أنا مثقف الأهواز
خانه » تطوير الذات » فوبيا “التفنيش” وقهر الاستعباد

فوبيا “التفنيش” وقهر الاستعباد

فوبيا “التفنيش” وقهر الاستعباد

د. سامر جميل رضوان

 

فوبيا “التفنيش” متلازمة مرضية جديدة، قمنا بملاحظتها، غير مصنفة في منظومات التصنيف العالمية، تتصف بخصوصية يمكن دراستها وتحديد ملامحها، شائعة الانتشار لدى شريحة معينة من المهاجرين العرب العاملين في دول الخليج العربي، ذات أبعاد تحتاج إلى مزيد من التقصي والبحث.

وتختلف هذه المتلازمة عن قلق البطالة عن العمل أو الخوف من فقدان العمل بمجموعة من الخصائص، التي يمكن تحديدها بوضوح وفصلها مفاهيمياً.

سنحاول في هذه الدراسة القيام بتحديد مفاهيمي لهذه المتلازمة ومبررين تصنيفها ضمن متلازمة مستقلة، أو ضمن الرهابات النوعية Specifically Phobia.

 

“التفنيش” مصطلح معرب شائع الاستخدام بين العاملين في دول الخليج العربي و هو مشتق من الاسم الانجليزي Finish ، أي ينهي. ولها معان أخرى “يجهز على، يقتل…الخ”. ويعني “التفنيش” إنهاء عقد العمل من قبل رب العمل، وربما عدم السماح للمقيم باستمرار إقامته في البلد المقيم به، وعليه مغادرة البلد خلال مدة معينة.

تتصف دول الخليج العربي باستقدام العمالة الوافدة من بلدان كثيرة، في جميع الميادين، وتشكل هذه الدول -على المستوى الهوامي اللاواعي في الأغلب-  هدفاً لكثير من الشبان الذين يعانون البطالة المكشوفة والمقنعة في بلدانهم من أجل تحقيق الغنى و مواجهة قلق الفقر والمستقبل و تحقيق نوعية جيدة من الحياة، أفضل مما تتيحه لهم بلدانهم المرهقة بالمشكلات الاقتصادية و ينخر فيها الفساد وسوء التخطيط. وسرعان ما تجد هذه الشرائح نفسها أمام واقع أكثر إيلاماً وأكثر قهراً، على الرغم من أن نوعية الحياة (الاستهلاكية) تتحسن لديهم بدرجة أفضل مما هو الحال في موطنهم الأصلي، إلا أنها تظل في كل الأحوال أقل مما ينبغي له أن يكون مقارنة بما يبذل من جهد وطاقة، ضمن ظروف عمل بائسة في كثير من الأحيان تقتل الإبداع  و تستنزف إنسانية الإنسان، عدا عن المعاناة الحقيقية للغربة ومشكلاتها بسبب العزلة الحقيقة  Isolation والتي لا تبدو داخلياً كذلك، والاغتراب النفسي Depersonalization .

 

ولم تتم حتى الآن دراسة هذه الفئات، لا من الناحية الاجتماعية ولا من الناحية النفسية، وهي في الأغلب مهمشة أصلاً. فهي “وافدة” أو “مقيمة” و تظل في النهاية عمالة.  إلا أن قسم كبير منها ونتيجة لنوعية التأهيل الذي تتمتع به، سواء في الدرجات الدنيا منه أو في الدرجات فوق المتوسطة منه يتمتع بحراك مهني، ينتقل من مهنة إلى أخرى نتيجة عدم وجود مؤهلات معينة مطلوبة أو لوجود مؤهلات خاصة تتيح لصاحبها الانتقال تصاعدياً كلما سنحت الفرصة لذلك، تتباين فيها الحقوق الممنوحة لها ومجالات الحرية بنسب متباينة. والجزء الأكبر من هذه الشريحة يقضي معظم سنوات شبابه في الغربة، منتقلاً من عمل لآخر، ومن شريحة لأخرى، إلى أن تنتهي سنوات صلاحيته، سواء من خلال المرض أم من خلال عدم ملائمته للمتطلبات والشروط أم من خلال أسباب أخرى، فيرجع إلى غربة أخرى في بلده قد تكون في كثير من الأحيان أشد وأقسى، لما تتطلبه من إعادة تكيف، على الرغم من أن قسم كبير يكون قد حقق الأمن المادي إلى حد ما إلا أنه كثيراً ما يكون قد فقد الأمن الاجتماعي، و سنوات العمر الضائعة لن تعود كما كانت، فلا الأحلام المؤجلة تتحقق، والأحلام الراهنة تصبح باهتة لا لون أو أفق لها، وخصوصاً عندما يكون الإنسان قد فقد الأحبة وخاب أمله بالأولاد، الذين كبروا في غيابه، وكان لهم “البقرة”  التي تأتيهم بالحليب في بعض الحالات.

