلُ النواة الرئيسة التي تنبعث منها ثنائيات أخرى ، ارتبطتْ بها ارتباطاً كبيراً ، فالإنسانُ يبحث عن وجوده في هذه الحياة ويصور قلقه ، وتوتره من الفناء ، والموت ، ويستشعر كل موجودات الطبيعة من ظلمة ، ونور ، وخير ، وشر ، وعلم وجهل ، وسكون ، وحركة ، لذا حازتْ هذه الثنائية على الدراسات الاجتماعية والفلسفية ، بخاصَّة التي تهتم بدراسة العلاقة الاتصالية ، والانفصالية بين الفرد ، والجماعة ، بعدها محوراً رئيساً في هذه الدراسات.

وتقتضي الدراسة أنْ نعرفَ دلالة (( الأنا والآخر )) ، فالأنا من المصطلحات الإشكالية ، إذ يرد بدلالات كثيرة ، يمكن أنْ نحدده وفاقاً لسياقه الذي يردُ فيه ، حيث يشيرُ في الفلسفة إلى النفس المدركة ، ويمكن أنْ يطلقُ على موجود تنسبُ إليه جميع الأحوال البشرية ( 11 ) ، والأنا في هذه الدراسة يمكن أنْ نطلق عليها (( الأنا النصية )) ، التي تجسَّدتْ في الخطاب الشعري ، وقد تكون غير متطابقة مع الأنا الإنسانية لـ (( مريم كعبي )) ، لأنَّ القصيدة خلق فني تقدم لنا ذاتاً مختلفة عن واقعها ، تحاول الاستحواذ على صور الكمال والامتلاء ، وتوظيف فكرة (( التعويض )) ، التي يمكن أنْ يحققها الفن لمبدعه.( 12 )

ويدلُّ الآخر ، على المغايرة ، يقال للأشخاص ، والأعداد ، وعلى المغاير في الماهية ( 13 ) ، والآخر هو (( مثيلُ ، أو نقيض الذات أو الأنا ))( 14 ) ، يدخل معها في علاقات تفاعلية ، إنسانية وثقافية ، ثابتة ، ومتغيرة ، رفض ، وقبول ، اتصال ، وانفصال ، لأنَّ الذات الإنسانية في طبيعتها ، لا تعتمد نظاماً سلوكاً واحداً في تعاملها مع الآخرين ، وإنما تقوم بتغيير سلوكها ، على وفق مسلكياتهم ، ودرجة تعاملهم معها.

  1. نسق القبول : فرضتْ الطبيعة الإنسانية ، بما فيها من ظروف وجودية ، أنْ يكون الإنسان كائناً اجتماعياً ، لا يمكن أنْ يعيش بمفرده ، وبمعزل عن الآخرين ، وعليه تأسيس ثقافة الانتماء ، والاندماج ، والتعايش مع الآخر ، وهنا تتولد ثقافة القبول ، التي يحاول الفرد أنْ يدركها ، ويفهم بناءها ، ومعانيها التي تنحدر منها ، مثل الحب ، والحنان ، والعطف ، والإيثار ، والتضحية ، والاهتمام ، وغيرها من المعاني الإنسانية ، ولقد استطاعتْ الشاعر من توظيفها في قصيدتها :

وأنا أفضُّ الغابةَ المحظورةِ

لِأصنعَ ظِلاً للقادمينَ

لكني تجنبتُ الحوافَ ( 15 )

تصورُ هذه الأسطر الشعرية ، فاعلية الأنا ، وحضورها الكبير بالضمائر المنفـــــصلة ( أنا )) ، والمستترة في الفعلين (( أفضُّ ، وأصنعُ )) ، والمتصلة في لفظين مختلفين (( لكني ، وتجنبتُ )) ، وهنا تحشدُ (( الأنا )) طاقتها كلّها ، لتعلن عن قوتها ، وصلابتها ، وحذرها ، فهي ستتجاوز المحظور ، لتبني ظلاً للقادمينَ ، لكنها تتجنبُ الحواف ، ففيها إشارة للسقوط ، والانهيار.

