المثقف الحقيقي و المثقف البلاستيكي/ سعيد بوسامر

img
  • سعيد بوسامر

٢ أبريل ٢٠٢٠

طرح ماركس نظرياته المثيرة للجدل ومنها كانت تصنيف الإنسان إلى مثقف وغير مثقف. وعرّف غير المثقف بالفرد الذي يعمل عملا تقليديا أو يدوياً، كالمزارع أو العامل. أما المثقف فهو الذي ينشّط فكره للعمل كالمعلم والأديب. ثم جاء الفيلسوف الإيطالي “أنطونيو غرامشي” فردّ هذا التصنيف الجامد حيث قال إن العامل أيضا ينشط دماغه عند صناعة شيء ما، فالنتيجة تكون حينئذ أن كل الناس مثقفون. فصنف أنطونيو غرامشي المثقفين إلى صنفين أساسيين هما “التقليدي” و”العضوي”؛ فالمثقف التقليدي عنده هو الذي يحاول أن يبقى على الحياد ويبتعد عن المغامرات ولم يتعاطف مع الطبقة الضعيفة أي من الذين عندما تسألهم عن المشاركة في أمر ما يقولون لدينا أولويات أهم مما جئت به. هذا النوع من المثقف والمتعلّم لا يعتبر مثقفاً حقيقياً فهو لا يهتم ولايبالي لما يجري حوله وفي مجتمعه وبين أقرانه ولا يعير أي اهتمام للاضطهاد الجاري ولم يحرك ساكنا عندما يرى هموم شعبه. الصنف الآخر هو المثقف “العضوي” الذي يعيش آلام الطبقة الذي يشعر أنه ينتمي اليها ويقوم بكل ما يتوجب لحلحلة مشاكلها وتحسين ظروفها. هذا هو المثقف الذي يدرك عامة الناس الذي ينتمي اليهم ویعطي حلولا لوصولهم إلى حاجاتهم.
بعد هذا التصنيف الواضح نذكر ما أشار اليه الكاتب “إدوارد سعيد” في كتابه المثقف والسلطة حول مهام المثقف الحقيقي.

