قداسة البابا/رضا آنسته

img

1-إشكالية وتناقض العنوان لدى قداسته: “ديماغوجية الفسيفسائية” الديماغوجية تعني الواحدية المطلقية التقليدية، والفسيفسائية تعني التعدد والتنوع والاختلاف وكأن الكاتب يقول الواحد المتعدد!!

2- لكن فرضاً واحتمالاً واحتمال المحال ليس محالاً ونجاري قداسته مع عنوانه “الديماغوجية الفسيفسائية”، نقول إنها ديماغوجية مشروعة ومسموحة لأنها تعني أيديولوجيا التنوع وليس التعصب (الأيديولوجيا بمعنى الفكرة والمعرفة عند كارل مانهايم) والتسامح مع كل شيء إلا عدم التسامح!
وإن كانا أصلاً وأساساً نقيضان لا يجتمعان ولا يرتفعان، فمن برأيكم يجب أن يبقى ومن يجب أن يُرفع؟
3- الإبداع هو الأصل والنقد فرع، فهو تابع وليس متبوعاً. ولكي يكون الإبداع متبوعاً دون تبعية أي ليكون إبداعاً عليه أن يكون في جوهره لا مأخوذاً عن مثال واستنساخاً. وليس هذا معناه أن لا يتعلم أو يتناص مع الإبداعات السابقة أو حتى يقلد في الفروع وليس الأصول، وإلا كان لصاً! وعليه إن تحديد مدرسة الإبداع هو تحديد للأصول والتقليد في الأصول غير جائز!
4-الإبداع رؤية كونية وجودية ولكل مبدع وجوده ورؤيته ومن يقبل برؤية وجود آخر بدلاً لرؤيته لا وجود ولا رؤية له، إنه أعمى أو أعور، وحينها سيكون القائد والمَقود لوحة “بيتر بروغل” الشهيرة!
5- ليست مهمة النقد الأدبي أن يقول عماذا تكتب، ولكن كيف تكتب، ولا يجب أن تكون هذه الكيفية حول المدرسة التي ينكتب بها العمل الإبداعي بل حول كيفية وجودة العمل المنتج ضمن أطار وقالب ومقاييس تلك المدرسة، فالنقد لا يحدد ولا يفرض المدرسة الأدبية بل يقترح ويناقش نجاح المحاولة الإبداعية وما حاولت معالجته وطرحه ضمن إطار تلك المدرسة؛ بعبارة أخرى أن اختيار المدرسة الأدبية -التي هي في حقيقتها نظرة وجودية كونية أو حالية آنية تفرضها اللحظة الإحساسية الحدسية أو كما تقول البلاغة القديمة مطابقة المقال لمقتضى الحال الذي لم تعني به الوضوح أبداً- خيار قبلي وليس بعدي لا سلطة للنقد عليها، فهي من إمكانات الوجود في الانوجاد من خلال الماهية التي هي بناء وإعادة بناء للفرد والفردية والفردانية، ومن يريد أن يملي ويحدد عليك كيف تكتب إنما يريد أن يقولب ويصوغ فرديتك مثل فرديته نسخة طبق الأصل؛ ولا يجتمع استنساخ وفردية فالنقيضان لا يجتمعان ولا يرتفعان فإما “الأنا” وإما “البابا”!
ومن يكتب أدباً استنساخياً مقلداً إنما هو نساخ من العصور القروسطية أو آلة ناسخة وفي أفضل الأحوال هو كاتب شروح وحواشي على الأعمال الإبداعية المهمة وببساطة وبلغة بايولوجية هو “طفيلي”! وبلغة اجتماعية هو “طفل” يحتاج إلى سلطة ووصاية الأب وبطريركيته ليعرف ویمیز الخطأ من الصواب باعتباره غير ناضج. ألم يخرج بعد الإنسان في القرن الواحد والعشرين من عباءة التقليد ويبلغ النضج؟!
هذا خيارك الفردي أيها القارئ. إن نفس أن يقول لك أحد اكتب كذا ولا تكتب كذا لهو مَعيب ومهين ومشين. ولندقق إن من يقول لك كيف تكتب (في ضمن أي رؤية ومدرسة) إنه يحدد لك ماذا تقرأ، ومن حدد لك ماذا وكيف تكتب وتقرأ (زادك المعرفي العاطفي)؛ حدد لك كيف تعيش ومن حدد لك كيف تعيش أماتك! وهل الحياة إلا الحرية؟ ومن اغتال حريتك تحت أي ذريعة وحجة وكائناً من كان فهو يلغي حقك في الوجود والوجود بناء ماهية متحولة والتحول يعني الاختلاف والاختلاف قوس قزح أو رمادي وليس أبيض أو أسود. المبدع يرسم بالألوان! والديماغوجي مصاب بعمى الألوان.
6- البابوية تحاول أن تموّه خطابها بالمبادئ على مر التاريخ، والبابوية الأدبية تنتهج نفس النهج.
7-الإلتزام موقف والموقف ليس بالضرورة أن يكون في العمل الأدبي بل في المبدع وحياته، وسواء تجلى هذا الموقف في فنه أو خارجه؛ المهم أن يكون صاحب موقف.
8-المبدعون والنقاد جلهم تجاوزوا هذه الدعوة “دعوى الإلتزام” بهذا الشكل البدائي السافر الساذج لما تبين من مضارها ومعايبها وخطرها على مجمل العملية الإبداعية والفن، التي تصل وتسبب نوعاً من الرقابة الذاتية والخارجية وتكميم وتبكيت وتصميت الذات المبدعة. والتي أساساً لا ينقصها التصميت فی الشرق، بفضل السلطة والكنيسة والناس.