وتلجأ الشاعرة إلى توضيح  علاقة الأنا بالآخر ، عن طريق استحضار المعاني النفسية ، بخاصَّة الحزن ، والألم ، عندما تقول :

لا أُحبُّ أنْ أودّعَ أحداً

ليتهمْ لا يخبرونَ أُمي

بأني سأنتهي عمَّا قريبٍ ( 16 )

تكشفُ الأنا عنْ ألمها ، وحزنها لحظة الوداع ، لتوظفَ أسلوب التمني في إبراز العلاقة التوافقية بينها ، وبين الآخر ، ومدى التصاقها به عاطفياً ، لأنَّها تعلم ما سيؤول إليه قلب الأم ، بعد إعلان نهاية وجود الأنا ، ليكون السطر الشعري نتيجة حتمية لهذا الألم ، فتقول :

أمـَّــا أمي ستختنقُ هناكَ

مِـنْ هولِ أنفاسي ( 17 )

والإنسانُ ، ونتيجة بعض الظروف ، يمكن (( أنْ يكونَ آخر حتى بالنسبة لنفسه ، ويمكن أنْ يتحول إلى آخر بعد مــــــــدّة قصيرة ، وكــــــــلُّ شخص هـــــــــــو آخـــــــــــــــــــر بالنسبة لأي شخص على وجه الأرض ))( 18 ) ، ولبيان هذه الأنا الأخرى ، تلجأ الشاعرة إلى الصورة الاستعارية ، وتوظيف الانزياح اللغوي لتوضح هذه العلاقة ، فتقول :

مثلتْ أمامي أوجهي المحظوظةُ

مَنْ لـمْ تبتل بعثراتِ الطريقِ

خلتُ نفسي السَّجينَ ( 19 )

حيثُ جعلتْ الشاعرة من وجوهها المتعددة كائناً بشرياً يمتثلُ أمامها ، مثل السجين في يوم محاكمته ، لتبينَ هذه العلاقة بين النفس البشرية ، وذاتها الأخرى.

وفي القصيدة حضورٌ كبير ، يوضحُ علاقة الأنا بالـ (( نحن )) ، إذ تشعرُ بوجودها في جماعتها الحاضنة ، وهي متماهية معها ، وهويتها جزء من الهوية الجماعية ، وكلُّ ما في السياق النصي ، هي علاقات تفاعلية بين الأنا وضمير الجماعة ، فهي تستقبلُ الموتَ معها ، وتبني حصناً منيعاً وإيَّاها ، وتدافع عنها ، وتشعر بآلامها ، وأفراحها ، وأتراحها.

  1. نسق الرفض : تقوم الحياة البشرية على نسقين مهمين الأول القبول ، والثاني نسق الرفض ، ومثلما عبَّر عن العلاقات الإيجابية ، ومعانيها في النسق الأول ، يمكنه أنْ يعبرَ ، ويكشف العلاقة السلبية وصورها في الثاني ، فمن خلالهما يستطيع أنْ يعرفَ توجهاته ، وميوله ، وآرائه ، وأفكاره التي تصطدم بالواقع ، أو تنسجمَ معه ، في جوانب فكرية ، وثقافية ، ودينية ، واجتماعية ، وسياسية ، وأيديولوجية ، وقد يهيمن أحدهما على الآخر ، بسبب إكراهات معينة ، ومعايير وتوجهات مختلفة ، لذلك لا تخلو العلاقات الإنسانية من خطر التعرض للرفض ، وشيوع ثقافة الاستبعاد ، نتيجة أسباب ثقافية ، أو نفسية ، أو في قدرة التكيف مع الآخر ، والرفض يشير في دلاله إلى معان الترك ، والتفرق ، والكسر ، والطرد ، والتعصب لأمر معين ( 20 ) ، ويعرفُ في الاصطلاح بأنه (( مقاومة الإرادة ، لدافع معين ، أو على رفضها بالأمر ، أو تأييده ، والانقياد إليه ، والرفض بهذا المعنى ، يوجبُ انصاف صاحبه بقوة الإرادة ، لا بضعفها ، أو فقدانها ))( 21 ) ،وبذلك يشير الرفض إلى مواجهة الانقياد بأشكاله كافة.