-من مهام المثقف أو المفكر الحقيقي محاولته تحطيم القوالب أي الأنماط الثابته فالذي لا يعتبر نفسه جزءا من اجتماع ولم يعان ما يعانيه الآخرون ولم يقم لمناصرتهم فلا يُعد مثقفا فمثلا الأديب أو الشاعر الذي يكتب شعرا أو نثرا يطمع فيه إلى كسب درجة أو مصلحة يعتبر نثره خصياً.
-لا يكون الكاتب مثقفاً إلا عندما يربط كتاباته بآمال شعبه والسعي معهم لتحقيق المثل الأعلى فالكاتب الذي يزعم أنه يكتب لنفسه فحسب لا يجب أن يصدقه أحد.
-المثقف الحقيقي هو الذي يتفاعل مع أوسع جمهور وهو یعلم أنّ هذا الجمهور هو سنده الوحيد الذي يستمد منه قوته.
-المثقف الحقيقي يركب سفينة المغامرات ويخاطر ويكافح من أجل العدالة الاجتماعية ومن أجل الجماعات المحرومة ويعمل على توعيتهم ولا يتخلى عن هذه الرسالة فهو لم يفرّط بمبادئه.
-المثقف شخص ملتزم وصاحب مبادئ ولايبيع مبادئه لحجج واهية لذا فينبغي أن لا يفقد البوصلة، ويبقى دوره أن يطبّق مقاييس السلوك الرفيعة التي تدعو إليها التشريعات والمواثيق.
-من الأدوار المهمة التي يمثلها المثقف الحقيقي هي مقاومة أشكال الهيمنة والاستبداد والطعن في الأعراف السائدة كونه ممثلا للمعاناة التي يكابدها شعبه وقد يكون تعرّض لها هو نفسه.
-يبقى دائما المثقف الحقيقي عنصرا حياً من حياة الفقراء والمحرومين الذين لا يمثلهم أحد و لايسمع صوتهم أحد. فالمثفف ليس صورة ثابتة كالتمثال بل إنه صاحب طاقة وقوة عنيدة تشتبك مع القضايا وسندٌ لمن هم أقل حظاً أو لمن يتألمون أو يعانون.
-المثقفون هم الذين يتحلّون بالموهبة الاستثنائية وبالحسّ الأخلاقي الفذّ، فيشكلّون ضمير البشرية.
-المثقف الحقيقي يستمر في طريقه، ويتذكّر أن ما يفعله أو يقوله مهمّ أكثر بكثير من مسألة أن يكون آمناً أم لا. وهكذا يخاطر بحياته وراحته ليرضي ضميره رافضاً الاكتفاء بالبرج العاجي و الجدران الأكاديميّة.
-إن المثقف الحقيقي لا يمكن أن يكون متلوناً متقلبا، لأن لقب المثقف لا يعني مجرد شخص متعلم يقرأ ويكتب، ولكن المثقف الحقيقي هو الذي يقود التغيير ويتعرض للعسف على مر العصور، ولكنه لا يحيد عن مبادئه قيد أنملة.
ندر المثقفون الحقيقيون وكثُر المثقفون التقليديون البلاستيكيون في مجتمعنا اليوم. يعيش هؤلاء البائسون في أبراجهم العاجية وبسذاجتهم يخدعون ذاتهم ويتماهون لكسب مال أو لمصلحة سياسية أوربما للاشيء. إنهم يطبّلون مع المطبلين ويزمرون مع المزمرين ويبيعون أنفسهم و ناسهم بأبخس الأثمان. كم لدينا من النخبويين والمتعلمين والأطباء والمهندسين والناشطين ذوي الشهادات العليا في الداخل والخارج الذين لا يمتّون بصلة إلى مجتمعهم وأهليهم ولايحركون ساكنا لأي من الأحداث التي تجري فالبعض لم يبال والبعض كثير الجعجعةِ قليل الأفعال أو كما يقول الشاعر: صلى وصام لأمر كان يطلبه/ لمّا انقضى الأمر ما صلّى ولا صاما!
إذن كل من ادعى الوعي والثقافة من كاتب وفنان وناشط ومهني ليس مثقفاً بمعنى الكلمة، فبعض الذين عندنا من أشباه المثقفين ليسوا إلا حرابيّ تتغير ألوانها وفقاً للظروف أو عبيد مصالح يتقنون اللعب والمخاتلة خلف لغتهم الخشبية وشهاداتهم الملطخة. إن هؤلاء المثقفين التقليديين كما صنفهم غرامشي وآخرون يزيفون الواقع الواضح وضوح الشمس ليصنعوا منبرا لأنفسهم وجمهوراً ساذجاً يصفق لهم لكن ليعلموا أنّ النسيان سوف يطويهم وستبقى الراية لمن ضلّ ترسا يقاوم الماكينات التي تطحن الفقراء.

المصادر
١)المرهج، علي. من هو المثقف العضوي؟.. قراءة نقدية للشائع حول مفهوم غرامشي. ٢٠١٨.

٢)سعيد،ادوارد. المثقف والسلطة. ترجمة محمد العناني. القاهرة: ٢٠٠٦.

٣)كاري، جون. المثقفون والجماهير: رواية الكبرياء والتحيزفي عيون المفكرين ومن الأدباء من عام ١٨٨٠ إلى ١٩٣٩. نيويورك. نشر مارتينز

٤)صورة المثقفين المتلونين. موقع ملحق الخليج الثقافي

Author : أنا مثقف الأهواز

أنا مثقف الأهواز

RELATED POSTS

2 دیدگاه برای “المثقف الحقيقي و المثقف البلاستيكي/ سعيد بوسامر”

  1. عبدالرحمن منصور

    مقال اكثر من رائع
    اختيار صائب و لائق لتسمية المثقف البلاستيكي، مع انه البلاستيك انفع منه، البلاستيك مفيدللطبقة الفقيرة من المجتمع على الأقل،كيلو البلاستيك 35000 او 40000 ريال
    و لكن ماهو نفع المثقف النفعي(البلاستيكي)

تعلیقک حول الموضوع

*

تطبيق الواتساب
1
تواصل معنا عبر تطبيق الواتساب
مرحباً
تواصل معنا عبر تطبيق الواتساب
او ارسل لنا رسالة عبر البريد الأكتروني التالي:
anamothaqaf@gmail.com