ك ورون ا / رضا آنسته

img

أغرق في الحشود كما يغرق حجرٌ في بركة ماء، الشوارع مزدحمة بالفراغ والضوضاء، الأضواء أنياب جرذان كبيرة تقرض الإسفلت والنفس. السماء الرصاصية لاصقت الرؤوس. نقيق المايكروفونات وصدى مكبرات الصوت يصك صدغي بخطابات الانتخابات والمرشحين يرشحون مخاط أرواحهم من أفواههم ولا يحجبونها بمنادیل فتسقط على الجماهير فيصابون بالزكام.

الأزقة الخلفية للشوارع الرئيسية خالية؛ فيها سكينة سدرة جاثمة من قبل الزمان. لكني مضطرٌ إلى الخوض في المجاري والجماهير، حتى أجدها. لا أعرفها جيداً، لكن ملامحها ليست غريبة عني كباب طرقته مرة مرتين في طفولتي، وفتح لي وجه أليف. أبحث عن ذلك الباب، عما وراءه، أعرف أنه مخفي خلف هذه الحشود. فقدتُ خلفه صورة صامتة. لا أدري ماهي، لكنها من المستقبل. أنتظرها بفارغ الصبر؛ طويلاً… أعرف ملامحها الهلامية؛ إطارها المطاطي، لكنها ما زالت تتكون وتتشكل في رحم هذا الحشد، أعرف هذا. إنها قابعة في إحدى الزوايا.
كنتُ أمارس وأتمرن على تمرين أعطيته لطلبتي في الورشة ، حين قلت لهم: إنّ القاص صياد! يصطاد أسماك قصصه من أنهاروغابات الحشود كما يصطادها من بحورالوحدة والعزلة. هذه المرة الصورة قريبة غريبة، من الماضي المستقبل….إحه إحه… عفواً، دعوني أسلّك ريقي بقدح شاي ملوث بالكورونا. نكهته جيدة مثل وعود المرشحين. السماء الرصاصية تسقط في العيون.
لنعد نبحث معاً عن صورتي أو بالأصح صورة صورتي. لنرى إلى سرب الحمام القادم من الجهة المخالفة، قد يحملها إلي، لطالما كان بريد الحمام يحفل بالرسائل والقصص.
الوسطى تتهدل شفتيها سخرية واستهزاء وترتسم على وجهها تجاعيد مهرج، تثير ضحك صاحبتيها، ويضحكن أكثر حين ينتبهن إلى انتباهي إليهن، وأشيعهن بنظراتي وهن يتلاشين في الحشد.
تستمر عدستي في بحثها لاقتناص الصورة المطلوبة، السماء الرصاصية تصب في الحناجر والسعال واللهاث يخنق الجو والفايروس يتفشى أكثر فأكثر… الحمدلله أني أحضرتُ معي كمامة، لكني أخاف نوبة الغثيان التي تعاودني كلما عدت إلى المجاري. ما الفعل؟ لكل مهنة مصاعبها. والصياد عليه أن يخوض حتى في الوحل والمستنقعات وراء الطريدة إذا اقتضى الأمر. هناك نوعان من الطرائد في الفن النقية والملوثة. الفنان الذي يطارد الطرائد النقية فقط ولا يلوث أصابعه وفرشاته بالملوثة يحرم لوحته من “الظل”.
-إن أهالي المحمرة الشريفة لن تخدعهم بعد الآن أموالكم الكورونية.
ينهق مرشح عند نهاية تقاطع “نقدي”. خلفه صورته تحفه حفنة من الحشد، تذكرني بلوحة لبيتر بروغل. يحمل على ظهره كومة من الشهادات والشهادة الأهم طبعاً، الصادرة من وزارة صحة وصيانة سلامة المرشحين من “الكورونا”. فلا يحق للمصابين أن يترشحوا.