وتركز الشاعرة على مفردة السجين ، والسجينة ، سجَّاني ، وجميعنا يعرف علاقة السجين ، بسجَّانه ، هي ذاتها علاقة السيد والعبد ، علاقة تقوم على التهميش ، والدونية ، والتحقير ، ونظرة الاستعلاء ، علاقة تنافرية ، متوتر ، فضلاً عن البيئة المكانية الحاضنة ، تستحضرُ التلوث ، والنجاسة المادية والمعنوية ، فكلُّ شيء منفصل عن الذات ، لا يمكن الإمساك بخيوطه ، فتقول في أكثر من موضع :

خلتُ نفسي السجينَ

كانَ يمكنُ أنْ تحتفلَ بي أفعى(22 )

وتصرحُ بنهايتها :

اليومَ والموتُ يتربعُ على مقابضِ الأبوابِ

خلتُ نفسي السَّجينة

وفجرُ الغدِ سيكونُ آخرَ غروبي( 23 )

وتحاولُ أنْ تبعث الأمل :

لا حاجةَ للحطبِ

أنا أعرفُ شوارعَ نيراني

والأمطارَ التي خبأتها منْ سجَّاني ( 24 )

وتوظف الشاعرة الصورة الكنائية لإبراز العلاقة السلبية بين الأنا والآخر ، فتكني عن السَّجان بالأفعى التي ترقصُ لابتلاع فريستها ، كما تصور شعور الأنا بقرب نهايتها ، وفنائها ، مثل آخر غروب للشمس ، لكنَّ الأملَ ينبعثُ فيها من جديد ، وهي تحاول إطفاء لهيب النهاية ، بانهمار ذلك الأمل.

 

ثانياً – ثنائية الحياة والموت :

ترتبطُ هذه الثنائية ، بثنائية الأنا ، والآخر ، وما يصدرُ عنها من قلق وجودي ، وشعور بالفناء ، والاستلاب ، والتهديد ، وقد تكون الأنا ، أو الآخر مصدر التهديد والاقتلاع.

وارتبطتْ جذور هذه المشكلة بمفهوم الزمن والعالم المتغير ، (( فكلُّ ما يُحيطُ بالإنسان إنما هو  في تغيير مستمر ، والإنسان وحده منْ يدرك خطورة هذه المشكلة ، ويحسُّ بها ، فغدا أمام الموت مهزوماً ، عاجزاً حياله ))( 25 ) ، وبذلك يعلن القدر انتصاره ، وغلبته ، لذا يعرَّفُ الموت بأنه : (( نهاية مرحلة تنفصلُ عنــــــــــــدها ثنــــــــــــــــــائية الـــــــوجــــــــود الإنســــــــاني (( الجسد والروح )) ليعودَ كلُّ عنصر إلى عالمه الأزلي ))( 26 ) ، ولقدْ أثارت ثنائية الحياة ، والموت اهتمام مريم كعبي بعدّهما فكرة وجودية طالما أقلقت الإنسان ، وأشعرته بنهايته ، وفنائه ، لتشكل هذه الثنائية ثيمة رئيسة في القصيدة كانتْ نتاجاً للظروف التي اجتاحت العالم كله.

تصورُ الشاعرة الموت وكأنه إعصار مدمر يعدو ، ويكتسح ، ويكسرُ كلَّ شيء أمامه ، لا يقفُ أمامه شيء ، حتى وإنْ كان حصناً منيعاً ، فتقول :

اليومَ والموتُ يعدو إلينا

كاسِحاً أساطيرَ العالمِ

كاسِراً الرّوتينَ

حِصننا المنيعَ ( 27 )

فعند حضوره يغيبُ كلُّ شيء ، حتى الأساطير ، والحكايات ، وذكرياتها ، حتى حياتنا ، وحصننا ، لا تصمدُ أمام هيجانه ، وقوته ، وصلابته.

