أنا مثقف الأهواز
خانه » القسم الأجتماعي » مقالات أهوازیة » الإنسان في غابة المجتمع المدني

الإنسان في غابة المجتمع المدني

  • بقلم: إبتسام فاخر

العنف و العدوانية المسألة الوحيدة التي رغم التطور و التقنيات الحديثة، لم يجد لها البشر حل وباقية مشكلة أساسية من الأزل وربما للأبد. الإنسان لازال في صراع لأجل البقاء كما كان الأولون. التقدم فقط أمكن للإنسان أن يمارس تلك العملية بوسائل و تقنيات جديدة ولكن الغاية و الجوهر واحد و لن يتغير.

نُهي الإنسان عن القتل و الصراعات الدموية وألّف كتب و قدّم محاضرات في هذا الباب و لكنه يستنبط هذا العنف بداخله و يمارسه على هيئة أخرى. فعدم ممارسة بعض التصرفات لاتعني زوالها لقول العلماء الإناسيين. بل هي دفينة في أدنى حقبات لاواعيه. فمن هنا یبیّن أن عنف الإنسان البدائي لا يختلف عن المتقدم بل الإختلاف فقط في الوسائل ولا غير. يقول أوتو كلاينبرغ* عن البدائين “بأن حروب البدائية قليلة الخسائر في الأرواح عادة.. البدائي ليس وحشياً ولا همجياً بالدرجة التي تظهر في الحروب المجتمعات الصناعية.”

كان الإنسان البدائي يقوم بممارسة العدوان للحصول على الغذاء بقدر الضرورة ولا أكثر أو الدفاع عن ممتلكاته ولكنه ما كان يحمل حقداً او كرهاً لبني نظيرة ولا يقوم عليهم بحرب مدمّر طوال الوقت. وكان يأكل و يشرب حسب تقسيمات الطبيعة التي توزع المنابع على الكل بنسبة واحدة أو على حساب الكفاءة. ولكن كما نشاهد في عالم اليوم أي المجتمع المدني رغم الدعايات الثقافية و المدنية يقوم الإنسان المتمدن بالتطاول على بني نظيرة للنيل من أموالهم و ممتلكاتهم ولو بالقوة و إقامة الحروب المدمرة التي تهدر الأرواح و الأجساد. و على مدى الفردية نرى أن الإنسان المتقدم يحمل في قلبه كرهاً و حقداً لأحد أو لمجموعة من بني نظيرة لأجل ثمّة اختلافات في الآراء و العقايد ويترقب فرصة لإقامة الحرب ضدّهم ولو يكون الحرب نفسي! وبهذا صحّ ما قاله بعض العلماء كإبن خلدون و غيره الذين رأوا أن الإنسان البدائي كان أكثر مسالمة من الإنسان الحديث. وذكر فوستو أنطونيني** في كتابه الإنسان الغاضب عن الحقد، “إن الحقد هو أهم ما يميز عدوانية الإنسان عن عدوانية الحيوان. فليس هناك حقد عند الحيوانات. كما أن عدوانية الحيوانات لا تصل ابداً درجة الإستقلالية التي تلاحظ عند الانسان. فالحقد هو عدوانية تسامت حتى تجاوزت البيولوجي كلياً، كي تصل مرتبة نفسية خالصة”. فحياة الإنسان البدائي كانت أقرب للطبيعة من الإنسان الحاضر ولهذا كانت المشتركات بينه و بين الحيوانات من حيث المعاملة كثيرة جداً. وما هو الإنسان إلا حيوان العاقل المدبّر الذي يحقد و يكره.

ماهي عنوان الثقافة أو التقدم إلا غطاء او قناع للمارسة العنف بصورة عصرية و من هنا يظهر مصطلح “البربرية العصرية” أو “الوحشية الحديثة” من حيث كل التمدنات و الحضارات تميل إلى العنف و العدوانية بشكل آخر وتحت عناوين و تبريرات حديثة تخصها للنيل من مقاصدها الغيرسليمة. قد قارن الكاتب و الفيلسوف اللبناني، علي حرب*، بين الإنسان المعاصر أي المدني و الإنسان القديم، بين المجتمعات التقنية و المجتمعات الوحشية. فلاحظ أن كل تقدم يقابله تخلف. فقد تقدم الإنسان الحالي بما لا يقاس على صعيد العلوم و لكنه تخلف في مجالات أخرى. ولهذا بدا له الإنسان الحالي أي المدني، أقل توازناً و حكمة من الإنسان القديم. وكأن الإنسان المعاصر يدفع ثمن تقدمه الحضاري و التقني عزلة وإرهابا، أو عبثاً وجنوناً. فكلما زاد الإنسان بسطة في العلم، اخترع وسيلة تدميرية جديدة تسبق القديمة بالعنف الدموي الناشئ من حرصه و طمعه تجاه الحصول على ما يملكه غيره و التعدي على أمواله و إستلاب شخصيته. فهذه أحوال المجتمع المدني و الإنسان الحاضر الذي يتنكّر أفعاله تحت غطاء الثقافة و حقوق الانسان وغيره من الألقاب المزيفة.

*Otto Klinberg, Social Psychology. New York, N. Holt, 1954.
**Fausto Antonino, L’homme furieux. Paris, Hachette, 1970.
*علي، حرب. خطاب الهوية، سيرة فكرية. دارالعربية للعلوم الناشرون. ٢٠٠٨

جوابی بنویسید

ایمیل شما نشر نخواهد شدخانه های ضروری نشانه گذاری شده است. *

*

*