9-إن هذه الدعوة تلقائياً ستلغي وتمحي المدارس النقدية بالإضافة إلى المدارس الأدبية، فالأولى نتيجة ومسببة عن الثانية. مثل الشكلانية والبنيوية والأسلوبية وخاصة السيميائية. وتتضح أهمية هذه المدارس الأدبية والنقدية حين نعرف أن “النهضة العربية، فضلت كباقي النهضات الأجنبية، ولوج حقل المثاقفة، ومسايرة اللحظة التاريخية، التي ساهمت فيها تيارات سوسيو_ثقافية وجامعية. فظهور الكلاسيكية |الرومانسية |الانطباعية |السوريالية  |الوجودية |البنيوية |الأسلوبية، عند العرب لا يعتبر مجرد استيراد لفكر غربي، كما يحلو للفكر المؤسساتي اعتباره، من منظور جدالية أيديولوجية عمياء، بل هو ظهور طبيعي لروح “الكليات الإنسانية” التي تبحث عن حوافزها الأدبية والأنطولوجية، عبر الأجيال والصراعات والمقارنات.” على حد تعبير د. سعيد علوش -أستاذ الأدب الحديث والمقارن-في كتابه معجم المصطلحات الأدبية المعاصرة.
10-الأدب كائن حي عضوي لأنه يصدرعن كائن حي عضوي حساس ذي إدراك ووعي ومشاعر، ولا ينفع التدخل في عملية تطور ونمو هذا الكائن الحي من الخارج، وإلا سيكون أشبه بتدخل المزارع في تحول الشرنقة إلى فراشة قبل أوانها.
11- الأدب خلق وخلاقية على يد المبدع، فهو إله ما يخلق والإله لا يعبد ويسجد للأصنام والقداسات والبابوات.
12-إن كيفية معالجة ومعاينة مشكلاتنا التاريخية والاجتماعية والسياسية والنفسية والاقتصادية تختلف حسب منظار ومنظور كل واحد منا، لكم منظوركم ولي منظوري.
13- حتى لو لم أشأ أن أتكلم صراحة أو نهائياً عن مشكلات شعبي في أدبي، هذا شأني ربما أريد أن أتكلم عنها خارج أدبي، للشعب والإنسانية والتاريخ الحق في محاسبتي وأولهم ضميري إذا كنت غير مكترث ولم أنطق أو أحرك ساكناً حسب إمكاناتي وظروفي. وحتى لولم يكتب أو يتكلم الأديب عنها أصلاً لا يحق لنا رفض أدبه.
يلزم أن نفصل بين الأدب والأخلاق ومحاكمته على أسس أخلاقية فالأدب أدب ونحن في الأدب “لا نشبگ أخلاق” وإلا لنقذف بجل الأدب العربي القديم إلى سلة المهملات والنفايات أو البحر منها المتنبي مدّاح ومتملق السلطة الكبير وكذلك بالكثير من الأدب العالمي الحديث الذي لم يناقش قضايا الشعوب حتى في زمن كانت شعوب تلك الآثار تعاني تحت وطئة الاضطهاد. إن الحياة المبدعة (الإنسان) ليست أحادية الجانب على حد تعبير ماركوزة، ولا نخف على قضايا الشعوب فسيُقيَّض من يكتب لها، بل إن سوق “عكاظ” سينظم نفسه بنفسه فإنه كائن عضوي حي ولا يتبع نظام العرض والطلب لا الرأسمالي ولا الاشتراكي. أم ماذا يطلب منا سماحة “قداسة البابا” أن نأخذ كل أثر أدبي متميز ونحرقه لأنه لم يتكلم عن مشكلات الشعب أو أياً كانت، حسب إملاءاتنا، والاملاء سلطة وتسلط والأديب والأدب حرٌ وحرية، ونقيم محارق كنسية أو عنصرية جديدة، وقودها تلك الكتب وغازها ألأفكار السامة.
وأكبر عجبي أن يأخذ الضحية “الكاتب” دور الجلاد! وبدل أن يذود ويدافع عن رفاق فكره وقلمه بالمعنى العام، يعين عليهم السلطة التي لا ينقصها معين، بهكذا دعوات شاء أم أبى وعى أم لم يعي.
14- ختاماً وبيدنا أن نجعله مِسكاً أو حَسكاً،أتوجه بهذا السؤال المصيري التاريخي للشعب الأهوازي مباشرة، لو ظهرت ونبغت في وسطكم موهبة وعبقرية أدبية شعرية أو سردية أو فنية عموماً، في مصاف عظام أدباء العالم ولم تتطرق بصراحة إلى مشكلاتكم في أدبها وكتبت برمزية غامضة حتى أكثر تعقيداً من “سان جون بيرس” أو “أدونيس” هل ستحرقون آثارها وتتبرأون من أعمالها رغم اعتراف العالم بها؟!
والإحراق هنا ليس مادياً بل معنوياً -وكأنكم شعبة في التوجيه السياسي للأنظمة الشمولية- بنبذكم لآثارها ومقاطعتها وعدم محاولة قراءتها. وأنا مؤمن بأننا شعبٌ أرقى من هذا.
أليس في المجتمع الأهوازي قراء نخبة يقرأوا أدباً أهوازياً راقياً رغم قلته لظروف المرحلة؟!
ألا يجب على باقي القراء أن يحاولوا أن يرتقوا ويقاربوا ويقرأوا أعماله؟ وفي النهاية كلٌ يأخذ وينهل منه حسب ظرفيته الوجودية وعلمه واستعداده. أم نقبل أن يُقال عنا أننا شعبٌ؛ “أعداء ما جهلوا” ضحل الثقافة -رغم كل الظروف البئيسة المفروضة علينا التي يجب أن نتحداها- نحارب ما لا نفهم ولا نحبه لمجرد أننا لا نفهمه لأننا لا نحاول أن نفهمه.
إنّ المبدع بطبيعته وبحكم تربيته الوجودية الجمالية يكون معقداً حتى في بساطته الشخصية والإبداعية وعلى القارئ أن يقرأ ما بين السطور. والفهم تفسير وتأويل وقد قال “نيتشة” لا وجود سوى للتأويلات. والأدب الذي لا يؤول لا يعوّل عليه وربّ نص أدبي واقعي يؤول أكثر من نص رمزي فالمناط ليس الرمزية والغموض بل الإبداع. فدعونا نترك للمبدع والأديب والفنان الإبداع-ضمن أي إطار حتى إطار اللا إطار- وليترك لنا نحن التأويل.
__
رضا آنسته، المحمرة-الأهواز،16|2|2020.