وتعودُ لتكرسَ علاقة الحضور والغياب ، عن طريق التكرار ، والتوكيد ، فتقول :

اليومَ والموتُ يتربَّعُ على مقابضِ الأبوابِ

خلتُ نفسي السجينةَ

المفروض عليها الإعدام ( 28 )

لكنَّ الذات الشاعرة ، تحاول أنْ تنزاح بلغتها ، وصورها ، لكي تبث مشاعر الأمل والتفاؤل ، والتشبث بالحياة ، وهي تقاوم إعصار الموت القادم ، مستحضرة كلّ أطياف قوتها ، معلنة التحدي ، طاردة قلقها ، وتوترها :

إنّي سأحيا كلَّ الثواني قبلَ مماتي

رُبَّما هزّةً أرضية توقعُ بالمشنقةِ

قبلَ أنْ تمسَّ رقبتي

أو رُبَّ حازمٍ يخرجُ منَ الكتبِ

ويصفعُ الموقفَ !

رُبَّما هذا الليلُ لنْ يزولَ

والنجومُ البعيدةِ تفقأ عيني

الفجرَ وقاتلي ( 29 )

ونلحظُ أنَّ هذه الأسطر مشحونة بالتحدي والثورة على الموت الذي يُعدُّ آخرَ ، يهدد وجودها ، فتعلن الحياة قبل موتها ، وهدّ حبل المشنقة قبل أنْ ينالها ، أو تنفجرُ منها ثورة روحية تقطع حبال الموت ، أو حلم يخرج من عالم النصّ يصفعُ الموقف ، أو الليل يعلن ثباته ، وبقاءه ، ومساندته لها ، والنجوم فارس يفقأ عين الفجر حتى لا ينبلج لأنه مرتبط بفناء الأنا ونهايتها.

الخاتمة :

وبعد أنْ استقصينا ، واستنطقنا الثنائيات الثقافية في هذا النصّ الشعري ، لا بُدَّ من الإشارة إلى النتائج التي تمخضتْ عنها الدراسة ؛ لأنها تنبع من صميمها ، ويمكن إنجازها بالآتي :

  1. يتضحُ أنَّ الشاعرة تمكنتْ من إبراز هذه الثنائيات الثقافية الضدية ، والتي اتسمتْ بالقبول والاتصال ، وإعلان حالة التماهي والذوبان في الآخر ، أو حضور الرفض والانفصال وإعلان حالة المواجهة والصراع بين الأنا والآخر.
  2. حضور عنصر التعويض ، إذ كانت القصيدة بعلاقاتها ، وأنساقها ، وصورها تعويضاً تتمكن الذات من خلاله أنْ تتجاوز أزمتها النفسية ، وما أفرزته من مشاعر الألم والحزن.
  3. وظفتْ الشاعرة الأساليب والنحوية والبلاغية في لغتها كي تبرز العلاقة التفاعلية بين هذه الثنائيات.
  4. إنَّ الثنائيات الثقافية التي تشكلتْ منها القصيدة ، أفرزتْ دليلاً كبيراً على أنَّ العنوان الشعري ، مثل غيره من العناوين الروائية والقصصية يبوح بعالمه النصي ، ومضامينه ، ليكون العلامة البارزة في اكتشاف ذلك العالم.

 

 

_______________________________________

الهوامش :

