أنا مثقف الأهواز
الرئيسية » الأخبار » طيور السلام والحرية/سندس علي

طيور السلام والحرية/سندس علي

  • (طيور السلام والحرية)
    تقرير إحتفال أطفال الأهواز في اليوم العالمي للغة الأم ،اللغة العربية ،لغة الضاد .
    سندس علي

شرع اللیل جُنحهُ الداکنة فوق المدينة الصامتة .أغطس صمته الصارخ في النهر ليغتسل .بزغت بعض نجيمات تتلألأفي الافق البعيد ،.أحس طاها الصغيربأضطراب مبهم ولذيذ .تراجع نحو النافذة وراح يَمُد بصرهُ عبر عتبة الباب الفاتح فاههُ يبتسم ،.يترقب الاطفال ..وتارة أخرى تخطف بصرهُ عقارب الساعة وهي تدور ببطء رهيب.

هب عن الارض; وراح يُحدق في المرآة يرفع ذراعيه ليُعَدّل عقالهُ المطرز بخيوط ذهبية لماعة ..ترتسم ورود البسمة على شفاههُ. يُلقي نظرة من حوله مرة أخرى، تعتريه فرحة لم يشهدها بهذا المقدار .لطالما كان يهوى الاحتفالات والبالونات الملونه المُرقطة الحمراء والبيضاء …يصمت ويقول في قرارة نفسه ولكن يا طاها هذا الحفل مختلف عن الباقي ؛ بزينته الملتصقة بالجدران وهي عبارة عن حروف ملونة عربية مقصوصة بعناية ومُلصقات تحتوي شعارات (يوم العالمي للغة الام ولغتي هويتي في قالب رسوم كارتونيةظريفة.، لأطفال يلبسون أزياء عربية تزهو .
وقد كانت كافة عائلة طه الصغير ذو البشرة السمراء بملامح وجهه الناعمة وعينيه السوداويتين الواسعة ؛ منذ الصباح الباكر يتعاونون بحب وسعادة يجهزون المكان ليصبح مسرح شعبي ينبثق وهجه عبر مربوعة الحيطان ويَسطع في سماء المدينة الخافتة .
طه ….طه …طه ..اخي
دخلت شهد الرقيقة بثوبها المتألق، المطرز، مصحوبةخطاها، بغنج الطفولة، تصيح عليه :
اخي ،أخي أنها الساعة الثامنة لقد توافد الضيوف وأبي ينتظرونا عند عتبة الباب ، لنستقبل الاطفال أصدقائنا استقبال مُلفت احتفاءً بقدومهم..
انتفض طه من الفرح ورفرف بدشداشتهُ البيضاء و کوفیة الحمراء في الهوا وهو يخطو خُطاه كفرس عربي أصيل، يتقدم اخته ويدنو من الباب .
تعلو صيحات الترحيب والتحية من جانب الاطفال وصدى الضحكات ترتفع حتى مقاعد السماء …أنهُ حقا حفل مختلف الطلة ، فيه تنبض هوية الاطفال وتطفوا الى أبعد الوديان والازمنة .
يعج المكان بروائح العيد المندثر وتنتشر في الازقة الضيقة ؛ لتُحيط ببيوت الجيران المصطفة بمسرح الحفل، تدعوهم للأنضمام اليهم .
رائحة العود والبخور تختلط مع صخب الاطفال وهم يتهيأون لبرامج الحفل الشيقة. ومما زادهم حماس توحدهم بالزي العربي الذي يعتلي أجسادهم ويُشعرهم بهيبة الهوية الضائعة، منذ أن أندلقت ارواحهم البريئةمن رحم امهاتهم الخانق الى هذه الارض المصلوبة عند حافة النهر ..
طه وشهد هم طيور السلام والحب التي انبعثت اليوم لتوقظ الخامدين وتغيث الغارقين …
انهم، ينون الليلة ، أن يدسوا حروف الضاد المتبعثرة في زنزانات صدورهم ويجعلوها تُحلق وتطير في سماء الحرية ..
تقدم أحد الاطفال واعتلى مَنصّة المسرح يتلي كلمات الله حيث تتدفق كالانهار العذبة عبر شفتيه المتوردة … ياالله..! تلك هي لغة الضاد الساحرة، تلقف كل البؤس والشقاء كعصاة موسى من عبق صدور الحاضرين وتحولها الى عزة النفس والكرامة …تلك الكرامة المتكورة في دهاليز النسيان .
وتلتها الفقرة التالية حيث كانت مجموعات منظمة ورتيبة من الصبية والبنات ينشدون الاناشيد ،فحينما تُحدق بهم ،تجدهم عصافيرا صغيرة تصدح بالغناء. والسعادة تلوح لهم من فوق رؤوسهم الشامخة.
(لغتي.. لغتي… ماأحلاها لغتي العربية…اكتب حرفي ..أقراء كتبي ..أغني أغنية …اكتب الف ..أقراء باء ..اكتب كلماتي …)