يشوش صوته على عدستي الحساسة، وهي تحاول التقاط ذبذبات صورة قريبة… شششــــــــ…ششـــــــــ…هناك… عند خيمة ذلك المرشح الذي ترشح صورته وصلعته نوراً يلصف ويعمي البصر في الزاوية، حيث يتهادى خيال طفولي ملطخة يديه بلزوجة صورة المرشح وهو يوزعها مع ابتسامة بريئة… أقترب فتقترب، تقدم إلى “الكورونا” أتردد لكسرٍ من اللحظة لكن روحي تنهزم أمام فراشة تلك الابتسامة المرفرفة، وتغادرني إلى سليم آخر؛ دراجة نارية، يمتطيها شابان متجهمان، تمد إليهما صورة “الصرصار” يأخذها سائق الدراجة بشاربه الذي يشبه “طبخة شاي” ويمزقها أمام وجهها بوحشية وهما يقذفان حمماً وقذارة تلتصق بوجهها كخيوط عنكبوت:
-الكلاب
-ال م ن ا و ي…
تجفل وترتد إلى الوراء، تسقط في حضني، وتشنجات وتجعدات غيمة بادية على وجهها، أبادرها بابتسامة، ومسحة على الذوائب المنهمرة على غصني كتفيها. تعود إليها شيئاً فشيئاً طفولتها ويُطرد منها الفايروس وأقول لها قبل أن ترحل لتوزعه وتنشره بين الحشود والمارة… إرتدي قفازات عزيزتي…
أنظر إلى يدي التي التصقت بها الصورة ورائحتها النتنة تزكم أنفي، أحاول أن أفصلها، لا تنفصل. أسحبها بقوة بيدي الأخرى لا فائدة، أضع طرفها تحت حذائي، أسحقها لا تنفصل، أصيح على أحد الحشود يسحبها بقوة لا تنفصل… أبحث عن شيء حاد لأمزقها، لا تتمزق، تتمزق يدي وتتضرج الصورة… يلتف حولي حشدٌ من الحشد، يأخذني أحدهم إلى المستشفى، يحاول الأطباء أن يعالجوا جرحي، لكن عليهم أن يفصلوا الصورة، تفشل محاولاتهم… مصورٌ صحفي من الحشود تبعني إلى المستشفى، يأخذ صورة صورتي.
يرخصني المستشفى بعد أن تعيه الصورة. أعود إلى البيت، السماء الرصاصية تسحق الأرض، الشوارع مقفرة إلا من كلاب سائبة هنا وهناك تحمي مقرات المرشحين.
في البيت أجلس مفكراً في حل لانتزاعها، لما لا أحرقها! أشعل الطباخ، أحدق في شعلته الزرقاء التي تترنح كالمخمور وتلمع كنصل، يسيل خيط من العرق على جبيني ونخاعي، أقرب يدي قليلا منها، تلفحني حرارتها، أضع طرف الصورة من طرف الشعلة:
-آاااخ….
تحمر وتسود يدي وأتلوى ألماً حتى الصباح، تفشل كل العصارات والمراهم في تسكين ألمي…
لا أدري ماذا أفعل، يجب أن أذهب إلى العمل، لكن الصورة تلاصقني، أكاد أصاب بالجنون،أصرخ، أضحك، أبكي، أتكور راكعاً وأعض راحة يدي، لها رائحة ونكهة البراز، أتقيأ، تتلطخ السجادة بعلق رصاصي يتراقص،وتلتصق الصورة بوجهي، تواجهني وجهاً لوجه، أتجهم تتجهم، أتبسم تتبسم … يرن الجرس، أفتح، الصحفي نفسه وفي يده ظرف رصاصي، يقدمه لي ويختفي… أفتحه، فيه صورة يدي ملتصقة بها صورتي!

 

رضا آنسته، المحمرة-الأهواز، 2020/02/17

Author : أنا مثقف الأهواز

أنا مثقف الأهواز

RELATED POSTS

تعلیقک حول الموضوع

*

تطبيق الواتساب
1
تواصل معنا عبر تطبيق الواتساب
مرحباً
تواصل معنا عبر تطبيق الواتساب
او ارسل لنا رسالة عبر البريد الأكتروني التالي:
anamothaqaf@gmail.com