  1. ينظر : الثنائيات الضدية ، دراسات في الشعر العربي القديم ، سمر الديُّوب ، ب . ط ، منشورات الهيئة العامة السورية للكتاب ، وزارة الثقافة ، دمشق ، 2009م ، ص 4
  2. كتاب الحيوان ، لأبي عثمان عمرو بن بحر الجاحظ ( 150 – 255ه ) ، تح : عبد السلام محمد هارون ، ط 2 ، شركة ومكتبة مصطفى البابي الحلبي وأولاده بمصر ، 1384ه / 1965م ، ج 1 / ص 26
  3. ينظر : الثنائيات الضدية ، بحث في المصطلح ودلالاته ، سمر الدّيوب ، ط 1 ، سلسلة مصطلحات معاصرة 7 ، المركز الإسلامي للدراسات الاستراتيجية ، العتبة العباسية المقدَّسة ، 1439ه / 2017م ، ص 10
  4. ينظر : معجم مقاييس اللغة ، لأبي الحسن أحمد بن فارس بن زكريا ، تح : عبد السلام محمد هارون ، ب . ط ، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع ، 1399ه / 1979م ، ج 1 / ص 391
  5. ينظر : لسان العرب ، للإمام العلَّامة ابن منظور المصري الأفريقي ( 630- 711ه ) ، اعتنى بها : أمين محمد عبد الوهاب ، ومحمد صادق العبيدي ، ط 3 ، دار إحياء التراث العربي ، بيروت ، لبنان ، ب . ت ، مادة ( ثنيَ ).
  6. ينظر : الثنائيات الضدية ، بحث في المصطلح ودلالته ، ص 15
  7. المعجم الفلسفي بالألفاظ العربية والفرنسية والإنكليزية واللاتينية ، جميل صليبا ، ب . ط ، الشركة العالمية للكتاب ، بيروت ، لبنان ، 1414ه / 1994م ، ج 1 / ص 379 – 380
  8. ينظر : الثنائيات الضدية ، بحث في المصطلح ودلالته ، ص 15
  9. ثريا النص ، مدخل لدراسة العنوان القصصي ، محمود عبد الوهاب ، ط 1، الموسوعة الصغيرة ، ع 369 ، بغداد ، 1995م ، ص 57
  10. السيموطيقا والعنونة ، جميل حمداوي ، مجلة عالم الفكر ، مج 25 ، ع 3 ، 1997م ، ص 97
  11. ينظر : المعجم الفلسفي بالألفاظ العربية والفرنسية والإنكليزية واللاتينية ، ج 1 / ص 139 – 140
  12. ينظر : الأنا والآخر في شعر المتنبي : دراسة في إشكالية الظاهرة ، وتجلياتها ، مفلح الحويطات ، المجلة العربية للعلوم الإنسانية ، مج 33 ، ع 131 ، الكويت ، 2015م ، ص 146
  13. ينظر : المعجم الشامل لمصطلحات الفلسفة ، عبد المنعم الحفني ، ط 3 ، القاهرة ، مكتبة مدبولي ، 2000م ، ص 29
  14. دليل الناقد الأدبي ، إضاءة لأكثر من سبعين تياراً ، ومصطلحاً نقدياً معاصراً ، ميجان الرويلي ، وسعد البازعي ، ط 3 ، المركز الثقافي العربي ، الدار البيضاء ، المغرب ، 2002م ، ص 21
  15. من نصوص الحجر الصحي ، مريم كعبي ، الصفحة الرسمية على موقع (( فيس بوك )).
  16. المصدر نفسه.
  17. المصدر نفسه.
  18. سرد الآخر ، الأنا والآخر عبر اللغة الشعرية ، صلاح صالح ، ط 1 ، المركز الثقافي العربي ، الدار البيضاء ، المغرب ، 2003م ، ص 10
  19. من نصوص الحجر الصحي / القصيدة.
  20. ينظر : لسان العرب ، مادة ( رفضَ ).
  21. المعجم الفلسفي بالألفاظ العربية والفرنسية والإنجليزية واللاتينية ، ج 1 / ص 618
  22. من نصوص الحجر الصحي / القصيدة
  23. المصدر نفسه.
  24. المصدر نفسه
  25. نية القصيدة العربية المعاصرة المتكاملة ، خليل الموسى ، ب . ط ، اتحاد الكتَّاب العرب ، دمشق ، 2003م ، ص 146 – 147
  26. الأخلاق في الفكر العراقي القديم ، حسن فاضل جواد ، ط 1 ، بيت الحكمة ، بغداد ، 1999م ، ص 48
  27. من نصوص الحجر الصحي / القصيدة
  28. المرجع نفسه.
  29. المرجع نفسه.