وهناك فئة أخرى “المهاجرين المؤقتين”، وهي فئة ليست عاطلة عن العمل بالأصل في بلدانها، أو أن فرص حصولها على العمل بسبب طبيعة مؤهلاتها أفضل، على الرغم طبعاً من وجود تفاوت في الدخل، غالبيتها تعمل في الميدان التعليمي و الأكاديمي، تهاجر بحثاً عن فرصة مادية أفضل بهدف تحسين نوعية الحياة تحت “مسمى “الإعارة”. فيتم تصنيفه في بلده “معاراً” وفي بلد العمل يقع تحت الفئة التصنيفية نفسها من “الوافدين”. وتتصف هذه الفئة بمحدودية فترة إقامتها، التي تختلف باختلاف القوانين السارية في البلد الأم بين الأربع حتى الست سنوات وأحياناً أكثر قليلاُ تبعاً للظروف الاقتصادية والسياسية و مزاجية مانحي الاستثناءات ومطاطية القوانين وتماهيات “المعارين” بالمعتدي. ولهذه الفئة خصائص تختلف عن الشريحة الأولى من حيث  الشريحة العمرية التي تقع فيها و وجود عمل ثابت في أغلب الحالات في البلد الأم، و محدودية منظور فترة الإقامة، إن طال أو قصر، وحصولها على بعض الميزات كالضمان الصحي والاستقرار الاقتصادي عبر إطار زمني محدد، وتعاني بالإضافة إلى ذلك من غالبية مشكلات الفئة الأولى بالإضافة إلى إلإرهاقات Stress الناجمة عن إجراءات التجديد والموافقات السنوية المقيتة و بيروقراطية الروتين التي عليها إجراؤها في فترة زمنية محدودة كل عام من البلد الأم، ودفع النسبة المئوية للفائدة للجهة المعيرة “ما يسمى ضريبة الاغتراب” التي تفرضها كثير من الدول. كما تشكل “الإعارة” بالنسبة لغالبية هذه الفئة الفرصة الأولى والأخيرة في الحياة لتحسين نوعية حياتها في بلدها الأم، لأسباب كثيرة، منها ما يتعلق بفقدان المنظور المستقبلي في بلدها الأم وفقدان الأمل بتحسين الأوضاع في بلدها و منها ما يتعلق بالسن، أي بالمرحلة العمرية الحالية والقادمة ومتطلباتها،  ومنها ما يتعلق بالطموحات الاجتماعية والأسرية، كموفد لذاته أم موفد بالإنابة عن منظومة أسرية أم عائلية تسعى من خلاله (أو من خلال تماهياتها معه) لتجاوز قهر الحياة و تحقيق هوامات التمدد، و ترميم الجرح النرجسي،  و صعوبة الحصول على فرصة أخرى قريبة سواء بسبب القوانين السارية المتعلقة بالبلد الأصلي أم لأسباب أخرى متعلقة بفرصة الحصول على فرصة أخرى بسبب المنافسة الشديدة أو بسبب توافر كوادر وطنية في بعض الميادين.

فهذه الفئة معرضة لضغوطات كثيرة ومتنوعة تحتاج لتقصي وبحث دقيق، تتجلى في محدودية منظور إقامتها، وحاجتها الملحة لتحسين نوعية حياتها عبر فترة زمنية محددة، وازدواجية انتمائها الأكاديمي، وتراجع وضعها الاجتماعي المرتبط بالوضع الأكاديمي بسبب تحول فئتها التصنيفية إلى “وافد”، و اضطرارها، بإرادتها أم بإرادة غيرها  لتقديم تنازلات كثيرة وما ينجم عن ذلك من صراعات.

 

مشاريع كثيرة، في غالبيتها مادية، استهلاكية، يتم تبينها والسعي نحوها، و تتضخم الحاجات لتمتد إلى أبعد من إشباع حاجات أساسية ليست مشبعة بالأصل، إلى تضخم في الإشباع وفرط فيه، ليصل في النهاية إلى تقزيم لهذه الحاجات لتعود فتصبح في غالبيتها حاجات مؤجلة، ليوم سيأتي. نكوص نمائي ملتف تصاعدياً، محاصر في المرحلة الثانية منه؛ عودة للمرحلة الفمية  بطموح إعادة البناء للوصول للمرحلة القضيبية، إلا أنه بعد فرط الإشباع الفمي يصل للمرحلة الشرجية فيتثبت فيها، مؤجلاً المرحلة الأخيرة……

 