كلمات موزونة ومُفردات مُعبرة رسمت العنفوان والمجد بين نغمات الانشودة التي أداها الصبية والصبيات…

قدمت لهم شهد الحلويات والمكسرات .فقد تعلمت الكرم وحُسن الضيافة منذ نعومة أظافرها وقد اتقنت هذه الاخلاق الحميدة بحق.
ثم تشاركوا جميعهم في أبرز الفقرات; التي كانت من ضمنها مسابقات ترتيب الكلمات العربية بهدف حثهم لتعلّم هذه اللغة. وايضامسابقات الاسئلة والاجوبة القصيرة . و من بين تلك الفقرات المتعددة فقد كانت فقرة قراءة، الشعر الشعبي والقصص الشعبية الاسمى والادهى حيث أنها ملأت ثغرات حرمانهم من اللغة العربية في نفوسهم وتراقصت أرواحهم مثل وردة عبادة الشمس حول أوتار الذهبية لشمس لغة الضاد .
صَرَّح الاطفال عن مدي سعادتهم وتمنوا ان يحتشد جميع الاطفال المدينة ، في هذا اليوم برفقة عوائلهم ليحتفلوا به ويحفروا ذكراهُ الى لانهاية في جماجم رؤوس شعبهم ..

كعكة الحفل لهذا اليوم كانت خاصة للغاية وقد زُينت وطُبع، شعار لغتي هويتي فوق سطحها. فكانت لها مكانة و إشراقة جميلة غُرست في قلوب الحاضرين .لاسيما لعلها تُصبح ذكرى وعادة مهمه وقيّمة يقتدون بها كل عام في مثل هذا اليوم برفقة جذور عوائلهم .ترعرع الكبرياء لدى عائلة طه وشهد; وهم يشاهدون العزلة والخوف تذبُلان شيئا فشيئا في عيون الاطفال وتَنبُت مكانهما الوحدة العربية .اجتمع الجميع حول الكعكه وقُصت وقُسمت، على الحاضرين مُرافقة بصرخات الفرح والسرور،. وكم كان مذاقها حلوٌو لذيذ تحت ألسنتهم الصامتة والخرساء. وحينما أقول هذا فأنني أعني ذالك. وهو واقع لايستطيع ألمرء نكرانه ..من يجهل اللغة العربية ولا ينطق بها فهو أصم وأخرس لا محالة …
وزعت الهدايا لجميع الحاضرين الصغار كعربون قيم لأمتنانهم الفائض. الجموع الغفير من الاطفال عبروا بشأن استمتاعهم بهذه السويعات المُلهمة لهم والمعززة لوعيهم اللغوي ،بأهميّة تعلّمهم وممارسة قراءة الكتب العربية منذ الصغر .

وكانت هناك ايضا اختتامية مميزة للغاية حيث أخذ كل طفل بالونه ملونة وكتب عليها اُمنية تمثل هوية الطفل العربي القابع في أعماقه. وأفلتوها تطير وتعلو وتعلو.، لتقفز الامنيات مزغردة; تعانق أحضان سماء الليل.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

*