 

المصادر والمراجع

أولاً – المصادر :

  • كتاب الحيوان ، لأبي عثمان عمرو بن بحر الجاحظ ( 150 – 255ه ) ، تح : عبد السلام محمد هارون ، ط 2 ، شركة ومكتبة مصطفى البابي الحلبي وأولاده بمصر ، 1384ه / 1965م.
  • لسان العرب ، للإمام العلَّامة ابن منظور المصري الأفريقي ( 630- 711ه ) ، اعتنى بها : أمين محمد عبد الوهاب ، ومحمد صادق العبيدي ، ط 3 ، دار إحياء التراث العربي ، بيروت ، لبنان ، ب . ت.
  • معجم مقاييس اللغة ، لأبي الحسن أحمد بن فارس بن زكريا ، تح : عبد السلام محمد هارون ، ب . ط ، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع ، 1399ه / 1979م.
  • من نصوص الحجر الصحي ، مريم كعبي ، الصفحة الرسمية على موقع (( فيس بوك )).

ثانياً – المراجع :

  • الأخلاق في الفكر العراقي القديم ، حسن فاضل جواد ، ط 1 ، بيت الحكمة ، بغداد ، 1999م.
  • الأنا والآخر في شعر المتنبي : دراسة في إشكالية الظاهرة ، وتجلياتها ، مفلح الحويطات ، المجلة العربية للعلوم الإنسانية ، مج 33 ، ع 131 ، الكويت ، 2015م.
  • بنية القصيدة العربية المعاصرة المتكاملة ، خليل الموسى ، ب . ط ، اتحاد الكتَّاب العرب ، دمشق ، 2003م.
  • ثريا النص ، مدخل لدراسة العنوان القصصي ، محمود عبد الوهاب ، ط 1، الموسوعة الصغيرة ، ع 369 ، بغداد ، 1995م.
  • الثنائيات الضدية ، بحث في المصطلح ودلالاته ، سمر الدّيوب ، ط 1 ، سلسلة مصطلحات معاصرة 7 ، المركز الإسلامي للدراسات الاستراتيجية ، العتبة العباسية المقدَّسة ، 1439ه / 2017م.
  • الثنائياتالضدية،دراساتفيالشعرالعربيالقديم،سمرالديُّوب،ب . ط،منشوراتالهيئةالعامةالسوريةللكتاب،وزارةالثقافة،دمشق، 2009م.
  • دليل الناقد الأدبي ، إضاءة لأكثر من سبعين تياراً ، ومصطلحاً نقدياً معاصراً ، ميجان الرويلي ، وسعد البازعي ، ط 3 ، المركز الثقافي العربي ، الدار البيضاء ، المغرب ، 2002م.
  • سرد الآخر ، الأنا والآخر عبر اللغة الشعرية ، صلاح صالح ، ط 1 ، المركز الثقافي العربي ، الدار البيضاء ، المغرب ، 2003م.
  • السيموطيقا والعنونة ، جميل حمداوي ، مجلة عالم الفكر ، مج 25 ، ع 3 ، 1997م.
  • المعجم الشامل لمصطلحات الفلسفة ، عبد المنعم الحفني ، ط 3 ، القاهرة ، مكتبة مدبولي.
  • المعجم الفلسفي بالألفاظ العربية والفرنسية والإنكليزية واللاتينية ، جميل صليبا ، ب . ط ، الشركة العالمية للكتاب ، بيروت ، لبنان ، 1414ه / 1994م.

 

 

 

 

 

 

 

Summary :

        This study seeks to research antibody binaries, and count them cultural binaries linked to the human soul, by identifying the interactive relationships between them, and discovering the modes of communication and separation, and acceptance and rejection between the ego and the other as important bilaterals emanating from them, or with which other cultural binaries are linked.

   The study also tries to stand on the most important dichotomies that formed a large area in the poem and clarify its concept in language and convention, and the types of relationships on which it is based.

 

 

 

 

 

 

Author : أنا مثقف الأهواز

أنا مثقف الأهواز

RELATED POSTS

One thought on “الثنائيات الثقافية في قصيدة (من نصوص الحجر الصحي/ مريم كعبي)”

تعلیقک حول الموضوع

*

تطبيق الواتساب
1
تواصل معنا عبر تطبيق الواتساب
مرحباً
تواصل معنا عبر تطبيق الواتساب
او ارسل لنا رسالة عبر البريد الأكتروني التالي:
anamothaqaf@gmail.com