ومن المفترض لهذه الشرائح على المستوى النظري المفاهيمي على الأقل أن تحمل رسالة فكرية-علمية واجتماعية، تتجلى فيها رؤى للتطوير الاجتماعي-العلمي في الميادين التي تعمل فيها في أبسط الأحوال، وتسعى للتطوير، وأن تعمل وفق معايير أخلاقية-علمية “موضوعية” على المستوى النظري على أقل تقدير ، خصوصاً وأن جانب من “الأمن المادي” محقق إلى حد ما. ومع هذا نلاحظ أن إسهاماتها العلمية الأساسية والاجتماعية تكاد تكون معدومة، وما يحصل في أحسن الأحوال مجرد اجترار قسري لمخزون معرفي معاد اجتراره عشرات المرات إلى درجة تكاد تكون فيها إمكانية الاستعصار معدومة. وإسهامها في التطوير الاجتماعي في حده الأدنى، كونها واقعة ضمن فئة تصنيفية أدنى، ومن ثم فهي معزولة عن السياقات الاجتماعية التي تعيش ضمنها، ممنوع عليها، بقصد أو دون قصد الولوج الاندماجي في هذه المجتمعات، فهي تعيش مُهَمَّشة أو مُهَمِّشة لنفسها، لا ترى سوى ما يطفو على السطح، أو سوى ما يراد لها أن تراه. وهذا ليس نابعاً من قسر خارجي، بل تحتل عوامل القسر الرهابي الذاتي فيه دوراً0

الإرهاقات التي تتعرض إليها هذه الفئات إذاً ، والتي تنبع من صراعات مريرة بين الواقع والطموح، بين الحاجة  النفسية والمادية، بين الأخذ والعطاء، بين التثبيت والنمو،…الخ صراعات معيقة تنبت في بيئة يفترض فيها أن تعيش ضمن حد معقول من المعوقات، إذا ما أريد لها أن تسلك عملياً ومعرفياً وفق ما هو مفترض لها أن تمثله.

فما هي “فوبيا التفنيش”، وما هي مظاهرها السلوكية والاجتماعية والباثومرضية؟:

“فوبيا التفنيش” إذاً هي الخوف أو القلق الواقعي أو المتخيل من إنهاء عقد العمل، على الرغم من أن هذا الإنهاء لا يشكل أي تهديد وجودي للشخص. فهي خوف بالمعنى العام، وخوف خاص (رهاب نوعي) من نوع محدد ومؤطر من المواضيع. و هي لا تحتلف بهذا التحديد عن القلق وإشكالياته الباثومرضية. إلا أننا نرى الخصوصية في تجلياته على المستويات الثلاثة للقلق؛ المعرفية والسلوكية والانفعالية، والآثار الناجمة عن ذلك لدى شريحة يفترض أن أساس عملها ينبع من الحرية الأكاديمية، والموضوعية وتحمل على عاتقها جانباً من واجب التطوير الاجتماعي والعلمي للمحيط الذي تعيش فيه كما أسلفنا.

على المستوى المعرفي يمكن تلخيص هذه المتلازمة  في مقولة “اربط الحمار في المكان الذي يريده صاحبه”، مع كل ما يحمله محتوى العبارة من عدمية معرفية و لامبالاة وتجميد للفكر واستسلام.  بالإضافة إلى تفشي أفكار زورية (بارانوية)، والتي تعد نظرية المؤامرة جزءاً من هذا النمط من التفكير، الذي تتضخم فيه النرجسية الذاتية إلى درجة الاعتقاد بأهمية موهومة  للذات، وتمطمط لها، وصولاً إلى التفكير الزوري، التآمري.

–   على المستويات السلوكية تلاحظ أعراض هذه المتلازمة بأشكال مختلفة، تختلف بحسب طبيعة موقع الشخص فيما إذا كان تابعاً أم متبوعاً، إلا أنها تتميز جميعها بالمجرى الخالي، أي التظاهر بالانشغال دون هدف وظيفي محدد وواضح ودون محتوى يمكن أن ينعكس بصورة إيجابية بدرجة من الدرجات والازدواجية السلوكية.

–       الخضوع الظاهري للسلطة وتنفيذ “الأوامر” والتوجيهات دون نقاش.

–   عدم الوضوح والصراحة في إبداء الرأي التخصصي، وتضخيم آراء ومقترحات رب العمل على الرغم من أنها، تستحق النقاش والتأمل،

–       عرض الخدمات والقيام بها، التي ليست من ضمن طبيعة العمل،

–       الادعاء بالمعرفة بكل المجالات القريبة والبعيدة من التخصص.

–   المبالغة وتضخيم الإنجازات والأعمال التي يتم التكليف بها، على الرغم من أن التأمل الدقيق بمحتواها يظهر أنها ليست من طبيعة العلم بوصفه علماً والتضخيم لهذه الإنجازات رغم المحتوى الفارغ.

 

وهذه المظاهر ليست تجليات بحد ذاتها للقلق الكامن بمقدار ما هي تشويهات دفاعية لتسكين حدة ذلك القلق وإزاحة له كي يتم التخفيف من لحظة المواجهة، وهي إن حانت تتجلى وضوحاً من خلال أعراض جسدية –نفسية، وتمرد نرجسي على الذات والآخرين.

جوابی بنویسید

ایمیل شما نشر نخواهد شدخانه های ضروری نشانه گذاری شده است. *

*

*