Author : أنا مثقف الأهواز

أنا مثقف الأهواز

RELATED POSTS

One thought on “قداسة البابا/رضا آنسته”

  1. عبدالسلام الهلالي

    شكرا لك استاذنا الكريم على نقدك وردك العلمي
    وكما تفضلتم في ردكم إن الادب شيء والاخلاق شيء اخر.
    الكثير من الذين ينقدون يتحدثون عن المباديء والاخلاق العربية ويريدون بقولهم حصر الادب بهذه الاخلاق ولو عملنا كما تفضلتم بمايريد هؤلاء فلا يبقى أي اثر لأدب المتنبي (اذ حين هجاء كافور )او مديحه لباقي الامراء وكذلك لايبقى أي اثر لإمريء القيس و تغزلة ولا يبقى كذلك أثراً لنزار قباني.
    إن العنجهيات والشعارات الكثيرة التي نسمعها اليوم كثيراً من افواة البابوات مثل حضرة قداسة البابا المحترم هي في الواقع كثيرة بحيث ملئت عالمنا الاهوازي المسكين واقامت الدنيا ولم تقعدها على رؤس كتابها المستجدين ناسين ان شعبهم هو حديث النهوض وبدائي العهد.واكثر هذه الشعارات هي تكون يا إما من تعصبهم الكثير ويا إما جراء حسدهم وضعفهم في عدم كتابة ما يكون مستحق ان يكون أدباً فيقعون في الحسد فيملأون الدنيا عواءاً ونحيبا على حظهم المسكين ؛
    فما ذنبنا أن جاش دهرا بحورنا
    وبحرك ساج لا يواري الدعامصا
    فهؤلاء يتخذون مشكلة شعبهم المسكين واضطهادة شماعة يعلقون عليها ضعفهم الابداعي والادبي وينزلون في الناس رداً وقذفاً وشتما.
    الادب هو الادب يتكلم عن هموم الفرد،عن مشكلاته النفسية عن مايدور في خاطرة ،عن الاحب وحتى عن الله وكذلك اضطهاد الشعوب هو قد يكون من مواضيع الادب لاكن حصر هؤلاء للناس بأن يتحدث الادب فقط عن مشكلة الشعب (أجعل الآلهة إلها واحدا إن هذا لشيء عجاب)
    واخر قولي لايسعني إلا ان اشكرك جزيل الشكر لنقدك وتوضيحك

تعلیقک حول الموضوع

*

تطبيق الواتساب
1
تواصل معنا عبر تطبيق الواتساب
مرحباً
تواصل معنا عبر تطبيق الواتساب
او ارسل لنا رسالة عبر البريد الأكتروني التالي:
anamothaqaf@gmail.com